في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خرق هو الأبرز لوقف إطلاق النار الهش منذ إعلانه منتصف أبريل/نيسان الماضي، أعادت إسرائيل لاستهداف محيط العاصمة اللبنانية، فشنت غارة على شقة سكنية في منطقة الشويفات على تخوم الضاحية الجنوبية لبيروت.
ونفّذت الغارة بطائرة مسيرة في منطقة مكتظة ومن دون إنذار، لتعيد طرح سؤال حدود التصعيد الإسرائيلي، وما إذا كانت تل أبيب قد تجاوزت الخطوط الحمراء الأمريكية بشأن استهداف بيروت.
قبل هذه الغارة، كان السائد في بيروت وتل أبيب وواشنطن أن العاصمة اللبنانية خارج بنك الأهداف المباشرة بفعل ضغط أمريكي واضح، إذ سبق أن قال الرئيس دونالد ترمب إن إسرائيل "لن تقصف لبنان بعد اليوم"، وأن "كفى تعني كفى"، لتأتي الشويفات وتختبر هذا التقدير.
وفيما يلي قراءة في دلالات الغارة:
ظاهريا، نعم، فالقصف يوصف بأنه الأول من نوعه منذ بدء وقف النار في 17 نيسان/أبريل، ويطال محيط العاصمة التي قال ترمب صراحة إنه "لن يسمح" بتفجير مبانيها.
لكنّ الصورة قد تكون أعمق من ذلك، فمن جهة، ينقل مدير مكتب الجزيرة في رام الله وليد العمري عن وزراء إسرائيليين مقربين من نتنياهو حديثا عن "ضوء أخضر أمريكي" لمواصلة العمليات في الجنوب، ما يوحي بأن الموقف الأمريكي أصبح لينا لا أن إسرائيل تمردت عليه.
ومن جهة أخرى، يرى مراقبون أن الغارات تكشف واشنطن ليست وسيطا محايدا، إذ يقول الباحث علي مراد، في حديثه مع الجزيرة، إن الولايات المتحدة تدير الملف وفق المطالب الإسرائيلية، فهي حيدت بيروت عام 2006 كما حيدتها الآن، أي أن إخراج العاصمة من النار كان قرارا أمريكيا، وأي تعديل عليه هو قرار أيضا، لا انفلات.
تفاصيل الغارة تحمل رسالة بحد ذاتها، فقد أصابت شقة محددة، ولم تدمر المبنى ولم تسبقها إنذارات إخلاء كتلك التي رافقت ضرب صور والنبطية، أي أنها اتخذت نمط الاغتيال المركّز لا القصف الذي يهجر الأحياء، وهو ما حرصت واشنطن أمام الإعلام على منعه، إذ كان قلقها منصبا على الهجمات "الواسعة" وتفجير المباني تحديدا.
وهذا يرجح أن الخط الأحمر الأمريكي لم يرسم حول جغرافيا بيروت، بل حول حجم الضرر ونوعه.
غير أن هذا الخط نفسه بدا في الأسابيع الأخيرة أقل صلابة، فمراسل الجزيرة في بيروت إيهاب العقدي كشف أن إسرائيل باتت تضع الضاحية نصب عينيها، وأن مسيّراتها تحلق فوق بيروت في مراقبة حثيثة.
ووصف ما يجري بأنه تصعيد متدرج بدأ قبل أيام: إنذارات للنبطية، فعملية برية، فضرب صور وصيدا، فالبقاع حيث طالت الغارات منشآت مائية وزراعية وكهربائية، وصولا إلى الشويفات، مما يجعل هذه الغارة خطوة إضافية على طريق تصعيد أكبر محتمل.
في مقابل التصعيد الإسرائيلي، يواصل حزب الله إطلاق المسيّرات والقذائف الصاروخية نحو مواقع في شمال إسرائيل، وهي سلاح بات يشكّل تحديا حقيقيا للجيش الإسرائيلي، فبحسب إحصاءات إسرائيلية، قتل منذ بدء وقف النار 12 جنديا وضابطا، ثمانية منهم بفعل هذه المسيّرات التي يصعب رصدها واعتراضها لبساطتها التقنية.
لكن جدوى هذا الرد محل سؤال، فالباحث علي مراد يرى أن هذه "المشاغلة"، على إزعاجها، غير قادرة في ميزان القوى على فرض انسحاب أو تغيير معادلة. ويذهب أبعد حين يدعو الحزب إلى "النظر في المرآة" ومراجعة خياراته بعد حرب يقول إن لبنان لم يشهد مثلها منذ 42 عاما.
في المقابل، يرى الباحث علي شكر أن المقاومة "تفعل ما بوسعها" في مواجهة عدو "لا يفهم إلا بلغة القوة"، ويضيف أن الحزب يرى نفسه جزءا من مواجهة أوسع لمشروع "إسرائيل الكبرى" في المنطقة، لا مجرد جبهة لبنانية معزولة.
في الوقت ذاته، يجلس الوفد اللبناني غدا الجمعة في البنتاغون تحت وطأة التصعيد، بينما لم يستبعد مصدر تحدث للجزيرة أن يدفع استمرار الاستهدافات المفاوض اللبناني إلى مقاطعة الاجتماعات.
ويختصر علي مراد المأزق بأن المفاوض لا يسيطر على الميدان، ومن يسيطر عليه (حزب الله) لا يريد تفويض الدولة، ومع ذلك يرى أن مصلحة لبنان في استمرار التفاوض لا في تعليقه، شرط ألا يستغل سياسيا لانتزاع مكاسب أمنية.
أما شكر فيقول إن الحزب، الذي لم يقترب من جولات التفاوض المباشر، يقف اليوم خلف المفاوض اللبناني، لكنه يقر بأن السلطة "لا تملك أوراق قوة" وتعول على ضغط خارجي يفضي إلى وقف النار.
يجد نتنياهو اليوم نفسه بين ضغطين: تحذير أمريكي علني، إذ نقل أكسيوس أن ترمب فاجأه بحدة لهجته مطالبا بوقف القصف، ورأي عام إسرائيلي يدعو إلى مواصلة القتال حتى نزع سلاح حزب الله.
ويقرأ الباحث علي شكر استهداف الشويفات على أكثر من مستوى: الضغط الميداني، وإظهار قدرة إسرائيل على ملاحقة قيادات حزب الله "في أي مكان"، والهروب إلى الأمام من ضغوط واشنطن وطهران معا.
كما أنها تأتي في سياق اعتراض نتنياهو على بنود في التفاهم الإيراني الأمريكي، فيبدو التصعيد الميداني وسيلته لرسم خطوط جديدة على الأرض قبل أن ترسم على الطاولة.
وفي كل الأحوال، عادت بيروت إلى دائرة الاستهداف، وصار التناقض بين الرفض الأمريكي العلني لشن الغارات الإسرائيلية على لبنان وغارة الشويفات واحدا من عناوين النقاش في الأيام المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة