فوق أسوار قلعة الشقيف، لم يكن رفع العلم الإسرائيلي مجرد إعلان سيطرة على موقع استراتيجي، فالقلعة ارتبط اسمها بتاريخ الصراع مع إسرائيل وصعود الحزب كقوة عسكرية منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ومع اتساع العمليات الإسرائيلية وسقوط بلدات حدودية شكلت لسنوات جزءاً أساسياً من منظومة دفاع الحزب في الجنوب، برز سؤال يتجاوز الحسابات الميدانية المباشرة: هل يمر الحزب بمرحلة تراجع مؤقت كما حدث في محطات سابقة، أم أن الحرب الحالية تضرب للمرة الأولى الركائز التي قامت عليها قوته؟
وقد عزز هذا النقاش تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 29 مايو الماضي، التي قال فيها إن “حزب الله في حالة انهيار”.
وفي المقابل، يؤكد الحزب أنه ما زال يحتفظ بقدراته القتالية والدليل مواصلته تنفيذ عمليات ضد إسرائيل كإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن قياس قوة حزب الله، كما يقول مراقبون، لا يقتصر على عدد الصواريخ التي يطلقها أو المواقع التي يحتفظ بها، بل على شبكة متداخلة من العناصر السياسية والعسكرية والتنظيمية والمالية والاجتماعية.
ولقراءة ما يواجهه الحزب اليوم، لا بد من العودة إلى حرب يوليو 2006. فرغم الخسائر البشرية والعسكرية الواسعة والدمار الذي أصاب مناطق نفوذه حينها، تمكن خلال السنوات اللاحقة من إعادة بناء قدراته نتيجة بقاء الركائز الأساسية لقوته سليمة. فالقيادة حافظت على تماسكها، واستمرت خطوط الإمداد عبر سوريا، وتواصل الدعم الإيراني، فيما بقيت البيئة الحاضنة متماسكة وقادرة على استيعاب تبعات الحرب.
أما في الحرب الحالية، فإن الضغوط لا تستهدف جانباً واحداً من هذه المنظومة، بل تطال كل ركائزها في وقت واحد، ما يجعل عملية التعويض أكثر صعوبة من أي مرحلة سابقة.
شكّل اغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله حسن نصر الله إحدى أقوى الضربات في تاريخ الحزب. كما طالت الضربات الإسرائيلية عدداً كبيراً من قيادات الصفين الأول والثاني وكوادر ميدانية ذات خبرات واسعة.
ويقول الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية الدكتور مصطفى أمين لـ”الحرة” إن “التنظيمات العقائدية تمتلك آليات تسمح لها بتعويض القيادات التي تفقدها”، إلا أن هذه الخسائر “تؤثر في مستوى الأداء، لكنها لا تشكل وحدها سبباً كافياً لانهيار التنظيم”.
وإضافة إلى اغتيال قياداته، تتعرّض مخازن أسلحة حزب الله ومنشآته العسكرية وشبكات أنفاقه منذ أكتوبر 2023 لضربات إسرائيلية متواصلة، يتزامن ذلك مع تحوّلات سياسية داخلية في لبنان، في مقدمتها قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة واعتبار أي نشاط عسكري للحزب غير قانوني.
كما دفعت التطورات العسكرية بملف سلاح حزب الله إلى واجهة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ما زاد من حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يواجهها.
ووفق تقديرات معهد ألما ، كانت ترسانة الحزب قبل أيام قليلة من هجومه على إسرائيل في الثاني من مارس تضم نحو 25 ألف صاروخ، معظمها قصير ومتوسط المدى، إضافة إلى مئات الصواريخ المتطورة، بينها صواريخ دقيقة التوجيه وصواريخ كروز ومنظومات دفاع جوي.
وامتلك الحزب أيضاً نحو ألف طائرة مسيّرة انتحارية، بحسب ألما، فيما تبقى قدراته الكاملة في هذا المجال غير معروفة. وخلال الحرب الأخيرة، اعتمد بشكل متزايد على المسيّرات الهجومية، التي تحوّلت إلى أحد أبرز عناصر قوته العملياتية.
ويقول الباحث في شؤون الأمن القومي والاستراتيجي العميد المتقاعد يعرب صخر إن “الضربات التي تعرّض لها الحزب خلال حرب 2023 و2024 أدت إلى تراجع قدراته بنسبة تتراوح بين 70 و80 في المئة”، معتبراً في حديث لموقع “الحرة” أن الحرب الحالية “تستنزف ما تبقى من قوته”.
ارتبطت قوة حزب الله كذلك بسيطرته ونفوذه في مناطق واسعة من جنوب لبنان. لكن الحرب الحالية أفضت إلى فقدانه أجزاء كبيرة من هذه المناطق بعد التقدّم الإسرائيلي المستمر، فمن الخيام إلى بنت جبيل وعشرات البلدات الواقعة جنوب الليطاني، تمكن الجيش الإسرائيلي من فرض سيطرة ميدانية واسعة وإنشاء منطقة أمنية تحت مسمى “الخط الأصفر”، قبل أن يمتد توغله إلى شمال النهر.
ويقول صخر إن” القوات الإسرائيلية وسّعت نطاق سيطرتها جنوب نهر الليطاني وشماله، حيث وصلت إلى محيط مثلث النبطية ومناطق يحمر والشقيف ودبين وزوطر الشرقية والغربية وقعقعية الجسر”.
ويضيف إن التحركات الإسرائيلية اتجهت أيضاً نحو “كفرحونة وجبل الريحان وغيرهما، في محاولة لقطع خطوط الربط والإمداد بين الجنوب والبقاع الغربي. هذه المناطق التي كانت تشكل ممراً أساسياً لنقل الإمدادات والعتاد إلى حزب الله”.
كما استندت قوة حزب الله لسنوات إلى معادلة ردع مكّنته من فرض قواعد اشتباك تحدد سقف المواجهة مع إسرائيل وتمنعها من تنفيذ عمليات داخل لبنان من دون خشية من الرد. إلا أن الكاتب والمحلل السياسي أحمد عياش يقول لـ”الحرة” إن هذه المعادلة تعرضت لتآكل كبير خلال الحرب الحالية، إذ انتقل الحزب كما يقول عياش، “من موقع فرض قواعد الاشتباك إلى التركيز على احتواء الخسائر والحد من تداعياتها” في تحول يعكس تراجع قدرته على التحكم بمسار المواجهة.
كذلك يرى صخر أن “المسيّرات التي يعتمدها الحزب في حربه مع إسرائيل لا تتجاوز إطار التأثير التكتيكي المحدود، في مقابل استراتيجية إسرائيلية تقوم على التقدم الميداني وتوسيع نطاق السيطرة”.
خلف قوة حزب الله العسكرية، وقفت حاضنة اجتماعية واسعة وفّرت له الشعبية والموارد البشرية. لكن هذه الحاضنة تواجه اليوم اختباراً غير مسبوق. فتداعيات الحرب الأخيرة لا تقتصر على الخسائر العسكرية، بل تمتد إلى حياة مئات آلاف السكان الذين وجد كثير منهم أنفسهم بين النزوح المتكرر وفقدان المنازل ومصادر الدخل وعدم اليقين بشأن مستقبلهم.
ونتيجة هذا الواقع، برزت في مواقع التواصل الاجتماعي وبين بعض النازحين والمتضررين أصوات انتقادية حمّلت حزب الله مسؤولية إدخال لبنان في حروب لا علاقة له بها.
وبحسب البيانات الرسمية، تجاوز عدد النازحين عتبة المليون شخص، وفيما يتعلق بالخسائر المادية، أعلن الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية شادي عبد الله أن عدد الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة كلياً وجزئياً نتيجة حرب 2023-2024 والخروقات اللاحقة بلغ 230,436 وحدة سكنية، فيما أضيفت 61,056 وحدة متضررة خلال الفترة الممتدة بين 2 مارس و8 مايو 2026.
غير أن هذه الأرقام لا تشمل الأضرار التي نتجت عن العمليات العسكرية والغارات اللاحقة منذ ذلك التاريخ، ما يعني أن الحصيلة الفعلية للدمار مرشحة للارتفاع مع استمرار الحرب.
ورغم ذلك، يشدد أمين على أن “الحاضنة الشعبية لا تزال تمثل أحد أبرز مصادر قوة الحزب والتي تنظر إليه بوصفه مرجعية سياسية واجتماعية وأمنية”، معتبراً أن “تراجع هذا الدور يتطلب من الدولة اللبنانية أن تتمكن من ملء الفراغ عبر توسيع خدماتها وتعزيز مؤسساتها في تلك المناطق، وهي عملية تحتاج إلى وقت طويل وظروف أكثر استقراراً من تلك التي يمر بها لبنان حالياً”.
مثّلت سوريا أحد أبرز عناصر الاختلاف بين حرب 2006 والحرب الحالية. فعلى مدى سنوات، شكّلت الأراضي السورية الممر الرئيس الذي ربط إيران بحزب الله وسهّل انتقال السلاح والتمويل. ومع سقوط نظام الأسد تقلصت قدرة الحزب على إعادة بناء قدراته بالوتيرة نفسها التي اعتمدها بعد حروبه السابقة.
كما وفّرت الموارد المالية المتنوعة لحزب الله القدرة على تمويل نشاطه العسكري، لكن الحرب الحالية فتحت جبهة استنزاف مالية. فإلى جانب تشديد العقوبات الأميركية التي ضيّقت الخناق على قنوات تمويله، استهدفت الضربات الإسرائيلية مؤسسات ومرافق مرتبطة ببنيته الاقتصادية من فروع القرض الحسن إلى محطات الأمانة وغيرها، فيما ارتفعت كلفة التعويضات ودعم عشرات الآلاف من المتضررين.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إيران، الداعم الرئيس لحزب الله، ضغوطاً اقتصادية متزايدة في أعقاب المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب تشديد العقوبات المفروضة عليها.
رغم حجم الضربات التي طالت مختلف الركائز التي استند عليها الحزب، لا يتفق الخبراء على توصيف ما يجري له بأنه انهيار. فالعميد المتقاعد صخر يعتبر أنه لم يبق من حزب الله عسكرياً وأمنياً ومالياً “شيء يذكر”، ويقول “لم يبق إلا جناحه السياسي”.
ويعتبر صخر أن العمليات العسكرية الجارية “تمثل المرحلة الأخيرة من المواجهة مع حزب الله”، لافتاً إلى أن الأنظار تتجه نحو المسار التفاوضي الذي بات يلعب الدور الأساسي في رسم ملامح المرحلة المقبلة، ومؤكداً على أن قدرة الحزب على التأثير في مجريات الأحداث انتهت.
في المقابل، يرى أمين أن مؤشرات انهيار الجماعات المسلحة، “كفقدانها القدرة على الحفاظ على هيكلها التنظيمي، وإدارة عملياتها، وتأمين مواردها المالية وخطوط إمدادها، إضافة إلى عجزها عن توجيه عناصرها أو صياغة استراتيجياتها العامة، لا تنطبق حالياً على حزب الله”.
ويعتبر أمين أن الضربات الجوية والصاروخية الإسرائيلية، “غير كافية للقضاء على حزب الله”. ويرى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب اجتياحاً واسع النطاق وفرض سيطرة كاملة على الأراضي اللبنانية، وهو سيناريو يستبعده في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية.
ويتفق الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية بديع قرحاني مع هذا التقدير، مشيراً إلى أن “الحزب لا يزال يحتفظ ببنية سياسية وإعلامية وتنظيمية وعسكرية تتيح له الاستمرار والتكيّف مع المتغيرات”.
ويضيف في حديث لموقع “الحرة” أنه “رغم ما تعرض له الحزب، لكنه لا يشبه حالات الانهيار التي شهدتها تنظيمات مثل القاعدة أو داعش حين فقدت غالبية قياداتها، اضافة إلى فقدانها أراضي ومساحات جغرافية كانت تسيطر عليها سواء في سوريا أو العراق، مع استمرار خطورتها بسبب وجود بقايا لها”.
كذلك يعتبر عياش أن الحديث عن انهيار حزب الله لا يزال سابقاً لأوانه، واصفاً المرحلة الحالية بأنها “صراع بقاء”. ويرى أن إضعاف الحزب عسكرياً ممكن، لكن معالجة ملف سلاحه تتطلب مساراً سياسياً تقوده الدولة اللبنانية بدعم دولي، بما يتيح تسليمه للدولة من دون أن يظهر بمظهر المهزوم، وهو ما لا تستطيع العمليات العسكرية وحدها تحقيقه.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم ما إذا كان حزب الله سيبقى موجوداً بعد هذه الحرب، بل أي حزب سيخرج منها. فالمعركة التي يخوضها اليوم لا تتعلق فقط بالحفاظ على وجوده، بل بالحفاظ على المقومات التي صنعت نفوذه، وهذه ستكون أصعب مواجهة يمر بها منذ تأسيسه.
المصدر:
الحرة