في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
السودان- تحت ظل شجرة وحيدة في مخيم أردمي للاجئين بشرق تشاد، تجلس الحاجة ثريا مختار (45 عامًا) تسترجع بقايا حياة كانت آمنة قبل أن تقتلعها الحرب من جذورها. منذ أسبوع، دفعها دوي الانفجارات ونيران القصف إلى ترك منزلها في منطقة أورشي، تركت خلفها سنوات عمرها وحلمها، ولم تحمل سوى هوية النزوح التي تطاردها كظلها.
تقول ثريا للجزيرة نت: "غادرت دون أن أستوعب أنني لن أعود. حملت أطفالي وركضت، والنار خلفنا والرصاص فوق رؤوسنا. لم نأكل منذ يومين، وأطفالي يبكون من الجوع. لا أعرف كيف سأطعمهم غدا، أو أين سأنام الليلة"
ثريا واحدة من آلاف النساء اللواتي يحملن على أكتافهن ثقل التهجير، وفي أعينهن حكاية لا تنتهي من الخوف والجوع والترحال، ويبحثن في صمت عن قطرة ماء لأطفالهن الذين يسألون كل يوم: متى نعود إلى منزلنا؟
وكانت قوات الدعم السريع قد شنت، في 15 يونيو/حزيران 2026، هجوماً واسعاً على منطقة أورشي بمحلية أمبرو غرب السودان، مستخدمة آليات عسكرية ومقاتلين على الأحصنة والجمال. أسفر الهجوم عن إحراق 10 قرى بالكامل، ونهب وإحراق سوق أورشي، إضافة إلى نهب أعداد كبيرة من الماشية والممتلكات المنزلية.
وبعد أسبوع من الهجوم، لا تزال آلاف الأسر النازحة تعيش في العراء، بلا مأوى ولا غذاء ولا دواء. ينامون على تراب قاسٍ، تحت أشجار لا تحميهم من حر النهار ولا برد الليل. بعضهم يغطون أنفسهم بأغصان الشجر الجافة، وآخرون لا يجدون حتى هذا.
وفي حديثه للجزيرة نت، قال عضو مجلس السيادة السوداني صلاح رصاص آدم تور إن "الدارفوريين جزء أصيل من مكونات الشعب السوداني"، محذراً من أن دعوات التقسيم "مجرد أوهام" تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد.
وأضاف رصاص أن العمليات العسكرية الجارية تهدف إلى "كسر عظم" قوات الدعم السريع، مؤكداً أن "استهداف المدنيين وتهجيرهم ليس خطأ تكتيكيا، بل هو سياسة ممنهجة تتبعها قوات الدعم السريع لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة"
وشدد على أن "استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى كارثة إنسانية لا تحمد عقباها، وإن الدولة ساعية لوضع حد لذلك عبر القضاء على الدعم السريع، داعيا المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف ما وصفه بـ"التهجير القسري للمدنيين"
ولكن واقع النازحين تحت الأشجار في قرى ووديان أورشي يرسم صورة مختلفة تماما. فبينما يتحدث القادة عن إستراتيجيات عسكرية، يدفع المدنيون الثمن غاليا، وتتحول السياسات المعلنة إلى معاناة يومية.
المياه هي الشكوى الأولى. بعد تدمير خزان أورشي، انقطعت المياه عن القرى المحترقة والنازحين الجدد. تقول حواء آدم (35 عامًا)، نازحة من أورشي إلى الطينة التشادية، للجزيرة نت: "سرنا مسافات طويلة قبل وصولنا إلى الطينة. في الطريق، أكلنا أوراق الشجر، وشربنا من مياه ملوثة كنا نجدها في الحفر". وتضيف: "الطعام شبه معدوم. ما تبقى من مؤن نهبته قوات الدعم السريع، أو احترق في المنازل"
ومن جانبها، تروي أم إبراهيم (40 عاماً): "غادرنا منازلنا بلا طعام ولا دواء. الليل هو الأصعب، والأطفال يبكون من الجوع والخوف" وتتابع: "أطفالي لم يأكلوا منذ يومين. يبكون، وأنا لا أملك ما أقدمه لهم. زوجي كان يعمل في الزراعة، لكن مصدر رزقنا احترق مع منزلنا"
ولم تقتصر الكارثة على النازحين داخل السودان، بل امتدت إلى مخيمات شرق تشاد. يقول الناشط الإنساني ورئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بدارفور، مصطفى بره للجزيرة نت، إن مناطق كرنوي والطينة وأمبرو شهدت موجات نزوح متتالية طيلة الأشهر الثلاثة الماضية.
ويضيف "بعد أحداث أورشي وحرق نحو 10 قرى، أصبحت مخيمات اللاجئين بشرق تشاد تستقبل يوميا ما بين 70 إلى 80 أسرة فارّة، معظمهم من النساء والأطفال. يصلون منهكين، بلا طعام ولا ماء، بعضهم يحملون أطفالهم المرضى على أكتافهم".
وفي تطور جديد يعكس استمرار الخطر، قال المواطن آدم أبكر للجزيرة نت: "المنطقة لا تزال تشهد تحليقاً مكثفاً لطائرات مسيرة تستهدف مصادر المياه والماشية ومنازل المدنيين".
وأضاف: "لا نستطيع العودة إلى قرانا. الطائرات تحلق فوق رؤوسنا كل يوم وتستهدف أي حركة، وكأنهم يريدون طردنا من آخر بقعة نلجأ إليها".
وتابع أن هذه التحليقات المستمرة تزيد من معاناة النازحين، الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة القصف على قراهم وسندان الطائرات المسيرة التي تلاحقهم حتى في أماكن لجوئهم.
ويحاول ناشطون محليون وغرف طوارئ تقديم بعض المساعدات، لكن الإمكانيات شبه معدومة.
يقول محمد صافي، مسؤول إعلام غرفة طوارئ الطينة، للجزيرة نت: "نحاول قدر الإمكان إيصال الماء والغذاء للنازحين، لكن الأعداد كبيرة والإمكانيات محدودة جدا". ويضيف "استقبلنا خلال اليومين الماضيين أكثر من 7 آلاف أسرة نازحة من منطقة أورشي وهامي ووادي باساو وإدار، جميعهم بحاجة ماسة إلى خيام، وأغطية، وغذاء، وماء صالح للشرب. الوضع يتطلب تدخلا عاجلا من المنظمات الإنسانية".
وتأتي هذه المعاناة في وقت حذر فيه تقرير مشترك ل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) و برنامج الأغذية العالمي (WFP)، صدر في 17 يونيو/حزيران 2026، من أن السودان يواجه أسوأ أزمة جوع في العالم.
وكشف التقرير أن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تهديد المجاعة لـ 14 منطقة في دارفور.
وحاولت الجزيرة نت التواصل مع الدعم السريع للحصول على فرصة للرد على الاتهامات المتعلقة بحرق القرى والتهجير القسري في أورشي، إلا أنها لم تقدم أي تعليق حتى لحظة نشر التقرير.
ومن الطينة إلى كرنوي، ومن كرنوي إلى أمبرو، ومن أمبرو إلى أورشي، تتسع رقعة النزوح وتتكرر المأساة. تصريحات القادة عن "التهجير الممنهج" تجد ترجمتها اليومية في عيون أطفال يبحثون عن قطرة ماء، وفي أقدام نساء يقطعن مسافات طويلة هرباً من النار.
بينما يحاول آلاف النازحين البقاء على قيد الحياة تحت الأشجار، وسط تحذيرات أممية من مجاعة وشيكة، يبقى السؤال الأكبر: كم قرية أخرى ستُحرق؟ وكم عائلة ستُجبر على النزوح قبل أن يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه السياسة الممنهجة.
أمتعة نازحي أورشي متناثرة في وديان الطينة، شاهد على رحلة فرار قسرية تحت لهيب الشمس (الجزيرة)امرأة نازحة من أورشي تجلس تحت شجرة قرب مخيم الطينة (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة