في مقالها المنشور بصحيفة "هآرتس" العبرية، تقدّم الصحفية الإسرائيلية عميرة هيس قراءة ميدانية وتفسيرية لأزمة صحية وجودية تعصف بالضفة الغربية، وتكشف من خلالها عن تفكيك ممنهج لقدرة الفلسطينيين على الوصول إلى العلاج، ليرتسم مشهد قاتم يتجاوز النقص الإداري العابر إلى "انهيار صحي" متكامل الأركان تصنعه السياسات الإسرائيلية.
وتستند هيس إلى معطيات رقمية صادمة تكشف عمق الحصار المالي الذي يواجهه القطاع الصحي الحكومي:
العجز الهيكلي: بلغت ديون وزارة الصحة المتراكمة للجهات الخارجية 2.6 مليار شيكل (نحو 702 مليون دولار)، وهو رقم يزاحم ميزانيتها السنوية لعام 2025 البالغة 2.89 مليار شيكل (نحو 781 مليون دولار).
أزمة الكوادر: يتقاضى الأطباء والممرضون نصف رواتبهم أو أقل، ما دفعهم لخوض إضراب منذ مطلع مايو/أيار، اقتصرت معه خدمات المستشفيات الحكومية على الحالات الطارئة والمنقذة للحياة فقط.
إغلاق العيادات: تسبب الإضراب في إغلاق 447 عيادة من أصل 590، ما أدى إلى شلل كامل في خدمات الرعاية الأولية ومتابعة الحوامل، الرضع، والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
وتربط الكاتبة الأزمة مباشرة بجملة من التدابير العقابية الإسرائيلية؛ وتضع عاملين رئيسيين في صلب هذا الانهيار:
احتجاز أموال المقاصة: استيلاء وزارة المالية الإسرائيلية على عائدات الضرائب الفلسطينية وتجفيف الموارد الموردة للسلطة.
الحرمان الاقتصادي: منع نحو 170 ألف عامل فلسطيني من دخول إسرائيل، مما عمّق معدلات الفقر وعجز المرضى عن شراء الأدوية من السوق الخاص.
ويكشف التقرير أن وزارة الصحة لم تعد تجد في مستودعاتها سوى 260 نوعا فقط من أصل 1260 نوعا من الأدوية الأساسية، وسط عجز عن سداد 1.3 مليار شيكل (نحو 351 مليون دولار) لشركات الأدوية المحلية.
وهنا يبرز اقتباس باسم خوري، مدير مصنع "دار الشفاء" "سنواصل تزويد وزارة الصحة بالأدوية التي ننتجها، مثل المضادات الحيوية للأطفال، وأدوية علاج السكري وارتفاع ضغط الدم، لأن هذا واجبنا تجاه المجتمع".
وانعكست الأزمة الحكومية ضغطاً هائلاً على المستشفيات غير الربحية والخاصة، والتي بلغت كلفة الإحالات الطبية إليها عام 2024 نحو 960 مليون شيكل (نحو 259 مليون دولار) لـ (96 ألف حالة)، ويختصر الجراح الفلسطيني (س) جوهر المعاناة بالقول "هناك أطباء جيدون في المستشفيات الحكومية، لكن قائمة الانتظار لإجراء العمليات طويلة جداً.. والمرضى يُطلب منهم دفع ثمن بعض المستلزمات الضرورية للجراحة".
ويكتمل الحصار بوجود أكثر من ألف حاجز عسكري يعيق حركة الإسعاف، ويجبر الطواقم على أسلوب "النقل المتتالي" البدائي والمكلف للممرضين والمرضى عبر البوابات الحديدية، وتروي أم لطفل مصاب بالشلل الدماغي مأساتها بالقول: "توقف زوجي عن العمل.. وكنت أستطيع سابقاً دفع ثمن دواء ابني، لكنني لم أشترِه منذ أسبوعين".
وترسم هيس لوحة متكاملة لسياسة خنق ممنهجة؛ تجمع بين حجز الأموال، ضرب الرواتب، تصفية دور " الأونروا" (UNRWA) والمنظمات الدولية، والحصار العسكري.
وتتجسد خلاصة هذا الانهيار المصنوع في تصريح الدكتور مصطفى البرغوثي: "عندما نجمع كل عوامل الأزمة في النظام الصحي، نستنتج أن هذه خطة مُحكمة ومدروسة".
لينتهي التقرير إلى أن إسرائيل نجحت في تحويل "الحق في الصحة" إلى إحدى ساحات الضغط السياسي والأمني الأشد قسوة لتركيع المجتمع الفلسطيني بالضفة الغربية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة