في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بوغوتا- يتوجه أكثر من 40 مليون مواطن في كولومبيا، اليوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية واختيار رئيسهم المقبل.
وتُعد هذه الجولة من الانتخابات مصيرية بالنسبة لكولومبيا، لأنها قد تحدد ما إذا كانت تجربة أول حكومة يسارية في تاريخ البلاد الحديث، بقيادة الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، ستتحول إلى مسار سياسي مستمر، أم ستبقى استثناء في بلد حكمه اليمين لعقود طويلة.
ولن تقتصر تداعيات النتائج على الداخل الكولومبي فحسب، بل ستؤثر أيضا في الخريطة السياسية للمنطقة وفي العلاقات الدولية لكولومبيا، لا سيما مع الولايات المتحدة، ومع الحكومات اليمينية التي تهيمن على الإقليم، وكذلك تجاه الشرق الأوسط.
في هذا السياق، ينقسم المجتمع الكولومبي إلى شطرين:
يقود التيار اليميني الأول مرشح اليمين المتطرف أبيلاردو دي لا إسبريلا، الذي يحتل المرتبة الثانية في معظم استطلاعات الرأي. وهو محامٍ لا يملك تجربة سياسية أو خبرة في القطاع العام، ويُعد وجها جديدا على الساحة السياسية الكولومبية. ويطرح نموذجا اقتصاديا وأمنيا صارما للبلاد، على نمط الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.
أما التيار الآخر، فهو تيار اليمين التقليدي، وتقوده المرشحة بالوما فالنسيا، التي تحتل المرتبة الثالثة في الاستطلاعات. وتسير على النهج السياسي للرئيس السابق ألفارو أوريبي، الشخصية اليمينية البارزة في كولومبيا، والمعروف بسياساته الأمنية الحازمة خلال الحرب الداخلية، وبصلاته مع الجماعات شبه العسكرية المتهمة بارتكاب مجازر ضد الجماعات اليسارية، المسلحة منها وغير المسلحة.
استفاد المرشح اليساري إيفان سيبيدا من دعم جزء كبير من الناخبين المؤيدين لولاية بيترو. لكن هذا الدعم لا يبدو كافيا لحسم الانتخابات من الدورة الأولى، إذ يحتاج المرشح إلى 51% على الأقل من الأصوات للفوز.
ويدلّ تصدّر المرشح اليساري سيبيدا جميع قياسات الرأي على أن جزءا كبيرا من الكولومبيين استفاد من سياسات بيترو الاجتماعية ويؤيدونها.
وإن لم يتمكن الرئيس اليساري من تنفيذ كل وعوده، فقد استطاع رغم ذلك إنجاز سياسات إصلاحية مهمة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، مثل رفع الحد الأدنى للأجور، وهو ما ساهم في خفض مستويات الفقر وتقليص الفجوة الاجتماعية في بلد يُصنّف من بين أكثر البلدان تفاوتا بين الفئات المختلفة.
لكن في ما يخص الملف الأمني، انتهج بيترو ما يُعرف بسياسة "السلام الشامل"؛ وتقوم هذه المقاربة على الحوار والتفاوض بين الحكومة والجماعات المسلحة للتوصل إلى اتفاقيات قد تُنهي الحرب الداخلية المستمرة منذ أكثر من نصف قرن في كولومبيا، والتي لم تتوقف بعد إبرام الاتفاق التاريخي بين الدولة و جماعة "فارك" عام 2016.
غير أن الرهان على "السلام الشامل" لم يحقق الأمن الموعود، ويتهم اليمين الرئيس بيترو بالتسبب في تفاقم الأوضاع الأمنية وتقوية الجماعات المسلحة.
على مستوى العلاقات الدولية، برز الرئيس بيترو كأحد أهم أصوات اليسار في أمريكا اللاتينية، إلى جانب نظيره البرازيلي لولا دا سيلفا والرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم، في مواجهة ما يعتبره اليسار طموحات الهيمنة لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في المنطقة.
وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، كان بيترو من أبرز القادة الذين أدانوا إسرائيل و الإبادة التي تنفذها في قطاع غزة وإجراءاتها ب الضفة الغربية. ويسعى المرشح سيبيدا إلى مواصلة النهج نفسه إذا فاز بالرئاسة.
ويقترح سيبيدا، كما تؤكد حملته على موقعه، سياسة خارجية مستقلة وداعمة للسلام. ويدافع عن الاستقلالية والاندماج في أمريكا اللاتينية، كما أن موقفه من النزاعات الدولية، وخصوصا من الإبادة الجماعية في غزة، واضح وعلى خطى الرئيس بيترو. وهو يؤيد فلسطين، التي جعل منها محورا أساسيا في خطاباته الدولية خلال حملته الانتخابية.
ومن أبرز مواقفه خلال الحرب على غزة، رفع سيبيدا دعوى جنائية ضد الرئيس اليميني السابق إيفان دوكي، واتهمه بالترويج للإرهاب، وذلك بعدما زار الأخير إسرائيل واجتمع برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ثم دافع علنا عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وقال إنها "إجابة ضرورية ضد الإرهاب".
وفي موازاة ذلك، لمّح إيفان سيبيدا، خلال حملته الانتخابية، إلى طبيعة العلاقة التي قد تربط حكومته المحتملة بالولايات المتحدة، الخصم الأيديولوجي، ولكن أيضا الحليف الاقتصادي الأول لكولومبيا.
وأكد المرشح اليساري أنه لن يقطع العلاقات مع واشنطن، لكنه وضع شروطا واضحة لهذه العلاقة، مشددا على أن "كولومبيا ليست دولة تابعة أو خاضعة أو مستعمرة"، ولا تخضع لهيمنة أي قوة أجنبية.
وفي حديث للجزيرة نت، يقول موظف بارز في الحكومة الحالية، فضّل عدم الكشف عن هويته، إن "العلاقة ستستمر، على الأرجح، وفق مقاربة براغماتية تقوم على التأكيد على مبدأ المسؤولية المشتركة في ما يتعلق بمكافحة تهريب المخدرات".
أما بالنسبة للإقليم، وخاصة لفنزويلا، فمن المتوقع أيضا أن تسود مقاربة براغماتية، وإن كان الكثير سيعتمد على ما قد يحدث خلال المرحلة الانتقالية المحتملة لما بعد الرئيس المخلوع نيكولاس مادورو، بحسب الموظف نفسه.
وفي ما يتعلق بكوبا، فمن المرجح أن تتخذ الحكومة مواقف أكثر نشاطا في التنديد بالحصار الأميركي. ويضيف المصدر للجزيرة.نت: "القضية الكوبية تُعد شديدة الحساسية بالنسبة لسيبيدا، ولذلك يُرجّح أن نشهد نشاطا دبلوماسيا وسياسيا أكبر في هذا الملف".
في المقاب ل، وعلى النقيض التام، يروّج مرشحا اليمين لأفكار ومواقف معاكسة تماما في ما يتعلق بالسياسات الداخلية والعلاقات الدولية.
ويدافع أبيلاردو دي لا إسبريلا وبالوما فالنسيا عن رؤية محافظة لإدارة شؤون البلاد، تقوم على مقاربة ليبرالية اقتصاديا، وصارمة ومتشددة في الملف الأمني. ويعتبر كلاهما أنه لا مجال للحوار مع الجماعات المسلحة التي يصفانها بالإرهابية، وأن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب الداخلية في كولومبيا قد يكون الحسم العسكري ضد هذه الجماعات.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الدولية، يتبنى كلاهما موقفا داعما بشكل غير مشروط للولايات المتحدة، وخصوصا للإدارة الجمهورية الحالية، كما يدافعان بقوة عن إسرائيل التي يعتبرانها الحليف الرئيسي لكولومبيا في الشرق الأوسط.
ووعد مرشح اليمين المتطرف أبيلاردو دي لا إسبريلا، في حال انتخابه، بنقل السفارة الكولومبية إلى القدس، كما تعهد بتعزيز العلاقات والتحالف الإستراتيجي مع إسرائيل، واضعا ذلك ضمن أولويات أجندته في السياسة الخارجية.
سيختار الكولومبيون بين مشروعين سياسيين متباعدين إلى حد كبير، وستكون لنتائج هذه الانتخابات المفصلية تداعيات داخلية وإقليمية ودولية، خصوصا في منطقة يهيمن عليها اليمين واليمين المتطرف، إذ لا يحكم اليسار سوى 3 دول من أصل 12 في أمريكا الجنوبية.
ويعني فوز اليسار بقاء كولومبيا ضمن الدول القليلة التي يقودها هذا التيار الفكري في المنطقة، وهو ما لن يُسهّل علاقاتها المتوترة أساسا مع حكومات يمينية مثل الإكوادور والسلفادور والأرجنتين، وصولا إلى الولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى، قد يعني فوز اليمين انضمام كولومبيا، باستثناء البرازيل والأوروغواي، إلى الموجة اليمينية التي تهيمن على المنطقة، وهو ما قد يغيّر بشكل كبير الخريطة السياسية الإقليمية، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها فنزويلا وكوبا.
أما على المستوى الدولي، فقد يعني انتصار اليمين أن تصبح معظم دول تلك المنطقة حليفة للولايات المتحدة وداعمة لإسرائيل، في حين سيجعل فوز اليسار من كولومبيا أحد الأصوات القليلة المتبقية في الفضاء اللاتيني التي تجرؤ على معارضة الولايات المتحدة ودعم فلسطين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة