في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتجدد في شرق آسيا ملامح توتر قديم ولكن بأنماط مختلفة، حيث العلاقة الصينية اليابانية المثقلة بإرث الحرب العالمية الثانية تعود إلى واجهة المشهد مع تصاعد الشكوك المتبادلة.
وبينما تسعى طوكيو إلى إعادة تعريف دورها العسكري، تنظر بكين إلى هذه التحركات عبر عدسة التاريخ والأمن القومي، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو سباق تسلح جديد.
ويتابع الإعلام الصيني التحركات اليابانية باعتبارها مؤشرات على تغيير في بنية الأمن الإقليمي واحتمالات انزلاق المنطقة نحو تحشيد عسكري، حيث تقرأ كل خطوة يابانية في سياق أوسع من كونها "تحديثا دفاعيا تقليديا" أو إعادة ضبط لمكانة طوكيو في معادلة الردع الآسيوية.
وتربط الصحيفة هذا المسار بتمرير حزمة قوانين تسمح بتوسيع دور قوات الاحتياط ودمج منظومات الاستخبارات تحت سلطة مباشرة لرئيس الوزراء، في خطوة يمكن وضعها في إطار محاولة بناء "نظام عسكري وطني شامل".
كما يشير تحليل نشره موقع "نت إييز" الإخباري إلى أن هذه التحولات تجري في ظل خطاب سياسي صدامي تتبناه رئيسة الوزراء اليابانية الحالية ساناي تاكايتشي، خاصة في ما يتعلق بربط "قضية تايوان" مباشرة بالأمن الياباني، وهو ما ينظر إليه في بكين على أنه خروج عن الإطار التوافقي الذي حكم العلاقات منذ توقيع الوثائق السياسية المشتركة بين البلدين.
في العمق العملياتي، تبرز جزيرة ميناميتوري كرمز لتحول نوعي في الانتشار العسكري الياباني، إذ يوضح تقرير صحيفة هوان تشيو الصينية أن بناء أول ميدان تجارب لصواريخ يتجاوز مداها 100 كيلومتر، ونشر منصات صواريخ من طراز-12 المضادة للسفن هناك، يهدف إلى حل عقدة اختبار الأسلحة الهجومية محليا بعيدا عن الضغوط والرقابة الخارجية.
وتضيف صحيفة ذا بيبر أن الجزيرة تتحول عمليا إلى قوة نارية متقدمة في غرب المحيط الهادئ، عبر ربطها بشبكة صواريخ يصل مداها إلى 1000 كيلومتر، بما في ذلك منظومات فرط صوتية قيد التطوير، مما يخلق عمقا جديدا لقدرات الردع والضربات البعيدة عن الأراضي اليابانية الرئيسية.
هذه البنية لا تخدم فقط البعد العسكري، بل ترتبط أيضا بمسألة السيطرة على موارد الجزيرة، مثل العناصر الأرضية النادرة التي قد تتجاوز 16 مليون طن بحسب التقديرات البحثية، مما يعني إضافة عنصر اقتصادي إلى التوتر.
تتوسع ذا بيبر في وصف تطور المنظومة القتالية اليابانية متعددة المجالات، من صواريخ طراز-25 بعيدة المدى، إلى مشاريع صواريخ انزلاقية فرط صوتية يفوق مداها 2000 أو 3000 كيلومتر، وصولا إلى بحث الحكومة إدخال غواصات غير مأهولة قادرة على حمل طوربيدات وألغام بحرية.
وينقل التقرير عن خبراء عسكريين أن هذه القدرات تُصاغ ضمن تصوّر "نظام مضاد لحاملات الطائرات"، حيث تتكامل منظومة عمل الأقمار الصناعية والطائرات والسفن والغواصات غير المأهولة والصواريخ البعيدة المدى، لتشكّل شبكة هجومية يمكن أن تستهدف قواعد عسكرية وتشكيلات بحرية كبرى.
ومع توثيق حالات الاستطلاع اليابانية المكثفة، ومحاكاة الهجوم على حاملة الطائرات "لياونينغ" أثناء تدريباتها في أعالي البحار، أصبح السلوك الياباني -في نظر بكين- في انتقال من مرحلة المراقبة إلى "الاختبار العملي" لفعالية منظومات الردع الجديدة.
العقيد تشن شي:
زيادة الإنفاق العسكري، وتخفيف قيود تصدير السلاح، وتطوير صواريخ بعيدة المدى، ومحاولات تعديل الدستور، تجعل من اليابان "برميل بارود" في منطقة آسيا والمحيط الهادئ
تُبرز تغطية صحيفة الشعب أيضا حجم المناورات المشتركة بين اليابان والولايات المتحدة ، مثل مناورات "الدرع البطولي 2026" ومناورات "التنين الصامد 2026" التي شملت سيناريوهات هجوم ودفاع على الجزر، وحرب بحرية بعيدة، وإغلاق بحري لمناطق واسعة في غرب المحيط الهادئ.
هذا النمط من التدريب، إلى جانب فتح قواعد أمام صواريخ أمريكية متوسطة المدى، يقرأ في الإعلام الصيني على أنه تحويل الدور الوظيفي لليابان إلى "قاعدة متقدمة" ضمن شبكة احتواء أوسع تستهدف الصين.
في الوقت نفسه، تُبرز تقارير وسائل الإعلام الصينية سعي طوكيو إلى توسيع صادرات السلاح، من خلال عروضها المقدمة للفلبين وأستراليا ونيوزيلندا، مما يعزز فكرة بناء "تحالفات صغيرة" من شركاء عسكريين حول الصين، وربط مصالحهم الدفاعية بمنتجات الصناعات العسكرية اليابانية.
وتصف تصريحات المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية العقيد تشن شي -كما نقلتها صحيفة هوان تشيو- اليابان بأنها تتحول إلى "برميل بارود" جديد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مع توالي خطوات زيادة الإنفاق العسكري، وتخفيف قيود تصدير السلاح، وتطوير صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، ومحاولات تعديل الدستور السلمي.
أما الخارجية الصينية، فترى عبر تصريحات المتحدث غوه جيا كون أن العلاقات الثنائية تمر بـ"صعوبات خطيرة" سببها تحركات طوكيو في ملفات تايوان والأمن الإقليمي، مع التحذير من أن الاستمرار في هذا السلوك قد يفتح الباب للتشكيك في شرعية النهج السياسي الياباني، خاصة إذا ما اقترب من إعادة إنتاج أنماط "العسكرة القديمة" أو الانخراط في شكل جديد من أشكالها.
في ضوء هذه القراءة، لا تقدم التحركات اليابانية كإعادة تموضع دفاعي بريء، وإنما كجزء من دينامية أشمل قد تقود إلى سباق تسلح إقليمي، لا سيما إن ردت الصين بخطوات مقابلة لمعادلة ما تعتبره تهديدا متناميا قرب حدودها البحرية.
ومع ذلك، تبقى مخرجات هذا المسار مرهونة بقدرة الأطراف على ضبط التصعيد وتجنب سوء التقدير، وفيما إذا كانت طوكيو ستستمر في توسيع هامشها العسكري، أم ستسعى إلى التوازن بين الطموح الإستراتيجي ومتطلبات الاستقرار في محيط شديد الحساسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة