في وقت تتسارع فيه المؤشرات على قرب بلورة مبادرة أميركية لتوحيد المؤسسات الليبية، كشف سفير ليبيا السابق في سوريا، محمد بن شعبان، في حديث لبرنامج "التاسعة" على "سكاي نيوز عربية"، تفاصيل لافتة عن خلفيات هذا التحرك وأبعاده، مؤكدا أن ما يجري ليس مجرد ترتيب سياسي عابر، بل استجابة أميركية لمعطيات ميدانية وشعبية تشكّلت في ليبيا على مدى السنوات الأخيرة.
وأوضح بن شعبان أن المبادرة الأميركية لم تُصَغ من فراغ، بل جاءت انعكاسا لرؤية شعبية ليبية تتطلع إلى إنهاء الانقسام والفوضى المسلحة في بعض المناطق، مشيرا إلى أن هذا التطلع الشعبي "التفّ حول شخصية قوية قادرة على توحيد المؤسسة العسكرية، ووجد كثيرون في الفريق صدام حفتر هذا النموذج".
وبحسب بن شعبان فإن الإدارة الأميركية لمست بدورها أهمية شخصية صدام حفتر في مسار تماسك الجيش وتوحيده، وهي النقطة التي التقى عندها مستشار كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس مع هذا التوجه، منطلقا من الشعبية التي يحظى بها والنموذج الذي أرسته القيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر.
سيطرة على 5 آلاف كيلومتر من الحدود.. سرّ الجاذبية الأميركية
ربط بن شعبان جاذبية هذا النموذج لدى الدول الكبرى بقدرته على السيطرة على جغرافيا هائلة، وفرض الأمن فيها، وتأمين حدود شاسعة تمتد لنحو خمسة آلاف كيلومتر، إضافة إلى النجاح في محاربة الإرهاب وبناء جيش منظم ومحترف.
هذه العوامل مجتمعة، بحسب بن شعبان، هي ما جذب الإدارة الأميركية وبولس تحديدا إلى الدفع بمبادرة يعتقدون أنها قابلة للنجاح، وتحظى باستحسان أغلب الدول الكبرى، فضلا عن استحسان شعبي ليبي سئم من الوجوه المتكررة التي هيمنت على المشهد طوال خمسة عشر عاما.
ثقة مشروطة بدعم دولي وشرعية "القائد الأعلى"
عبّر بن شعبان عن ثقته الكبيرة في قدرة الفريق صدام حفتر على إعادة تهيئة المجموعات المسلحة، عبر تصنيفها بين من يمكن تدريبه، ومن يمكن احتواؤه، ومن يجب إقصاؤه، لكنه ربط ذلك بشرط أساسي، هو وجود إجراءات صحيحة مدعومة دوليا، وشرعية بصفة القائد الأعلى للجيش، وهي الصفة التي يُفترض أن تُمنح لرئيس المجلس الرئاسي أي رئيس الدولة.
وأشار بن شعبان إلى أن "التجربة السابقة لصدام حفتر في مناطق كانت منكوبة بالميليشيات وانفلات السلاح تجعل تكرار هذا النجاح في نسبة العشرين بالمئة المتبقية من ليبيا أمرا غير صعب، خصوصا في ظل التعاون الدولي والتدريب والاستشارات، والشعبية التي يحظى بها في الغرب الليبي أيضا".
صيغة تقاسم السلطة: قبول شرقي وتحفظ غربي
في معرض حديثه عن الصيغة التي يعمل عليها بولس، والتي تقضي بأن يتولى عبد الحميد الدبيبة رئاسة حكومة موحدة ومجلسا رئاسيا تنفيذيا، فيما يتولى صدام حفتر مهاما عسكرية موازية، رأى بن شعبان أن هذه الصيغة تحظى بقبول في الشرق والجنوب لأنها تستند إلى التقسيم السياسي والتاريخي التقليدي بين برقة وفزان وطرابلس، وقد جرى ترشيح صدام حفتر لمنصب القائد الأعلى للجيش عبر القائد العام للجيش والنخب السياسية والاجتماعية والقبلية.
أما في الغرب، فأوضح بن شعبان أن المشكلة ليست في المبادرة بحد ذاتها، بل في أن طرابلس لا يمكنها التعامل مع الملف إلا ككتلة سياسية واجتماعية متكاملة، وأن الدبيبة يبدو المرشح الأبرز من حيث القوة السياسية والاجتماعية والعسكرية في هذه المرحلة.
وأوضح بن شعبان وجود بعض الاضطرابات في أداء الوزارات، ناجم عن نوع من الانفراد بالسلطة التنفيذية دون رقابة كافية من المجلس الرئاسي الذي يرأسه محمد المنفي، مؤكدا في المقابل أن ملفي توحيد الجيش والمصالحة الوطنية، وهما الملفان الأكبر في ليبيا، سيكونان بحسب توقعه في يدٍ آمنة ضمن المجلس الرئاسي المرتقب.
أولويات واشنطن الحقيقية: ملف الإرهاب قبل النفط
كشف بن شعبان أن الملفات الأكثر حساسية بالنسبة للإدارة الأميركية تتصل بعودة تنظيم القاعدة إلى مناطق جنوب الصحراء الليبية، في ظل تمركز تحركات إرهابية في دول مثل مالي، معتبرا أن هذا الملف أخطر من ملف النفط الليبي، رغم أن النفط يبقى سلعة جاذبة ومهمة في الحرب والسلم على حد سواء، لكنه ليس الأولوية الأولى لدى واشنطن التي بات استقرار ليبيا يشكّل أهمية كبرى بالنسبة إليها.
ترامب "رجل اقتصاد".. لكن خلفه مؤسسات معقدة
وفي قراءته لتوجهات الإدارة الأميركية، رأى بن شعبان أن الرئيس دونالد ترامب، وإن كان يبحث عن الأولويات والصفقات الاقتصادية، إلا أنه يعمل ضمن تركيبة معقدة تضم الجيش الأميركي وقيادة "الأفريكوم" ووكالة الاستخبارات المركزية، إضافة إلى كونغرس ببرلمان بغرفتين يقف خلفه.
ولذلك، فإن التوجه العام للسياسة الخارجية الأميركية بحسب بن شعبان يمتد إلى ما هو أبعد من الصفقات الاقتصادية، ليشمل الاستقرار السياسي ومحاربة الإرهاب ودعم الشخصيات القوية القادرة على فرض الاستقرار، خصوصا بعد النجاح الذي حققته واشنطن في هذا النهج داخل لبنان.
المصدر:
سكاي نيوز