تحليل بقلم الزميل في شبكة CNN ستيفن كولينسون
(CNN)-- لقد كان ذلك يومًا أظهر لماذا تشكل الكراهية المتوارثة عبر الأجيال في الشرق الأوسط غالبًا خطرًا بالغًا على الرؤساء الأمريكيين .
صباح الاثنين، بدت المساعي الدبلوماسية الهشة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للخروج من الحرب مع إيران وكأنها تنهار فجأة. وكانت الأسباب هذه المرة تهديدًا إسرائيليًا بضرب حزب الله المدعوم من طهران في الضواحي الجنوبية لبيروت، وهجمات صاروخية شنّتها الميليشيات على إسرائيل .
وقد أدى هذا التصعيد المفاجئ إلى موجة من ردود الفعل من ترامب عكست إحباطه من صراع بدأه في فبراير/شباط واستمر حتى يونيو/حزيران، متحديًا آماله في تحقيق نصر سريع وحاسم .
وقال ترامب لشبكة CNBC ردًا على سؤال حول ادعاء إيران أنها علّقت المحادثات مع الولايات المتحدة بسبب ما اعتبرته انتهاكات إسرائيلية لوقف إطلاق النار في لبنان: "أنا لا أهتم حقًا. لا أبالي إطلاقًا ".
وأضاف أن المحادثات أصبحت "مملة جدًا ".
غير أن ترامب انخرط رغم ذلك في دبلوماسية طارئة، إذ اتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محادثة اتسمت بالحدّة، لجأ فيها إلى عبارات نابية للتعبير عن رفضه للهجوم المرتقب على لبنان .
كما تحدث ترامب إلى حزب الله عبر ما وصفه بـ"جهات رفيعة المستوى". ثم أعلن على منصة "تروث سوشيال" أن الطرفين اتفقا على وقف إطلاق النار، وقال إن المحادثات مع إيران مستمرة بوتيرة "سريعة ".
وأعلنت سفارة لبنان في واشنطن لاحقًا، أن حزب الله أكد التزامه بالامتناع عن مهاجمة إسرائيل في مقابل توقف إسرائيل عن ضرب بيروت. وأصدرت إسرائيل بيانًا أعلنت فيه مواصلة عملياتها في جنوب لبنان، مع إشارة ضمنية إلى أنها لن تستهدف بيروت في الوقت الراهن على أقل تقدير .
وربما يكون تدخل ترامب قد أبقى على مساعيه تجاه إيران، ومعه آماله في إعادة فتح مضيق هرمز ووقف التداعيات المتفاقمة على الاقتصاد العالمي .
كما أن أحداث، الاثنين، ربما تكون قد أظهرت لإيران أن ترامب لا يزال قادرًا على كبح جماح نتنياهو، وهو عامل قد يكون حاسمًا لبقاء أي اتفاق أمريكي-إيراني قد تعارضه إسرائيل .
وقال علي فتح الله نجاد، مؤسس مركز برلين للشرق الأوسط والنظام العالمي (CMEG) ، في حديثه مع ماكس فوستر على شبكة CNN، إن هذا الاتصال "يعكس طبيعة موازين القوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ".
وقال ترامب لاحقًا لشبكة ABC إن "خللًا بسيطًا حدث اليوم، لكنني تمكنت من معالجته بسرعة كبيرة، كما لاحظتم على الأرجح ".
لكن التاريخ والواقع القاسي للسياسة في الشرق الأوسط يشيران إلى أن هذا النوع من التدخل الدبلوماسي قد يكون مجرد حل مؤقت؛ فتصادم المصالح الإقليمية لقوى مثل إسرائيل وإيران مرشح للتكرار، وكذلك انعدام الثقة الذي أطاح بمبادرات سلام أمريكية أعمق بكثير من جهود ترامب. وتهدد هذه العوامل العصيّة على الحل آمال الرئيس في إيجاد مخرج مُرضٍ .
لبنان: جبهة بعيدة لكنها مرتبطة بحرب الولايات المتحدة وإيران
لماذا يُعدّ لبنان أصلًا تهديدًا لمحادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران؟
تقع هذه الدولة، وهي شريط ضيق على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، على بعد نحو 1000 ميل شمال غرب مضيق هرمز، الممر الحيوي لاقتصاد الطاقة العالمي، والذي أغلقته إيران فعليًا عندما اندلعت الحرب .
وتؤكد إدارة ترامب أن التوترات في لبنان منفصلة عن المواجهة مع الجمهورية الإسلامية، ولا ينبغي أن تؤثر على التقدم في المحادثات الثنائية بشأن القضايا النووية والصاروخية .
بيد أن إيران لا ترى الأمر على هذا النحو .
يقع لبنان شمال إسرائيل، ولذلك لطالما كان قاعدة متقدمة لوكلاء إيران الذين يهددون الدولة العبرية. وتحرص طهران على إبقاء حزب الله قوة فاعلة بعد سنوات من الدعم المالي والعسكري الذي قدمه الحرس الثوري الإيراني .
ورغم أنه تراجع بفعل الهجمات الإسرائيلية المتواصلة في السنوات الأخيرة، فإن حزب الله، وهو ميليشيا شيعية وشبكة سياسية متجذرة بعمق في لبنان، لا يزال يشكل محورًا أساسيًا في طموحات طهران الإقليمية الأوسع، وفي أي أمل للحرس الثوري في إعادة بناء قدرته على تهديد إسرائيل بعد الحرب .
وعلى عكس واشنطن، لا تُميّز إيران بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهو أمرٌ ليس بمستغرب، بالنظر إلى القصف المشترك الذي أشعل فتيل الحرب الحالية وأدى إلى مقتل مرشدها الأعلى السابق، علي خامنئي .
وقال رونّي شطح،المحلل الإقليمي ومقدم بودكاست "The Beirut Banyan"، لإيسا سواريس من شبكة CNN الدولية: "تريد إيران بشدة الحفاظ على ما بنته في لبنان على مدى الأربعة عقود ونصف الماضية".
ورغم أن ترامب ربما نجح في منع تصعيد إسرائيلي في لبنان، الاثنين، فإنه من غير المرجح أن يكون قد غيّر التقديرات الاستراتيجية الراسخة لدى إسرائيل؛ فإسرائيل تعتبر حزب الله منظمة إرهابية وتهديدًا لأمنها، وتطالب بنزع سلاحه بالكامل، وتحمل الدولة اللبنانية مسؤولية ذلك .
لكن كثيرًا من المحللين يرون أن الحكومة اللبنانية الضعيفة -التي تحكم دولة منقسمة تضم موارنة مسيحيين وشيعة وسنة- لا تملك القدرة على تلبية هذه المطالب. ويؤيد القادة اللبنانيون نزع سلاح حزب الله، لكنهم يرون أنه يجب أن يتم ضمن تسوية سياسية شاملة قد تتطلب مفاوضات طويلة مع القوى الإقليمية .
وفي هذه الأثناء، من المرجح أن تواصل إسرائيل السعي لتقويض قوة حزب الله. وهذا يعني أن الصراع في لبنان سيظل تهديدًا دائمًا بالتصعيد وتعطيل العملية التفاوضية الأمريكية مع طهران. وهو مثال آخر على اختلاف الرؤية بين الحلفاء الذين بدأوا حرب إيران؛ فإسرائيل تعتبر حماية أمنها مهمة دائمة قد تتطلب حروبًا دورية. أما ترامب، فيسعى إلى حل نهائي، وإلى الانسحاب من المنطقة .
وتدرك إدارة ترامب كيف يشكل لبنان تهديدًا لهذا الهدف. وقد عقدت مؤخرًا محادثات سلام في واشنطن بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين، لكن الاجتماع لم يحقق سوى تقدما أوليا ومحدودا بشأن تمديد وقف إطلاق النار على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية، وقد بدا سريعًا أن الأحداث تجاوزته .
وهذا يترك لبنان كما كان طوال نصف قرن، ضحية تُجرّها باستمرار نحو الانهيار السياسي والأزمات الإنسانية. إنه يقع في قلب صراعات بالوكالة بين قوى إقليمية مثل إسرائيل وإيران وسوريا وفصائل فلسطينية مختلفة. ولا يزال يتعافى من حرب أهلية استمرت 15 عامًا ومن الغزو الإسرائيلي عام 1982 الذي مزقه .
ورغم أن ترامب تدخل لاحتواء الوضع، الاثنين، فلا توجد مؤشرات تُذكر على امتلاكه الرغبة أو الرصيد السياسي اللازم لصياغة سلام دائم في لبنان. فذلك يتطلب اتفاقًا إقليميًا واسعًا .
يوقد تصوّر ترامب مثل هذا الإطار بدعوته لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" لتشمل جميع القوى العربية والإسلامية الإقليمية اعترافًا بإسرائيل. لكن قضايا أخرى، من بينها القضية الفلسطينية، تجعل هذا الهدف بعيد المنال .
لذا سيبقى لبنان جرحًا غائرًا قد يُقوّض دبلوماسيته في الحرب مع إيران .
كل ما فعله ترامب الاثنين هو الحفاظ على حالة الجمود
ولبنان ليس التهديد الوحيد لهذه الدبلوماسية. فتعنّت إيران يقوّض مصداقية ترامب في الداخل، ويضعف روايته بشأن الحرب، كما جاء في منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي، الاثنين، والذي قال فيه: "إيران تريد حقًا التوصل إلى اتفاق ".
ويبدو أن سلوك طهران يشير إلى أنها تعتقد أنها قادرة على الضغط على الرئيس، وأنه هو من يريد الاتفاق فعليًا، وذلك بعد أن أعاد إلى طاولة التفاوض في عطلة نهاية الأسبوع إطارًا مقترحًا مع تعديلات تتعلق بالتزامات إيران النووية وبموافقتها على إعادة فتح مضيق هرمز .
ولا يزال الأمل في تحقيق الاختراق قائمًا، لأن كلا الطرفين -خلف الخطاب السياسي- لديهما مصلحة في إنهاء القتال رسميًا. فقد تعرض ترامب لضربة سياسية بسبب ارتفاع أسعار الوقود، كما أن إيران تعتمد بشكل كبير على الشحن البحري، وقد بدأ الحصار الأمريكي لسفنها وموانئها يؤثر عليها بشكل ملموس .
لكن حالة الجمود مستمرة؛ فالولايات المتحدة لا تزال تصر على أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا، بينما تصر طهران على حقها في تخصيب اليورانيوم. وحتى إذا كانت الضربات الأمريكية قد دمرت المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، فإن مخزوناتها من اليورانيوم عالي التخصيب لا تزال موجودة داخل البلاد .
ورغم أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ما يزال قائمًا من حيث المبدأ، فإنه يتعرض لاختبارات من الجانبين. فقد شنت القوات الأمريكية هجمات على رادارات وطائرات مسيّرة إيرانية في نهاية الأسبوع، فيما قالت القوات الإيرانية إنها استهدفت قاعدة جوية أمريكية .
وهذا الوضع هشّ بما يكفي في حد ذاته، دون إضافة خطر جبهة بعيدة في حرب الوكالة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار .
ربما يكون ترامب قد احتوى الضرر، الاثنين، لكنه تلقى درسًا جديدًا مفاده أن المغامرات الرئاسية في الشرق الأوسط تبدأ بسهولة، لكن الخروج منها قد يكون شبه مستحيل .
المصدر:
سي ان ان