آخر الأخبار

نعيم قاسم.. كيميائي حزب الله الذي رفض التدخل في سوريا

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في تمام الساعة الثانية من صباح أحد أيام فبراير/شباط 1985، وقف محمد علي كلاي، أشهر رجل مسلم في زمانه، أمام فندق "سمرلاند" في بيروت الغربية، وكان الفندق قد أصابته الحرب بآثارها. توقفت سيارتا مرسيدس من طراز سبعيني يقودهما رجال مسلحون ليركبها كلاي ومرافقوه. وبعد طريق طويل وحواجز متعددة توقفت السيارتان أمام فيلا لإمام شيعي معمم، استقبلهم بترحاب بالغ.

كان كلاي، بطل العالم في الملاكمة 3 مرات، قد جاء إلى "المدينة الأخطر في العالم" -كما قال للصحفيين لحظة وصوله- ليُطلق سراح 4 أمريكيين ودبلوماسي سعودي تحتجزهم خلايا تسمي نفسها "الجهاد الإسلامي". كان منطق محمد علي الذي قاله لتبرير سفره: "العالم يعرف أنني مسلم، ومن يحتجزون الرهائن مسلمون، وأنا واثق أنهم من محبيّ". في النهاية، لم يُطلَق سراح أحد، فقد التقى محمد علي كلاي رجال دين شيعة وغادر دون أن يعرف أين الرهائن.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 نهاية عصر "السلاح الخارق".. لماذا تبحث أمريكا عن صواريخ رخيصة؟
* list 2 of 2 قنبلة تولسي غابارد.. هل خلقت أمريكا فيروس كورونا ونشرته للعالم؟ end of list

لكن هذه الزيارة القصيرة ضمت مشهدا تاريخيا. فقد التقطت صورة لمحمد علي كلاي يصلي في أحد مساجد بيروت، خلف شيخ شيعي شاب. التقطت الصورة المصورة الحربية الفرنسية فرانسواز ديمولدر، وتقول إن الشيخ الذي يؤم الصلاة هو نعيم قاسم، مدرس الكيمياء وقتها الذي لم يكن قد تجاوز 32 عاما بعد. لم يكن أحد خارج بيروت قد سمع باسمه بعد، ولن يُسمع به على نطاق واسع لعقود تالية.

تبدو المفارقة واضحة ومعبرة عن جزء كبير من حياة قاسم، حيث أحد أشهر المسلمين في القرن العشرين، القادم لإطلاق سراح رهائن في لبنان، يصلي خلف شيخ معمم كان في الصورة، لكنه لم يكن موضوعها.

الوصول إلى الواجهة

في أعلى يمين الشاشة يظهر شعار قناة "المنار"، الذي ربما نسيه كثير من العرب بعد أن اعتادوا رؤيته قبل 20 عاما بالضبط، في ذروة حرب يوليو/ تموز 2006 وذروة جماهيرية حزب الله. لكن الوجه الذي تنتظره الشاشة لم يعد وجه السيد حسن نصر الله، الذي اغتالته إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2024. صار الوجه وجه نائبه الأول، السبعيني ذي اللحية البيضاء.

إعلان

في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الرجل الثاني في حزب الله، فؤاد شكر، يوم 30 يوليو/تموز 2025، يطلق نعيم قاسم العنان لصوت لم يعتد أن يصدح به كما كان يفعل سلفه حسن نصر الله. كان نصيبه طويلا أن يدير الملفات بعيدا عن الأضواء، في مقابل الحضور الطاغي لسلفه. الآن يجهر وحده أمام الكاميرا: لن يقبل لبنان أن يكون ملحقاً بإسرائيل، يقول، "لو اجتمعت الدنيا من أولها إلى آخرها، ولو قُتلنا عن آخرنا، فلن تستطيع إسرائيل أن تهزمنا ما دام فينا نفس حي".

"لا يملك نعيم قاسم تأثير حسن نصر الله، ولا يدعي أنه يملكه"

لا يملك قاسم تأثير نصر الله، ولا يدعي أنه يملكه. فقد وصل إلى القمة في أصعب لحظات الحزب، بعد عامين من الضربات التي أنهكت قوته وقاعدته. لكنه -للمفارقة- قد يكون الرجل الأنسب لهذه المرحلة بالذات، تلك التي يعيد فيها الحزب بناء نفسه لبنة لبنة، ويراجع القرارات التي دفع ثمنها غاليا سلفا.

والمفارقة أعمق مما تبدو. فالعقيدة التي قام عليها حزب الله، والتي كرس نعيم قاسم فكره للتنظير لها، هي "ولاية الفقيه"، وهي الفكرة التي بلورها الخميني، مفادها أنه في غياب الإمام الثاني عشر -الغائب المنتظر في المعتقد الشيعي الإمامي- ينتقل تدبير أمور المسلمين إلى الفقيه الجامع لشروط القيادة، فيغدو "ولي أمر المسلمين" القائد الذي تجب طاعته شرعا، لا في إيران وحدها، بل عند أتباع المذهب أينما كانوا.

لم يكن قاسم تابعا لهذه الفكرة فحسب، بل كان من أقوى دعاتها، فألف في الخميني كتابا أسماه "الإمام الخميني بين الأصالة والتجديد"، وأفرد لخامنئي كتاباً سماه "الولي المجدد". لقد صار الرجل الذي قعد لنظرية "الولي" مطالبا بأن يقود من دونه.

ففي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قُتل المرشد علي خامنئي، وأكدت طهران وفاته مطلع مارس/آذار. وفي تلك الساعات بالذات، حين كان مقعد "الولي" خاليا والخلافة لم تُحسم بعد، صوت نعيم قاسم على دخول الحرب. لم ينتظر قرارا من طهران، فمقر مجلس خبراء القيادة، الهيئة المنوط بها اختيار المرشد، كان قد قُصف في قم، بينما هددت إسرائيل علنا باستهداف كل من يشارك في تنصيب المرشد الجديد. لقد اتخذ الحزب أخطر قراراته في اللحظة التي كان فيها رأس الهرم الذي يستند إليه غائبا أو في طور انتقال مضطرب.

مصدر الصورة

نعيم قاسم.. الكيميائي ذو التعليم الفرنسي

كانت خلفية حسن نصر الله حوزوية بحتة. التحق بالسلك الديني مع نهاية الثانوية، ثم رحل إلى النجف فقم، آملاً أن يبلغ مرتبة الاجتهاد، قبل أن تدفعه ضرورات الواقع إلى قيادة حزب الله.

أما نعيم قاسم فلم يأت من الحوزة. ولد عام 1953 في حي "البسطة التحتا" ببيروت، من عائلة تنحدر من بلدة كفر فيلا في إقليم التفاح جنوبا. دخل الجامعة اللبنانية مطلع السبعينيات ودرس الكيمياء باللغة الفرنسية التي يتقنها، وبعد تخرجه درّس المادة نفسها 6 سنوات في الثانويات. وبالتوازي، تلقى العلوم الدينية في لبنان على أيدي مراجع شيعة بارزين، أبرزهم محمد حسين فضل الله.

"يرى قاسم أن انتصار المقاومة لا يصنعه السلاح وحده، بل القاعدة الاجتماعية الصلبة، تلك التي قد لا تنتمي تنظيميا إلى الحزب، لكنها تحوط المقاتل وتؤويه"

في هذا الفارق بين الرجلين مفتاح شخصية الأمين العام الجديد. نصر الله ابن المنبر، يطلق الطاقة فتشتعل القاعة من حوله. أما قاسم ابن المختبر، يشتغل على المادة نفسها ببطء، وبدقة، وفي صمت. لم تكن سنواته الأولى مدرسا مرحلة عابرة، بل ظلت ركيزة في تفكيره امتدت معه لاحقا إلى تأسيس مدارس "المصطفى".

إعلان

وفي كتابه "مجتمع المقاومة" يعلن عن أيديولوجيته العملية: إن انتصار المقاومة لا يصنعه السلاح وحده، بل القاعدة الاجتماعية الصلبة، تلك التي قد لا تنتمي تنظيميا إلى الحزب، لكنها تحوط المقاتل وتؤويه، وتتلقى القصف وتدمير البيوت ثم تتمسك بخيار المقاومة. هذه القاعدة تصنع بالتربية والتعليم، لا بالتدريب العسكري ولا السلاح. ومن أهم الذين أسهموا في صنع هذه الحالة كان نعيم قاسم طوال مسيرته.

مصدر الصورة السيد محمد حسين فضل الله الأب الروحي لحزب الله (الفرنسية)

في مطلع السبعينيات، بدأ صعود قاسم داخل حركة "أمل" منذ تأسيسها على يد موسى الصدر، فتولى لجنتها الثقافية، ثم بعد تغييب الصدر في ليبيا، دخل اللجنة القيادية التي أدارت الحركة. لكنه سرعان ما استقال إثر انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، ليبدأ فصلا جديدا من حياته.

كان قاسم قبل ذلك وبعده يدرس مادة الدين لأطفال مساجد بيروت، وأسهم في تأسيس الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين، الكتلة الطلابية المعبرة عن الإسلاميين الشيعة، بتأثير من الفرع اللبناني لحزب الدعوة العراقي. وأسس جمعية لانتداب مدرسي الدين إلى المدارس التي لا تُدرس فيها التربية الدينية وفق المذهب الشيعي. كان، بلغة المختبر، يجهز المواد الأولية للتفاعل القادم.

مصدر الصورة نعيم قاسم يؤكد أن الركن الأهم لانتصار المقاومة في لبنان هو قاعدتها الاجتماعية الصلبة (الجزيرة)

كيف صُنع حزب الله؟

عند تأسيس حزب الله في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، كانت 3 تيارات تتجاذب الساحة الشيعية: حركة أمل، وحزب الدعوة العراقي، وخط الثورة الإيرانية وولاية الفقيه.

حين أسس موسى الصدر حركة أمل كان تركيزها منصبا على واقع الشيعة في لبنان بوصفهم طائفة فقيرة ومستضعفة قياسا بالطوائف الأخرى. وقد سبق تأسيس الحركة ما عرف بـ"حركة المحرومين" بزعامة الصدر نفسه، التي استهدفت النهوض بالواقع الاجتماعي والمعيشي للشيعة، وانبثقت عنها حركة أمل لاحقا بهدف بناء تكتل اقتصادي وسياسي يرفع من حصة الشيعة داخل نظام المحاصصة. وحين اندلعت الحرب الأهلية، انحازت الحركة إلى دمشق الأسد في صراعها مع الوجود الفلسطيني، وربطت مقاومتها لإسرائيل بحسابات الطائفة الشيعية في الجنوب اللبناني لا بحسابات الفصائل الفلسطينية. احتفظت "أمل" بطابع علماني إلى حد بعيد، حتى وعلى رأسها سيد معمم.

على النقيض، كان حزب الدعوة نظير الإخوان المسلمين في الوسط الشيعي، قام على الأسس الفكرية والتنظيمية ذاتها. يُنسب تأسيسه الفكري إلى محمد باقر الصدر، المتأثر بالإسلاميين المصريين وفي مقدمتهم سيد قطب، لكن تأسيسه الحركي يُعزى إلى عبد الصاحب دخيل، المتأثر بشدة بحسن البنا. يروي الشيخ علي الكوراني، أحد مؤسسي الفرع اللبناني، أن دخيل خاف أول مرة ركب فيها طائرة، فقال لرفاقه: "حسن البنا ركب الطائرة 7 ساعات، فأستطيع أن أفعل مثله". كان الحزب يحاكي الإخوان في كل شيء: فروع في كل بلد فيه شيعة، تعمل باستقلالية مع تنظيم واحد، مرجعية فرعه اللبناني للسيد فضل الله.

وفي نهاية السبعينيات برز الخط الثالث مع الثورة الإيرانية وصعود نظرية ولاية الفقيه، الذي رأى في قيام الجمهورية الإسلامية نواة صلبة للشيعة حول العالم. في هذا التصور كان الخميني "ولي أمر المسلمين"، يلتزم شيعة لبنان بطاعته كما يجب أن يفعل الشيعة في إيران، ويكون دورهم "تثوير" مجتمعهم. ووفّر هذه الصلة "مكتب دعم حركات التحرر" الإيراني، المعروف شعبيا بـ"مكتب تصدير الثورة".

"كان نعيم قاسم النقطة التي تقاطعت عندها جميع التيارات الشيعية في لبنان"

كان نعيم قاسم نقطة تقاطع لكل تلك الخطوط؛ فقد كان من مؤسسي الاتحاد الطلابي المدعوم من حزب الدعوة العراقي، وكان في الوقت ذاته قد بلغ أعلى مستويات حركة أمل بعضويته في اللجنة القيادية التي تشكلت في أعقاب تغييب السيد موسى الصدر في ليبيا، جامعا الانتمائين معا. ثم جاء انتصار الثورة الإيرانية ليكون منعطفاً في مساره، إذ قدم استقالته من حركة أمل ليتفرغ للعمل ضمن اللجان التي نشطت في "التبشير" بالثورة الإيرانية داخل المجتمع الشيعي اللبناني. وهذه العوامل مجتمعة هي التي مهدت له الصعود إلى قيادة حزب الله منذ تأسيسه؛ إذ وجد الحزب الوليد في شخصيته رجلا قادرا على مزج تلك الروافد المختلفة داخل الكيان الجديد، في وقت كانت فيه التيارات المؤسسة تختلف وتتصارع فيما بينها.

مصدر الصورة كتاب "حزب الله: المنهج والتجربة والمستقبل" لنعيم قاسم (الجزيرة)

ولعل هذا هو ما ساعد نعيم قاسم للحفاظ على موقعه لـ 4 عقود حتى وإن كان النائب وظل القائد طوال معظم تلك السنوات. المحلل اللبناني علي الأمين قرأ انتخاب قاسم لاحقاً بوصفه تعبيرا عن مرحلة انتقالية لا عن مشروع جديد، ورأى أنه كان الخيار الأقل كلفة لحزب مرتبك عاجز عن التشاور، وأنه ما كان ليصل لولا الحرب واستثنائيتها.

إعلان

ويتقاطع هذا مع ملاحظة في فجوة الحضور أبداها الوزير اللبناني السابق "وئام وهاب"، إذ رأى أن لبنان نفسه قد "تضاءل" باغتيال نصر الله، فقد كان وحده من إذا تكلم أنصتت الأطراف في الداخل والخارج، حسب قوله. وثمة صدى هنا لمقولة عالم الاجتماع ماكس فيبر عن خلافة الزعيم الكاريزمي: "نادرا ما يخلفه كاريزمي مثله، بل إداري محافظ يحكم بالمؤسسة والروتين". وهو توصيف دقيق لقاسم، لكنه قد يكون، كما سنرى، مصدر قوته في حرب تقوم على النفس الطويل لا على الكاريزما الطاغية.

مصدر الصورة صبحي الطفيلي الأمين العام الأول لحزب الله (رويترز)

أكبر من مجرد حزب

ثمة محطات مر بها الحزب في عقده الأول شكلت كيانه فيما بعد. الأولى هي الموقف من حرب المخيمات، التي اشتعلت بين البقية الباقية من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من جهة، والدولة السورية من جهة أخرى، سواء بشكل مباشر أو عبر فصائل فلسطينية موالية لدمشق. وقد شاركت حركة أمل في القتال إلى جانب سوريا، بينما اختار حزب الله الوقوف مع الفلسطينيين.

والمفارقة أن تلك الفترة شهدت صداما وحشيا بين حزب الله والنظام السوري بلغ حد اعتقال كوادر الحزب وتعذيبهم وقتلهم في سجون النظام مثل صيدنايا، تماما كما كان يجري مع الإسلاميين السنة. كان نظام حافظ الأسد يرى في الحزب، آنذاك، حركة دينية لا تختلف جوهريا عن الإخوان الذين كان يخوض ضدهم حربا بلغت ذروتها بمجزرة حماة 1982، بصرف النظر عن الانتماء المذهبي.

"كان نظام حافظ الأسد يرى في حزب الله حركة دينية لا تختلف جوهريا عن الإخوان الذين كان يخوض ضدهم حربا"

ثم تطور الأمر إلى حرب مصغرة بين حزب الله وحركة أمل عُرفت بـ"حرب الإخوة"، كان مسرحها الضاحية الجنوبية وامتداد الحواضن الشيعية في لبنان بالجنوب. وفي سياق تلك الحرب، لقي المسؤول العسكري لحركة أمل داوود داوود حتفه على يد عناصر من حزب الله، الذين كانوا يسمونه تهكما "ديفيد ديفيد"، في إشارة إلى أن انحيازاته ضد الفلسطينيين إنما تخدم إسرائيل، وأنه قتل من الفلسطينيين في حرب المخيمات أكثر مما قتل من الإسرائيليين حسب زعمهم. وقد كان للعامل الإيراني حضوره في هذه المعادلة، إذ اشتهر عن داوود داوود تصريح بات مرجعا لفهم موقفه: "لتحترق إيران ويبقى لبنان".

كان دور نعيم قاسم دورا قاعديا بامتياز في هذه المرحلة، إذ عمل على مستوى القاعدة لتحقيق التمازج بين مكونات الحزب المختلفة: القادمين من حركة أمل، خصوصا في فترة الصدام معها، والقادمين من حزب الدعوة، لا سيما بعد أن حل الفرع اللبناني للحزب نفسه واندمج في حزب الله، إضافة إلى متبعي خط ولاية الفقيه. وقد سعى نعيم قاسم إلى سبك تلك الروافد في نسيج واحد داخل الكيان الجديد. ولهذا يمكن وصفه بـ"كيميائي الحزب"، فقد كان يمارس على الكوادر البشرية ما يشبه قواعد الامتزاج كي يخلق قاعدة صلبة جديدة لحزب الله.

جنود سوريون بإحدى الضواحي الجنوبية لبيروت في 27 مايو/أيار 1988 أمام لوحات جدارية لحركة أمل بعد اندلاع اشتباكات عنيفة بين حركة أمل وحزب الله (الفرنسية)

في الحقيقة، برع قاسم في ما هو أصعب من ذلك، فجنوب لبنان باعتباره المسرح الأساسي للمواجهة مع إسرائيل، هو في الوقت نفسه البيئة الطبيعية الحاضنة لحركة أمل. لم يكتف قاسم بانتزاع حواضن شعبية من حركة أمل، بل عمل على تحويل حواضنها نفسها إلى حواضن داعمة لحزب الله بوصفه مشروع المقاومة.

يروي قاسم في كتابه "المنهج والتجربة والمستقبل" أن القتال حين اندلع كان القرار أولا عدم الرد والانسحاب، حتى بات واضحا أن حركة أمل تسعى إلى نزع سلاح الحزب، الملف القديم المتجدد الذي يجد قاسم نفسه اليوم في مواجهته من جديد. وحين امتد القتال إلى الضاحية، جاء قرار الاشتباك، فانتُزعت معاقل حركة أمل لتصير قواعد للحزب، قبل أن يُفضي الأمر إلى تسوية أتاحت للحزب استخدام مناطق نفوذ حركة أمل في الجنوب للنشاط المقاوم. وهو ما تجلى في 3 عمليات بين 1988 و1989، كلها في قضاء مرجعيون، وهو من معاقل حركة أمل التنظيمية.

"يتحدث قاسم في كتابه بضمير الراوي المحايد، يكتب عن نفسه بضمير الغائب، لكنه يشير في ثنايا السرد إلى ملفات كان له فيها دور مباشر، من بينها العمليات من مناطق نفوذ حركة أمل"

وإلى جانب ذلك، عمل نعيم قاسم على ربط الحواضن الشعبية الشيعية لحزب الله بالحواضن الاجتماعية الفلسطينية والسنية المؤيدة للمقاومة. فالظهير الجغرافي للضاحية الجنوبية لبيروت يتشكل من مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين ومنطقة برج البراجنة ذاتها، التي هي في الأصل منطقة سنية لبنانية، وقد باتا اليوم مزيجا متكاملا مع المعقل الرئيسي للحزب. وينسحب هذا الحال على أغلب المخيمات الفلسطينية في لبنان.

عباس الموسوي تولى الأمانة العامة لحزب الله خلفاً للطفيلي عام 1991 (أسوشيتد برس)

هنا تجدر الإشارة إلى أن نعيم قاسم كان أحد الموقعين على وثيقة التسعة التأسيسية لحزب الله، التي جاءت تعبيرا عن تلاقي التيارات الثلاثة داخل الحزب: التجمع العلمائي في البقاع، الأقرب إلى خط الثورة الإيرانية وأبرز رموزه عباس الموسوي ثاني أمين عام للحزب، واللجان الإسلامية المختلفة ومنها الاتحاد الطلابي المرتبط بحزب الدعوة، والمستقيلين من حركة أمل وفي مقدمتهم السيد حسين الموسوي. وقد وقّع الوثيقة 3 أسماء من كل كتلة، وبرغم أن توقيع نعيم قاسم كان محسوبا ضمن اللجان الإسلامية لحزب الدعوة، كونه كان قد استقال من حركة أمل في وقت مبكر، فإنه في الواقع كان مرتبطا بالتيارات الثلاثة في آن واحد.

إعلان

ولعل هذا التمازج الذي جسّده في شخصه، وعمل على ترسيخه بين التيارات الثلاثة، هو ما انعكس على رؤيته للعلاقة مع إيران ضمن أيديولوجيا ولاية الفقيه. فهو يرى أن الحزب وإن كان يؤمن بأن الخميني "ولي أمر المسلمين" وقائدهم الأعلى، وأن هذه العلاقة ليست موضع إخفاء بل يجاهر بها ويفتخر، إلا أن العلاقة بين إيران والحزب في لبنان تقوم في الوقت ذاته على استقلالية في اتخاذ القرار وفق تقدير قيادة الحزب لمقتضيات الواقع اللبناني وامتداداته الإقليمية، وإن ظلت في إطار التحالف الإستراتيجي الذي تشكل إيران محوره.

"أمة حزب الله"

يشرح قاسم في كتابه فكرته عبر مفهوم "أمة حزب الله"، تمييزا له عن الحزب بمعناه التنظيمي الضيق، فهو يشمل كل من يمد المقاومة بعون ما، خبرة فنية أو تقنية أو علمية. ويكتسب المفهوم دلالة خاصة حين نعرف أن قاسم نفسه هو من أدخل الأنظمة الحاسوبية إلى بنية الحزب الإدارية والمالية، مستعينا بمبرمجين وأصحاب شركات لم يكونوا منتظمين في صفوفه، باعتبارهم كفاءات محايدة.

يشرح نعيم قاسم أيضا أنظمة التعبئة داخل الحزب، التي تشمل مؤسسات متعددة، منها المؤسسات الكشفية للناشئة (وهو ملف أشرف عليه امتدادا لتدريسه الأطفال)، والمؤسسات النسائية، والاتحادات الطلابية، تتدرج العضوية فيها من "المناصر" إلى "الكادر الكامل". وإلى جانبها، شبكة خدمية هائلة، مثل: جهاد البناء، الهيئة الصحية، مؤسسة الشهيد، لجان الإمداد، وهي الشبكة التي رممت بيوت المتضررين، وأزالت النفايات، وأمنت مياه الشرب، وأدارت المستوصفات.

أعضاء من مؤسسة "جهاد البناء" التابعة لحزب الله يعملون على إعادة بناء منازل مدمرة في قرية صريفة جنوب لبنان عام 2007 (الفرنسية)

يصف قاسم اهتمام حزب الله بالخدمات الاجتماعية، "فلم يترك جانبا من جوانب خدمة الفقراء وتحقيق التكافل الاجتماعي ومعالجة الحاجات الملحة والضرورية والمعقدة إلا وقام بها". فقد أنشأ مؤسسة جهاد البناء بعد أقل من 3 سنوات على تأسيسه، فكان أول من اعتنى بترميم الأبنية المتضررة من مجزرة بئر العبد عام 1985، ثم ترميم أضرار سيول البقاع الشمالي عام 1987، ثم ترميم بيوت قريتي قعقعية وياطر في الجنوب بسبب الاعتداءات الإسرائيلية. كما أزال الحزب النفايات من الضاحية الجنوبية لبيروت بمعدل 65 طنا يوميا مجانا، وأمّن مياه الشرب لـ 15 ألف عائلة عبر 110 خزانات، وأسس الهيئة الصحية الإسلامية التي تدير 9 مراكز صحية و16 مستوصفاً، كما أسس مستشفى الرسول الأعظم، ولجنة الإمداد الخيرية التي تابعت 4160 عائلة، كما أورد بالتفصيل في كتابه.

"أسس حزب الله شبكة خدمية هائلة، شملت مؤسسات مثل جهاد البناء والهيئة الصحية ومؤسسة الشهيد ولجان الإمداد"

ومن المحطات اللاحقة التي يتناولها قاسم تأسيس "سرايا المقاومة اللبنانية"، وهو تنظيم يضم أطيافا من اللبنانيين غير المنضوين في الحزب وغير الشيعة بالضرورة، بلغت نسبة السنة في إحدى دوراته 78%، والدروز في أخرى 70%. وفي أبريل/نيسان 2026، أعلنت إسرائيل اغتيال قائدها ماهر قاسم حمدان، وهو لبناني سني. وقد اضطلعت السرايا كذلك بدور قناة تواصل مع الفصائل السورية إبان التدخل العسكري للحزب في سوريا، وهو ملف كان نعيم قاسم يشرف عليه بشكل مباشر.

الوسيط الذي يخاطب الجميع

ومع تصاعد أدواره السياسية، كان طبيعيا كذلك أن يُعهد إليه بملفات بالغة الحساسية والتعقيد، ولعل من أهمها كان ملف تداعيات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. حينها دخل قاسم متاهة من أعقد ملفات لبنان تضمنت التواصل مع الحكومة، ومع المحكمة الدولية، وإدارة تداعيات الانسحاب السوري. ورأى الحزب في المحكمة، كما عبّر نصر الله وقاسم في مواقف عدة، غطاء لحرب إسرائيلية قادمة، وهي الحرب التي جرت بالفعل في تموز/يوليو 2006.

سرايا المقاومة اللبنانية تشكلت في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية بوصفها تنظيما مُقاوِما يضم أطيافا واسعة من اللبنانيين (أسوشيتد برس)

والأهم أن فرنسا كانت المحرك الرئيسي لتشكيل المحكمة الدولية. ورفض حسن نصر الله أي تعاط مع السفير الفرنسي دينيس بييتون، فأبى مقابلته، مفضلا الاستعداد لمواجهة عسكرية. أما قاسم، فهو من فتح الخط مع السفير وخاض معه مفاوضات عسيرة، تقول مصادر إنها بلغت حد التلويح بعدم ضمان سلامة المشاركين الفرنسيين في "اليونيفيل" إن مضت المحكمة في اتهام الحزب. ظلت القناة سرية بطلب الطرفين. وهنا تتجلى أهمية خلفية قاسم الفرنسية الثقافية، التي مكّنته من التعامل في ملف شديد الحساسية لم يرد نصر الله أن يقترب منه.

"كان قاسم مسؤولا عن ملفات حساسة أهمها ملف تداعيات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري"

وقد جاء تقرير ميليس عام 2005، الذي تضمن لائحة الاتهام الأساسية، ليدفع الرئيس الأمريكي حينها جورج بوش الابن إلى مطالبة مجلس الأمن باتخاذ قرارات واسعة في القضية، وكان واضحا أن حزب الله هو الهدف الرئيسي، إذ تصدّر قائمة المتهمين مصطفى بدر الدين، القائد العسكري الأسبق للحزب الذي اغتيل لاحقا في سوريا إبان التدخل العسكري للحزب هناك بضربة إسرائيلية. غير أن الفترة اللاحقة شهدت ما يشبه "تسوية غير رسمية" مع حكومة بشار الأسد بشأن القضية، لا سيما في أعقاب "انتحار" غازي كنعان، المشرف الأسبق على الوجود السوري في لبنان والشاهد الرئيسي في القضية، في حين لم تنعقد المحكمة نفسها إلا عام 2007.

المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري (الجزيرة)

في هذا السياق، جاء قرار الحزب باستباق الأحداث عبر عملية أسر الجندييْن الإسرائيلييْن، وصولا إلى حرب يوليو/ تموز 2006. وقد خرج الحزب من تلك الحرب محققا ما وصفه بـ"انتصار عسكري"، فضلا عن أن قرار مجلس الأمن الذي أنهى الحرب وأفضى إلى تشكيل قوات اليونيفيل منحه ورقة ضغط في الملف الداخلي.

في نهاية المطاف، ونتيجة عوامل عدة، مثل إشراف نعيم قاسم على نواب الحزب الذين صوتوا برفض قرار تشكيل المحكمة في مقابل الأغلبية التي وافقت، وتحدثه باسم تحالف 8 آذار في مواجهة تحالف 14 آذار الذي ضم سعد الحريري (نجل رفيق الحريري) وكمال جنبلاط وحزب الكتائب، وربط الحزب عمل المحكمة بمرجعية قرار مجلس الأمن 1701 الخاص بإنهاء الحرب الإسرائيلية؛ اقتصر قرار الاتهام في النهاية على أفراد من الحزب لا على الحزب بوصفه كيانا. وبرغم صدور أحكام بالسجن مدى الحياة بحق المتهمين، فإنها لم تُنفذ، فضلا عن الإفراج لاحقا عن قيادات أجهزة الأمن الداخلي المرتبطة بالحزب، التي اعتُقلت واتُّهمت ضمن القضية ذاتها.

رافقت تلك العقلية نعيم قاسم طوال مسيرته، إذ اهتم بالاشتباك المستمر مع شتى الأطراف الدولية المعنية بلبنان، واستخدام أوراق القوة لانتزاع أفضل الشروط السياسية الممكنة. وفي ذروة اشتباك حزب الله مع إسرائيل أثناء حرب 2024، وقُبيل اغتيال حسن نصر الله، كان قاسم يجري سلسلة لقاءات مع نائب مدير المخابرات الألمانية، وهي الأولى من نوعها على المستوى السياسي. إذ كانت علاقة الحزب بألمانيا قبل ذلك علاقة أمنية بحتة، مقتصرة على دور المخابرات الألمانية وسيطا في صفقات الأسرى مع إسرائيل، وكانت تُدار عبر وفيق صفا، مسؤول وحدة الارتباط الأمني بالحزب، ولم ترتقِ إلى مستوى العلاقات السياسية التي يديرها قاسم إلا بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

سعى الألمان إلى فك ارتباط قرار الحزب بملف غزة، والوصول إلى اتفاق منفرد يخص لبنان وحده، وهو ما رفضه نصر الله رفضا قاطعا. أما المكسب الذي حرص قاسم على تحقيقه فكان نقل مستوى التواصل مع الألمان من الأمني إلى السياسي. لم يكن يبحث عن نتيجة ملموسة بقدر ما يبني قناة.

"المكسب الذي حرص قاسم على تحقيقه هو نقل مستوى التواصل مع الألمان من الأمني إلى السياسي"

إضافة لذلك، كان الحزب يسعى عبر نعيم قاسم إلى توظيف مشاركته في الحرب ورقة ضغط لمنع إطلاق المرحلة الثالثة من الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو ما لم يتحقق، فضلاً عن اندلاع معركة ردع العدوان وسقوط نظام الأسد اللذين قلبا حسابات الحزب رأسا على عقب.

لاستيعاب موقف الحزب الراهن، لا بد من استحضار هذا السياق التاريخي. فقد رفض حزب الله عبر أمينه العام نعيم قاسم جميع الضغوط الغربية والإقليمية لنزع سلاح الحزب. غير أن الموقف الفرنسي يستحق وقفة خاصة، إذ يتباين بوضوح عن الموقف الأمريكي الإسرائيلي. فقد دعا الرئيس الفرنسي ماكرون والمبعوث الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان، إلى تأجيل قضية نزع السلاح إلى ما بعد وقف القصف الإسرائيلي وانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها في الشريط الحدودي. كما أن الموقف الفرنسي لا يربط دعم تسليح الجيش اللبناني بجعله قوة مواجهة عسكرية لحزب الله، على خلاف ما عبر عنه صراحة المبعوث الأمريكي توم باراك.

سوريا.. حرب لم يُرِدها نعيم قاسم

في عام 2013 أُعلِن رسميا تدخل حزب الله العسكري في سوريا، وخرج نصر الله ليقطع التردد علنا بوعد بالتصعيد: "إن كان لدينا ألف مقاتل صاروا ألفين، وإن كانوا ألفين صاروا ثلاثة". لكن هذا الحسم العلني كان يخفي تحته ترددا طويلا، لم يُفصح عنه الحزب، لكن خصومه ومذكرات حلفائه كشفته لاحقا.

في 26 سبتمبر/أيلول 2013، نشرت رويترز تقريرا خاصا بقلم سامية نخول أفاد أن "أصواتا قليلة" داخل الحزب عارضت الانخراط في سوريا. لم يُسمِّ التقرير معارِضا بعينه من القيادة القائمة، لكنه نقل عن الأمين العام الأسبق صبحي الطفيلي، المنشق عن الحزب، قوله إن القرار كان إيرانيا بالكامل، وإن نصر الله نفسه "أكثر من أي أحد"، غير مقتنع بهذه الحرب مع عدد غيره من قادة الحزب من اللبنانيين. شهادة يجب أن تُؤخذ بحذرها فصاحبها خصم غادر الحزب لكنها تتقاطع مع ما سيرويه لاحقا الجنرال الإيراني حسين همداني. وقد أخبرتنا مصادر خاصة في حزب الله إن نعيم قاسم كان في طليعة "الأصوات المعارضة" التي أشار لها تقرير رويترز على المستوى السياسي، بصحبة إبراهيم عقيل، مؤسس قوة الرضوان على المستوى العسكري.

أسباب معارضة التدخّل ما زالت ذات وجاهة بعد 13 عاما. سياسيا، كان الثمن أن يفقد الحزب عمقه في الشارع السني العربي، وأن ينكمش إلى "ميليشيا شيعية طائفية"، أي أن يناقض الهوية التي أسّس عليها نفسه بوصفه مشروع مقاومة يتجاوز المذهب، وهي المفارقة التي ميّزته يوما عن حركة أمل وكانت من أسباب حرب الإخوة. وعسكريا، كان الثمن استنزافَ مقدّراته في مساحة قتالية شاسعة، والمجازفةَ بالثقة في جيش سوري منهك، والانكشاف أمام إسرائيل. وكل ذلك تحقق في وقت لاحق.

"رأى المعارضون أن التدخل في سوريا سيُفقد الحزب عمقه الجماهيري في الشارع السني العربي ويُقلصه إلى ميليشيا شيعية طائفية"

ولعل أصدق دليل على التردّد هو التأخّر نفسه. دخل الحزب الحرب، وتأخر تدخله الواسع نحو عامين رغم أن نظام الأسد كان على حافة الانهيار. ينقل الجنرال الإيراني حسين همداني في مذكراته "رسائل الأسماك" – التي نشرها قبل مقتله في سوريا – أنه سعى طوال تلك المرحلة إلى تدخل أوسع، وأنه طلب من نصر الله الاجتماع بخامنئي، وطلب من خامنئي أن يحث نصر الله على الإسراع بالتدخل.

كان تردد نصر الله مرتبطا بعدم وضوح المهمة: فما المدة الزمنية المطلوبة؟ وما المستوى المطلوب من المشاركة؟ وما الرقعة الجغرافية التي يجب أن يشغلها الحزب؟ ومن يتحمل التكاليف المالية؟ وكيف تُعالج الفجوة في تمركزات الحزب في جنوب لبنان؟ وهل تكون المشاركة منفردة أم بوجود دولي مثل الذي تحقق لاحقا بتدخل روسيا؟ كل هذه الأسئلة أجلت المشاركة الحقيقية للحزب عامين كاملين، وكانت ضمن خطوط حمراء اشترطها نصر الله وفقاً لما أورده همداني، مفادها أن مشاركة الحزب مرتبطة بمستوى إنقاذ النظام من الانهيار ولا تتعداه، وألا تتحول إلى استنزاف في مستنقع، لكن كل هذه الضوابط انهارت في الميدان، وغرق حزب الله بالفعل في المستنقع السوري حتى أذنيه.

أين كان نعيم قاسم من كل هذا؟ هنا تنكشف مفارقة أكثر دلالة من ادّعاء المعارضة المكتومة. ففي يونيو/حزيران 2013، حين كان الحزب يخوض معركة القصير ويتلقى أولى موجات النقد في الشارع العربي، كان قاسم أحد أبرز المدافعين علنا عن التدخل، يسوقه بوصفه "جزءًا لا يتجزأ من المقاومة ضد إسرائيل" وحمايةً لظهر المقاومة وخط إمدادها. الرجل الذي سنراه بعد سنوات يتقن لغة التفاوض، كان في تلك اللحظة لسان الحرب لا صوت التردّد فيها.

على مدار العامين السابقين لمشاركة الحزب في الحرب السورية، كان يسعى بالتنسيق مع حركة حماس إلى التوصل لحل سياسي يحفظ مكتسباته الإستراتيجية في سوريا، وتدخلت في ذلك أطراف عدة منهم الوزير اللبناني الأسبق نادر السعدي، كما شرح نصر الله بنفسه في مقابلته مع جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس عام 2012. ولكن في النهاية، كان هناك عاملان رئيسيان دفعا الحزب إلى اتخاذ قرار المشاركة، رغم المعارضة الداخلية.

أولهما ما طُرح من خطة طموحة لتوطين حزب الله في جنوب سوريا، أي في السويداء ودرعا، وإيجاد جبهة جديدة تتيح للحزب مواجهة إسرائيل في الجولان. وقد سعى الحزب فعلا إلى تحقيق ذلك، بل وقعت حوادث نادرة لصدام مع الجيش السوري بسبب عمليات أطلقها الحزب باتجاه الجولان المحتل دون موافقة نظام الأسد. وقد عوّل الحزب على هذه الورقة خلال حرب 2024، في حين ظل الأسد يمانع خشية المواجهة مع إسرائيل. أما السبب الثاني فهو انتقال "التهديد السوري" إلى الداخل اللبناني، مع أحداث جرود عرسال والنشاط العسكري للحركة المرتبطة بالشيخ "السلفي" أحمد الأسير.

انخرط حزب الله في الحرب، برغم معارضة نعيم قاسم. لكن قاسم تحديدا، وقع عليه -كعادته- عبء تفكيك ما لم يكن أوّل من قرره. ففي 2017 تحدّث عن مسارات التفاوض مع الفصائل السورية، وتحديدا جبهة النصرة، واستعرض اتفاقية المدن الأربع (كفريا والفوعة ومضايا والزبداني)، ثم مفاوضات إنهاء الحالة العسكرية في جرود عرسال واستعادة العسكريين اللبنانيين المختطفين.

"استغل نعيم قاسم علاقته بالتيار السلفي اللبناني لتسهيل المفاوضات مع جبهة النصرة أثناء الحرب السورية"

وكعادته أيضا، تحدث بضمير الغائب عن ملف كان فيه فاعلا مباشرا: أشار إلى أن اللواء عباس إبراهيم كان وسيط التفاوض بين الحزب والنصرة في إدلب، لكنه أغفل أن المفاوض الذي ارتضته النصرة كان شيخا لبنانيا "سلفيا" اسمه سامي المصري، من تيار الشيخ حسن الشهال، التيار نفسه الذي كان قاسم قد فاوضه في السابق عقب اقتتل سني شيعي عام 2008. أي أن الرجل الذي سوق لتدخل الحزب في الحرب السورية في 2013، هو نفسه الذي شغل، بعد سنوات، شبكة علاقات نسجها سابقا ليخرج حزبه من المشاكل التي علق فيها.

اللواء عباس إبراهيم كان وسيط التفاوض الذي ينقل وجهات النظر بين حزب الله وجبهة النصرة (الفرنسية)

وهذا ما يجعل موقف قاسم الأخير متسقا مع هذه المعارضة المكتومة، وإن كان مفاجئا لمن استمع إلى دفاعه عن التدخل في 2013. فحين سقط نظام الأسد، أبدى قاسم موقفا إيجابيا، وقال إن ما جرى ثورة نال بها الشعب السوري حريته. وجد بعضهم في الكلام تحصيلَ حاصل، بسبب سنوات انخراطه في الحرب. لكنّ الأصدق أن قاسم لم يكن يوما صاحبَ القرار الأول في سوريا ولا صاحب التردد الأكبر فيها. كان، كعادته، الرجل الذي يبيع القرار حين يتخذ، ويُفاوِض على ثمنه حين يجب الخروج منه.

قائد حزب الله

في نهاية مسيرته الطويلة، وصل نعيم قاسم إلى المحطة التي اجتمعت عندها خيوط مسيرته كافة، وهو الرجل السبعيني الذي أمضى حياته مدرسا للأطفال والشباب قبل أن يصبح أهم سياسي في حركة المقاومة اللبنانية الأبرز في العقود الـ 4 الأخيرة. وقد وصل الرجل إلى قمة حزب الله الذي بنى معظم شبكاته الاجتماعية وبنيانه السياسي بنفسه، ولكن في لحظة تكاد تكون الأسوأ على الإطلاق، جزئيا بسبب قرار التدخل في سوريا الذي رفضه ابتداء، والذي أودى بجماهيرية الحزب ومعظم قوته العسكرية بشكل مباشر أو غير مباشر.

التحليل الأوقع هنا أن دخول حزب الله الحرب الأخيرة كان قرارا ذاتيا مستقلا، وهو ما يتفق مع تقييم الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الذي نشرت مقتطفات منه صحيفة يديعوت أحرونوت. فوفق مسؤولين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قرر حزب الله أن من مصلحته الدخول في مواجهة تفضي في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق نار شامل يمنع إسرائيل من الاحتفاظ بحرية العمل التي تمتعت بها ضد الحزب منذ انتهاء عملية "سهام الشمال" قبل أكثر من عام.

"السيناريو الأرجح هو أن دخول حزب الله الحرب الأخيرة كان قرارا ذاتيا مستقلا، وهو ما يتفق مع تقييم الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية للقرار"

وكانت إسرائيل قد أعدت في الأشهر الأخيرة عملية كبرى ضد حزب الله تقوم على توجيه ضربة مباغتة لكبار قيادات الحزب ومنظومة إطلاق صواريخه، بهدف تفكيك قيادته وضرب قدراته الهجومية وقوة الرضوان، غير أن القيادة السياسية الإسرائيلية أجلت هذه الخطة مرتين. وحين اندلعت الحرب مع إيران، تردد حزب الله في البداية قبل أن يختار الانضمام إلى صف النظام الإيراني، فأضاعت الحرب مع إيران على إسرائيل عنصر المباغتة ضد الحزب، إذ وُجهت معظم الطائرات والمسيرات ووحدات الضرب نحو الساحة الإيرانية باعتبارها الأولوية.

وكما تذهب التقييمات الاستخبارية، فإن حزب الله بقيادة قاسم لم يتخذ هذا القرار بأوامر إيرانية أو لمصلحة إيران. فقد كان انشغال إسرائيل بجبهتها الرئيسية مع إيران، واستنزاف منظومات دفاعها الجوي في مواجهة الهجمات الصاروخية الإيرانية، وتركيز طائراتها على المسرح الإيراني، هو ما شكل فرصة ذهبية لحزب الله لمحاولة إعادة ضبط موازين القوى بعد الخسائر الجسيمة التي تكبدها في حرب 2024، وأبرزها فقدان المواقع العسكرية في جنوب لبنان وإعادة إسرائيل احتلال الشريط الحدودي وتصميمها على البقاء في منطقة أمنية جنوب الليطاني، فضلاً عن الخسارة الجيوإستراتيجية الفادحة بانقطاع خطوط الإمداد عبر سوريا، والضغط المتصاعد لنزع سلاح الحزب الذي تقوده واشنطن عبر سفيرها باراك.

كل تلك الظروف التي جعلت الجميع يتعامل مع حزب الله على أنه هُزم هزيمة نهائية في حرب 2024 وينبغي الإجهاز عليه، جعلت من المستحيل عليه عمليا أن يُفوّت فرصة انشغال إسرائيل بحربها مع إيران لإعادة فتح جبهة جنوب لبنان واستعادة قدر من التوازن في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، حتى وإن لم يكن قد أتم استعداداته الكاملة لتعويض خسائر حرب 2024. وهو بالضبط ما صرح به حسن عز الدين، النائب عن حزب الله في البرلمان اللبناني، في مقابلة مع الجزيرة، حين أكد أن قرار الحزب بالدخول في الحرب كان قراراً ذاتياً للاستفادة من فرصة انشغال العدو بإيران، لا العكس.

وهكذا يصبح المعنى الأعمق لهذه الحرب أنها معاكسة لحرب 2006. ففي عام 2006 خرج الحزب من فصيل محلي إلى قوة إقليمية امتدت إلى سوريا والعراق واليمن، وصار نصر الله الرجل الثاني في "محور المقاومة" بعد خامنئي. وداخلياً، تحول من فريق سياسي إلى القوة المهيمنة، حتى قال معلقون إن لبنان يُحكم من حارة حريك لا من بعبدا. لكن هذا التمدد جلب خصوما فوق الاحتمال، داخل لبنان وخارجه، بما يناقض رسالة التأسيس.

قدمت صحيفة جيروزاليم بوست سلسلة تقارير جمعت تقييمات استخبارية وعسكرية إسرائيلية تُرجح أن الحزب يعيد استنساخ تجربة التسعينيات في خلق حرب طويلة الأمد، لا تقوم على مواجهة عسكرية شاملة بقدر ما تعتمد على استنزاف يومي ومتواصل وشامل للانتشار الإسرائيلي جنوب الليطاني. ورغم القصف المتواصل للقرى والمنازل وموجات التهجير، تمكن مقاتلو الحزب من عبور جنوب الليطاني واستهداف القوات الإسرائيلية بطائرات الفايبر وإطلاق الصواريخ والإبقاء على معادلة تعطيل شمال إسرائيل.

"يعود الكيميائي إلى مختبره الأول: لبنان، في الجنوب، حيث القاعدة الصلبة التي يعرف كيف يخاطبها ويحشدها"

ولذا ينطوي اختيار قاسم خوض حرب 2026 بتعبئة اجتماعية شاملة واستنزاف للعدو على رغبة في الخروج من مرحلة ما بعد 2013، حيث ابتلع الحزب أكثر مما يستطيع هضمه. يرى قاسم أن الصمود في الجنوب وتقليص الدور الإقليمي يُعيدان للحزب توازنه، بل قد يُمكّنانه من تفاهم مع سوريا الجديدة، وفوق ذلك استعادة شرعية لبنانية تتجاوز قاعدته الشيعية. الكيميائي بهذه الطريقة يعود إلى مختبره الأول: لبنان، في الجنوب، ومع القاعدة الصلبة التي يعرف كيف يخاطبها ويحشدها.

في تغطيتها للحرب، نقلت يديعوت أحرونوت عن رافي ميلو، قائد المنطقة الشمالية العسكرية والمسؤول العسكري الأعلى عن المواجهة مع حزب الله، أن التقديرات الاستخبارية التي بنت عليها إسرائيل حربها بشأن حجم خسائر الحزب وفقدانه حاضنته الاجتماعية جراء النزوح، كانت مبالغا فيها، وأن الحزب لا يزال قادراً على الاحتفاظ بحاضنة العمل العسكري في الجنوب والانطلاق يومياً من معاقله في البقاع وبيروت نحو الجنوب.

في السياق ذاته، نقلت جيروزاليم بوست عن مصادر في الاستخبارات الإسرائيلية أن نعيم قاسم يبني حساباته على أساس أن إسرائيل تخطط لاستدامة احتلال جنوب الليطاني وربما التقدم نحو البقاع، ولهذا فهو يخطط للتحصن في بيروت وفي معاقل الحزب في البقاع، وخوض حرب استنزاف ممتدة على غرار حرب التسعينيات. وثمة تقييم استخباري إسرائيلي يشير إلى أن حزب الله تدارك ثغرة تصفية قياداته، ومن ثمّ فإنه حتى اغتيال نعيم قاسم في هذه المرحلة لن يُغيّر من معادلة الاستنزاف الطويل، بل إن بقاءه حيا ربما يصبح الضمانة للوصول في نهاية المطاف إلى اتفاق لإنهائها.

مقاومة إلى النفس الأخير

باستعراض محطات مسيرته السياسية نائبا للأمين العام لحزب الله ثم أمينا عاما، يمكن القول إن هدف نعيم قاسم من الحرب الحالية قد يكون معاكسا بشكل ما لنتائج حرب 2006. فقد خرج الحزب من حرب 2006 وقد انتقل من كونه فصيل مقاومة محلي لبناني إلى قوة إقليمية امتدت خطوطها لاحقاً إلى سوريا والعراق واليمن، وقبل ذلك إلى فلسطين.

وعلى المستوى الإقليمي، كان خروج حزب الله منتصرا من حرب 2006 هو الذي حوّل عنوان "محور المقاومة" من شعار إلى حقيقة واقعة. وداخليا، أفضت أزمة شبكة اتصالات الحزب والاقتتال السني الشيعي عام 2008 إلى انتقال الحزب من كونه أحد الفرقاء السياسيين في دولة الطوائف اللبنانية إلى القوة المهيمنة على لبنان كله. بل إن الحزب تحت قيادة نصر الله إبان احتجاجات 2019 راح يتطلع إلى إلغاء اتفاق الطائف ووضع نظام سياسي جديد للبنان، وهي طموحات ذهبت أدراج الرياح، أولاً باحتجاجات 2019، ثم بضربات 2024.

"حظرت الحكومة اللبنانية مؤسسة القرض الحسن وهي العصب المالي لشتى المؤسسات الاجتماعية لحزب الله"

لقد تحدث نعيم قاسم مؤخرا عن التحرك الشعبي ضد الحكومة اللبنانية ردا على قرارها حظر مؤسسة القرض الحسن وإغلاقها، معتبرا ذلك توجها إسرائيليا أمريكيا. وقد أتى حظر الحكومة اللبنانية لمؤسسة القرض الحسن والمؤسسات التابعة لها بطلب من المبعوث الأمريكي توم باراك عام 2025. وتُعد المؤسسة العصب المالي لشتى المؤسسات الاجتماعية لحزب الله، التي أشرف نعيم قاسم على تأسيسها وإدارتها لعقود، مثل مدارس المصطفى وجمعية الإمداد الخيري الإسلامي والجمعية الطبية الإسلامية وجمعية جهاد البناء ومؤسسة الشهيد، وهي المؤسسات التي وصفها قاسم في كتابه بأنها ركيزة الحفاظ على "مجتمع المقاومة".

مؤسسة القرض الحسن تعد العصب المالي لشتى المؤسسات الاجتماعية لحزب الله التي أشرف نعيم قاسم على تأسيسها وإدارتها لعقود (مواقع التواصل)

لهذا يرى نعيم قاسم في هذا الملف تحديدا نقطة مهمة للتصعيد الداخلي مع الحكومة اللبنانية، مستعيدا أشد لحظة خانقة في الداخل اللبناني أثناء أزمة انهيار القطاع المصرفي واحتجاجات 2019، التي فوّتها سلفه نصر الله حين انحاز لتحالفه السياسي مع الجنرال عون وصهره جبران باسيل على حساب الانحياز لجمهور المقاومة المشارك في الاحتجاجات، وهي أزمة لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم.

في تلك الرحلة الطويلة من عام 2006 حتى عام 2024 حقق الحزب مكاسب ضخمة، لكنه اكتسب في الوقت ذاته خصوما كُثرا فوق احتماله، والأهم، بما يتناقض مع رسالته التأسيسية، داخل لبنان وخارجه. ولذا، ينطوي اختيار نعيم قاسم خوض حرب 2026 بتعبئة اجتماعية شاملة واستنزاف العدو، على رغبة في الخروج من مرحلة ما بعد 2006، التي يبدو الحزب وقد ابتلع فيها أكثر مما يستطيع هضمه كحركة مسلحة لبنانية مقاوِمة. ويرى نعيم قاسم أن الحرب والصمود في جنوب لبنان، وتقليص الدور الإقليمي الواسع، يُعيدان للحزب توازنه في مواجهة العدو الإسرائيلي، بل وقد يُمكِنانه أيضا من الوصول إلى تفاهم مع النظام الجديد في سوريا، وفوق كل ذلك، استعادة شرعية سياسية لبنانية تتجاوز قواعده الشيعية.

في ظهور حديث له يوم 4 يونيو/حزيران الجاري، وصف نعيم قاسم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بأنها "مهزلة وإهانة"، وقال إن الحزب يرفض وقف إطلاق النار الذي اتفقت عليه الحكومة اللبنانية مع إسرائيل، وأن المقاومة لن تتوقف، في تأكيد لموقفه الحاسم قبل حوالي عام. "نزع سلاح المقاومة.. إعدام لقوة لبنان، وتهديدا وجوديا بإبادة شعبه المقاوم"، في إشارة ضمنية إلى سلاح الحزب من جهة، والقاعدة الاجتماعية المؤسسية من جهة أخرى، اللذين ينافح عنهما نعيم قاسم هذه الأيام في المواجهة الأشد في تاريخه.

وحدها المعركة الراهنة، والمتزامنة مع الذكرى العشرين لحرب تموز، ستخبرنا بما يخبئه الأمين العام الخامس في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في ساحة جنوب لبنان، التي أنهك فيها الطرفان بعضهما البعض؛ الحزب حين كانت له اليد العليا عام 2006، والاحتلال حين وجه ضربته الأقسى للحزب عام 2024. وقد قالها الرجل صراحة قبل عام واحد، أن هناك خيارا واحدا، الصمود حتى يعود الحزب إلى قوته أو يموت كل رجاله واقفين في المعركة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا