تجد باكستان نفسها في مأزق حرج وسط أحدث المطالب التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إسلام آباد، والتي يدعوها فيها إلى التوقيع على اتفاقيات أبرهام لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وذلك كجزء من صفقة محتملة لإنهاء الحرب مع إيران.
وصرح ترامب يوم الاثنين (25 أيار/مايو 2025) بأن أي اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران يجب أن يشمل انضمام دول مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وقطر إلى اتفاقيات أبرهام، التي رعاها الرئيس الأمريكي خلال ولايته الأولى في عام 2020.
وكتب ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي : "بعد كل العمل الذي أنجزته الولايات المتحدة في محاولة لجمع قطع هذا اللغز شديد التعقيد، ينبغي أن يكون إلزامياً على جميع هذه الدول، كحد أدنى، أن توقع على اتفاقيات أبرهام". وأضاف: "الدول المعنية بالمناقشة هي المملكة العربية السعودية ، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، وباكستان، وتركيا، ومصر، والأردن، والبحرين"،
وأصر ترامب على ضرورة أن تقوم المملكة العربية السعودية وقطر بالتوقيع على الاتفاقيات فوراً، وأن "تحذو بقية الدول حذوهما". مع العلم أن اثنين من الدول المذكورة قد وقعت سابقاً.
واتفاقيات أبرهام سلسلة من الاتفاقيات الثنائية رعتها الولايات المتحدة، وتهدف إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والعديد من الدول العربية. وقد وُقّعت الاتفاقيات الأولى في 15 أيلول/سبتمبر 2020، بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، وبين إسرائيل والبحرين.
رفض بعض المسؤولين الباكستانيين هذا المطلب، إلا أنه لم يصدر حتى الآن أي رد فعل إجماعي أو قاطع، سواء من جانب الحكومة أو من جانب المؤسسة العسكرية النافذة في البلاد.
وتؤدي إسلام آباد دوراً محورياً كوسيط لإنهاء الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ففي شهر نيسان/أبريل الماضي، نجحت في إقناع الولايات المتحدة بوقف الهجمات على إيران. وتواصل باكستان جهودها للوساطة من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل دائم.
وقد حظي دورها كوسيط بإشادة ترامب في عدة مناسبات، حيث وصف الرئيس الأمريكي كلا من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف بأنهما من "المفضلين" عنده.
وتتمتع إسلام آباد بمكانة عالمية مرموقة بفضل هذا التقارب مع ترامب. ومع ذلك، فإن الانضمام إلى " اتفاقية أبرهام " سيمثل تحدياً أكثر صعوبة وتعقيداً بكثير بالنسبة لهذه الدولة الجنوب آسيوية، مقارنة بدورها في الوساطة لإنهاء الحرب مع إيران .
قال رضا رومي، المحلل السياسي، لـ DW: "إن فوائد الانضمام إلى اتفاقيات أبرهام حقيقية، ولكنها مُبالغ فيها سياسياً. إذ يمكن لباكستان أن تحظى بحظوة دبلوماسية في واشنطن وبعض الدول الخليجية، كما قد تلوح في الأفق فرص اقتصادية أو تكنولوجية". غير أن رومي أشار إلى أن هذه الخطوة قد تنطوي على مخاطر جسيمة بالنسبة لباكستان. وشدد قائلاً: "قد تضر هذه الخطوة بموقف باكستان تجاه القضية الفلسطينية، وتُذكي مزيداً من التوتر مع إيران ، كما قد تزيد من حالة عدم الاستقرار الداخلي".
ولا تعترف إسلام آباد بإسرائيل، كما لا تربطها بها أي علاقات دبلوماسية. ومع ذلك، حصلت في الماضي بعض الاتصالات غير الرسمية بين الجانبين، حسب بعض المصادر.
وأكد رضا رومي: "ما لم يتحقق تقدم ملموس نحو إقامة دولة فلسطينية، فإن التطبيع سيبدو أقرب إلى الاستسلام منه إلى ممارسة الاستقلالية الاستراتيجية. وفي الوقت الراهن، يُرجح أن تفوق التكاليف المترتبة على ذلك المكاسب المرجوة".
إن قرار باكستان، سواء بالانضمام إلى اتفاقيات أبرهام من عدمه، سيعتمد في نهاية المطاف على المسار الذي ستتخذه المملكة العربية السعودية بشأن هذه القضية؛ إذ تربط بين إسلام آباد والرياض علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية وثيقة، كما يحظى السعوديون، بصفتهم حماة أقدس المواقع الإسلامية، بتقدير كبير لدى غالبية الباكستانيين.
ووفقا لرومي، فإن "مبادرة المملكة العربية السعودية بالتحرك أولاً من شأنها أن تجعل النقاش حول هذا الأمر أيسر بالنسبة لباكستان، وإن لم تجعله سهلاً تماماً". وأضاف: "بإمكان إسلام آباد أن تستخدم قرار الرياض بمثابة غطاء سياسي، لا سيما وأن باكستان غالبا ما تُواءم سياستها تجاه منطقة الشرق الأوسط مع المواقف السعودية والخليجية".
غير أن المحلل يرى أن هذه الخطوة ستظل، رغم ذلك أمرا معقداً بالنسبة لباكستان: "إن باكستان ليست ملكية عربية، فتركيبتها السياسية الداخلية، ووجود الأحزاب الدينية، والبيئة الإعلامية السائدة، فضلاً عن الارتباط الوجداني العميق لدى الرأي العام بالقضية الفلسطينية، كلها عوامل تجعل من مسألة التطبيع أمراً أكثر تعقيداً. صحيح أن مبادرة الرياض بالتحرك أولاً قد تفتح الباب، ولكنها لن تمنح بشكل تلقائي إسلام آباد ممراً آمناً للعبور من خلاله".
ويرى المحللون أنه حتى لو أقدم حلفاء الرئيس السابق ترامب، مثل المملكة العربية السعودية وباكستان، على اتخاذ خطوات نحو نوع من التطبيع مع إسرائيل، فإن ذلك قد لا يحدث بين عشية وضحاها، كما أنه سيكون مشروطاً.
وفي هذا السياق، صرحت مليحة لودهي، الخبيرة في الشؤون الدولية والسفيرة الباكستانية السابقة لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة، لـ DW بأن إسلام آباد لن تنظر في هذا الأمر إلا "في حال تم إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً وعاصمتها القدس". وأضافت قائلة: "إنه موقف راسخ، ولن يستند قرار باكستان إلى ما تفعله دولة أخرى".
وفي السادس من كانون الأول/ديسمبر 2017، اعترف ترامب رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأعلن أن السفارة الأمريكية ستُنقل من تل أبيب إلى القدس.
قد يكون لمعارضة ترامب ثمن تدفعه إسلام آباد؛ إذ ترتبط باكستان بعلاقات اقتصادية وعسكرية عميقة مع الولايات المتحدة، وهي علاقات تساعدها في الحفاظ على التوازن الجيوسياسي مع خصمها الإقليمي اللدود وجارتها، الهند.
ولا تزال الولايات المتحدة الوجهة التصديرية الأكبر لباكستان، مما يجعلها عنصراً حيوياً كمصدر للعملات الصعبة اللازمة لاقتصاد البلاد المتعثر. كما تدرك إسلام آباد أن واشنطن تتمتع بنفوذ كبير على المؤسسات النقدية العالمية، مثل صندوق النقد الدولي.
لقد تسببت الحرب مع إيران في تعطل إمدادات الطاقة الباكستانية، حيث ارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد منذ اندلاع الصراع. وبالنسبة لباكستان، يُعد إنهاء هذه الحرب في أقرب وقت أمراً حيوياً، غير أن مطالب ترامب المتعلقة بـ " اتفاقيات أبرهام"، والمرتبطة بسياق الحرب مع إيران ، تضع البلاد في مأزق حقيقي لا يبدو مخرجه سهلاً.
وتدرك السلطات الباكستانية أن "رد الفعل العنيف سيكون خطيراً للغاية"، وذلك وفقاً لما ذكره المحلل السياسي رضا رومي، وأوضح أن "الأحزاب الدينية، والجماعات الإسلامية، وقطاعات من وسائل الإعلام اليمينية، وحتى الفاعلين السياسيين الرئيسيين، سيصورون الاعتراف بإسرائيل على أنه خيانة للقضية الفلسطينية وللالتزامات الإيديولوجية لباكستان". وأضاف: "أي حكومة تحاول الإقدام على مثل هذه الخطوة ستواجه اضطرابات في الشارع، وانتقادات برلمانية، وحشداً ضدها من جانب رجال الدين، فضلاً عن اتهامات بالخضوع لضغوط أمريكية أو خليجية. وقد أدت الحرب في غزة إلى جعل الرأي العام أكثر عداء تجاه التطبيع".
وسواء قررت باكستان الانضمام إلى هذه الاتفاقيات أم لا، فإن أي قرار تتخذه إسلام آباد الآن بشأن اتفاقيات أبرهام سيكون ذا عواقب وخيمة، ومن المرجح أن يحدد المسار المستقبلي للبلاد.
أعدته للعربية: ماجدة بوعزة
المصدر:
DW