في بيئة ترامب المتسمة بالانقسامات، يبرز اسم بوريس إبشتاين الشخصية "الظل" القوية الذي يسمع كل شيء، ولايراه أحد، ويوصف في أروقة السلطة بـ"رجل المهام الصعبة" أو "كاتم الأسرار".
ويعتبر هذا النمط شائعا في الحياة السياسية الأمريكية، حيث يعتمد القادة على مستشارين مخلصين مختفين عن الإعلام لإدارة الأزمات.
وفي عالم دونالد ترامب يبرز اسم مستشاره القانوني الأقدم، بوريس إبشتاين، كأحد أكثر الشخصيات نفوذا داخل الإدارة الأمريكية، رجل المهام الصعبة، ومبتكر سياسة حافة الهاوية في البيت الأبيض إذ يمكن للرجل البعيد عن الأضواء، حضور اجتماعات المكتب البيضاوي دون أن يدرك الحاضرون وجوده.
وهذا الغموض دفع موقع "أكسيوس" لتسليط الضوء على إبشتاين، حيث قال في تقرير مطول: "في البيت الأبيض حيث القرب من السلطة هو السلطة بحد ذاتها، يعتبر إبشتاين أحد أكثر الأشخاص نفوذا في واشنطن العاصمة ليس فقط لأنه يستمع، ولكن لأن ترامب يستمع إليه أيضا".
إذ يقول الرئيس الجمهوري للمحيطين به: "إنه بمنزلة طبيبي النفسي"، في إشارة إلى عدد المرات الهائلة التي يتحدث فيها إلى إبشتاين، الذي يقدم عادة دعما حماسيا كبيرا للرئيس يماثل تأثير الجلسات العلاجية.
ويضيف المصدر أن الأخير بصفته كبير المستشارين الشخصيين للرئيس، يتحدث مع "الرئيس" كثيرا لدرجة أن ترامب يجعله يستمع أحيانا عبر مكبر الصوت دون أن يدري الآخرون في الغرفة.
ومع ذلك في عالم ترامب السياسي المملوء بالانقسامات، فإن هذا الثناء الرئاسي يثير الانتقادات، حتى من داخل الدائرة المقربة.
وقال أحد المستشارين: "إنه يمثل جهة الدعاية وفريق التشجيع بنسبة 100% لرئيس الولايات المتحدة، وهو أمر مبالغ فيه في بعض الأحيان".
وعلى الرغم من أن إبشتاين يعمل بعيدا عن الأضواء، لكنه ظهر على شاشات التلفزيون الأمريكي، الاثنين، واقفا مع الرئيس خلال المباراة الثالثة من نهائيات دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين (NBA) في قاعة ماديسون سكوير غاردن.
وفي الأسبوع الماضي، كشفت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" عن دور إبشتاين في التسوية التي أدت إلى إنشاء صندوق "مكافحة توظيف مؤسسات الدولة كسلاح" المثيرة للجدل بقيمة 1.8 مليار دولار، وهي الفكرة التي تخلت عنها الإدارة لاحقا، وسط احتجاجات من الحزبين في الكونغرس.
وبصفته المحامي الشخصي الأول لترامب، أشرف إبشتاين على موجة غير مسبوقة من الدعاوى المدنية التي رفعها الرئيس ضد وسائل الإعلام وشركات التواصل الاجتماعي، وكسب ترامب قضايا أو فرض تسويات مالية ضخمة على شبكات إعلامية مثل "اي بي سي"، و"سي بي إس"، وشركات تكنولوجيا عملاقة مثل "ميتا" و"غوغل و"إكس".
أما الجهات الإعلامية الأخرى التي استهدفها ترامب، وما زالت النزاعات القانونية معها مستمرة فتشمل: شبكة BBC، شبكة CNN، صحيفة "نيويورك تايمز"، صحيفة "وول ستريت جورنال"، وحتى لجنة جائزة "بوليتزر".
وبات إبشتاين قوة لا يستهان بها في عالم ترامب من خلال تشكيل الفريق القانوني، ورسم استراتيجية حافة الهاوية التي آتت ثمارها خلال الدورة الانتخابية لعام 2024، عندما كان ترامب يواجه أربع قضايا جنائية وقضيتين مدنيتين.
ومن خلال تبني عقلية موكله، جعل إبشتاين سياسة "حافة الهاوية" التكتيك الافتراضي، فقاتل على جميع الجبهات، واستأنف ضد كل قرار ممكن، حيث انتزع حكما تاريخيا من المحكمة العليا يعلن الحصانة الرئاسية، وزاد من الضغط السياسي على القضاة وممثلي الادعاء مع تطور القضايا في ذروة المعركة الانتخابية.
وقال ستيف بانون المسؤول السابق في ولاية ترامب الأولى: "حقق بوريس النجاح في أتون معركة كان ترامب يتارجح فيها بين السجن و الرئاسة.. بوريس كان الرجل الذي أنجز المهمة".
ووصفه زائر دائم للبيت الأبيض قائلا: "إنه رجل المهام الصعبة وتصويب الأزمات الخاص بالرئيس".
ويمتد دور إبشتاين إلى ما هو أبعد من قاعة المحكمة؛ ففي أبريل الماضي، عين رئيسا لمجلس إدارة شركة "ترامب للإعلام"، بينما يشغل دونالد ترامب الابن منصب المدير.
ويقول مستشارو ترامب إن إبشتاين يتمتع بنفوذ كبير في وزارة العدل، وذلك بفضل علاقته الوثيقة بالقائم بأعمال وزير العدل تود بلانش، الذي حل محل بام بوندي.
وذكر مسؤول في البيت الأبيض أن إبشتاين يوجد في المكتب البيضاوي مرة واحدة تقريبا في الأسبوع، ويكون على الهاتف باستمرار مع ترامب في الأوقات الأخرى.
وفي إشارة إلى التشتيت السياسي غير المبرر الذي تسبب فيه صندوق "مكافحة توظيف مؤسسات الدولة كـسلاح" الذي تم إلغاؤه، كان أحد المستشارين السياسيين لترامب أقل حماسا تجاه إبشتاين، حيث قال: "إنه الراعي للأفكار السيئة للغاية، ومع ذلك لم يزدد إلا قوة، وربما أصبح واحدا من أكثر خمسة أشخاص نفوذا حول الرئيس".
وبدءا من البدلة المصممة خصيصا له، ومرورا بسيارته من طراز بنتلي، وصولا إلى ولعه بعقد الاجتماعات في مطاعم الستيك الكلاسيكية في واشنطن، كانت ثروة إبشتاين مصدرا دائما للتكهنات في دوائر ترامب، لكن أحد أصدقاء إبشتاين رد على ذلك مؤكدا أنه كان ناجحا ماليا قبل توليه منصبه الحالي، وأنه اشترى سيارته قبل ست سنوات.
وصرح بأن بوريس عاش بنفس أسلوب الحياة تماما طوال العقد الماضي، وأي ادعاء بخلاف ذلك يستند إلى شائعات واهية وافتراءات.
كما أفاد محام وأحد المقربين من ترامب والذي نجح سابقا في إقناع الرئيس بالعفو عن موكله: "حاولت إشراكه في صفقة جانبية تتعلق بأعمال العفو الرئاسي لكن بوريس رفض.. إنه شخص يلتزم بالمعايير الأخلاقية".
وخلال الفترة الانتقالية، أجرى فريق آخر من محامي ترامب تحقيقا داخليا لتحديد ما إذا كان إبشتاين استغل علاقاته بترامب لتحقيق مكاسب شخصية، وهو ما نفاه إبشتاين تماما.
ووصف متحدث باسم ترامب في ذلك الوقت التحقيق بأنه "مراجعة"، وقال إن الأمر تمت تسويته داخليا، وأبقى ترامب على إبشتاين.
ووفقا لما أوردته "أكسيوس" خلال الفترة الانتقالية، اشتبك إبشتاين أيضا مع الملياردير إيلون ماسك.
ورغم تصاعد نجم ماسك في فلك ترامب، إلا أن الأخير تمسك بإبشتاين، ما يعكس مدى ثبات ونفوذ الأخير.
دخل إبشتاين المستشار السابق لحملة جون مكين الرئاسية عام 2008، إلى دائرة ترامب قبل عقد من الزمن، عندما رآه المرشح آنذاك، وهو يعرب عن دعمه لحملته الانتخابية عبر القنوات الإخبارية.
وعندما وُجهت اتهامات جنائية للمستشار القانوني الأول لترامب، مايكل كوهين في عام 2017 ووقع الخلاف بينه وبين ترامب، بدأ إبشتاين تدريجيا في ملء هذا الفراغ.
ووصف كوهين إبشتاين بأنه دؤوب، ومجتهد، وذكي، وطموح، والأهم من ذلك كله، أنه مخلص.
كما أشاد مدير اتصالات البيت الأبيض ستيفن تشيونغ، بنزعة إبشتاين القتالية، واستمراريته، وولائه، واصفا إياه بأنه "عنصر أصيل" في الدائرة السياسية لترامب.
وأضاف: "إن سجل نجاحاته نيابة عن الرئيس يتحدث عنه.
وفي عام 2021، وبينما كان ترامب يخطط للعودة إلى البيت الأبيض، في وقت أراد فيه الكثيرون في حزبه إقصاءه بعد أحداث الشغب في مبنى الكابيتول في 6 يناير، ظل إبشتاين إلى جانب ترامب رفقة سوزي وايلز التي أصبحت كبيرة المستشارين السياسيين لترامب، بينما تولى إبشتاين الشؤون القانونية.
وأصبح إبشتاين المستشار الأول لترامب بعد أن بدأت هيئة الأرشيف الوطني ووزارة العدل التابعة للرئيس بايدن تحقيقا جنائيا مع ترامب في قضية الوثائق السرية.
ومع تزايد القضايا الجنائية، تحولت هذه الأزمات إلى سلاح قوي لترامب في الحملة الانتخابية إذ جادل بأن المحاكمات كانت اضطهادا سياسيا، ما ساعده على الفوز بالانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، وحشد ناخبيه في الانتخابات العامة لعام 2024.
وطوال تلك الفترة، دفع إبشتاين ترامب لهذه المعارك، وعدم تقديم أي تنازلات، والمضي قدما في كل قضية إلى المحاكمة، بينما نصح آخرون بخلافه.
وقال أحد مستشاري ترامب: "ما نصح به بوريس وما فعله الرئيس كان في الحقيقة ضربا من الجنون ومخاطرة كاملة، ولكنه نجح.. ولهذا السبب يتبوأ بوريس المكانة التي هو عليها اليوم".
- وُلد بوريس إبشتاين في موسكو عام 1982 لعائلة يهودية، وهاجر إلى الولايات المتحدة واستقر في بلدة بلينسبورو نيو جيرسي.
- عمل في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية قبل أن يعمل مساعدا إعلاميا للمرشح الجمهوري للرئاسة عام 2008 جون ماكين، ثم أصبح متحدثا إعلاميا لحملة دونالد ترامب الرئاسية عام 2016.
- عمل إبشتاين مستشارا لترامب خلال انتخابات 2020 وبذل جهوده لقلب نتائجها.
- قاد حملة ترامب للتواصل مع اليهود مما رفع نسبة تأييده على المستوى الوطني بين اليهود من 24% إلى 30%، ونسبة تأييده في ولاية فلوريدا من 30% إلى 42%.
المصدر: "أكسيوس"
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة