آخر الأخبار

الكعبة منتصرة فقد كان ستالين يريد أن ينسينا الله

شارك

تاريخ الحج الإسلامي الروسي هو رحلة تمتد لقرون، من رحلات شاقة كانت تستغرق شهورا سيرا على الأقدام وبحرا، إلى الخدمات اللوجيستية الجوية الحديثة.

نشأت شعائر الحج في المناطق الإسلامية في روسيا المعاصرة في القرنين السابع والثامن الميلاديين في داغستان، لكنها اكتسبت شعبية واسعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع وصول التجار المسلمين الأثرياء من التتار.

توجد في روسيا منطقتان رئيسيتان يسكنهما المسلمون: شمال القوقاز، والأراضي الممتدة من نهر الفولغا إلى سيبيريا، والتي يسكنها التتار.

بدأت هذه القصة بأربعة أحداث تاريخية مهمة، تتيح للقارئ تكوين صورة واضحة عن كيفية امتداد الإسلام في الأراضي التي أصبحت فيما بعد جزءا من روسيا.

المراحل الرئيسية لاعتناق الإسلام

ترتبط المرحلة الأولى بوصول أول المسلمين إلى أراضي روسيا الحالية عام 642 للميلاد، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. حدث ذلك في داغستان، وهي منطقة مسلمة تقع على سواحل بحر قزوين. وقد اشتهرت داغستان عالميا بفضل انتصارات (بطل العالم في السامبو) حبيب نورمحمدوف.

لكن في البداية، دخل الإسلام إلى داغستان على يد صحابة النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- الذين وصلوا إلى داغستان بعد عشر سنوات من وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومباشرة بعد هزيمة الإمبراطورية الفارسية.

وأطلقوا على هذه المناطق الجديدة اسم الجبال. كان يقود الجيوش المسلمة التي وطأت أرض داغستان شقيقان: عبد الرحمن، وسلمان ابنا ربيعة الباهلي.

ومع وصول صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- سمع الأذان لأول مرة في داغستان، وبني أول مسجد فيها.

واليوم، يعد هذا المسجد أقدم مسجد في روسيا، ويقع في مدينة دربند التي أطلق عليها صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- اسم باب الأبواب. ومن هنا بدأ الإسلام ينتشر بين شعوب شمال القوقاز.

إعلان

أما الفصل الثاني فيتعلق باعتناق التتار- الذين كانوا يسكنون نهر الفولغا- الإسلام.

حدث ذلك عام 922 للميلاد، عندما وصل أحمد بن فضلان سفير الخليفة العباسي إلى أراضي التتار. لم يكن أحمد دبلوماسيا فحسب، بل كان أيضا شاعرا ومؤرخا.

بعد رحلته إلى أراضي التتار والروس، ترك وراءه سجلا تاريخيا قيما للغاية يعرف باسم "الرسالة" المعروفة بـ"رحلة ابن فضلان".

ومن المثير للاهتمام أن منتجي أفلام هوليود استخدموا صورة أحمد بن فضلان في فيلم "المحارب الثالث عشر". يستند هذا الفيلم إلى الملاحم الإسكندنافية التي تحكي قصص الفايكنغ الذين حاربوا الوحوش ولم يتمكنوا من التغلب عليها حتى انضم إليهم المحارب المسلم أحمد بن فضلان، الذي جسد شخصيته أنطونيو بانديراس في الفيلم.

أما المرحلة الثالثة، فترتبط بافتتاح الوزير الأعظم للسلاجقة في العهد العباسي، نظام الملك الطوسي، عام 1075، فرعا للمدرسة النظامية في بغداد، في جبال داغستان. وطبقا لمصادرنا التاريخية الداغستانية كانت هذه المدرسة تعد بمثابة أول جامعة كلاسيكية في أوروبا، نظرا لأن داغستان تقع جغرافيا ضمن أوروبا.

واليوم، تعتبر الجامعة النظامية أول جامعة في روسيا.

ومن الفترات المهمة الأخرى في تاريخ المسلمين في روسيا القرنان الرابع عشر والسادس عشر.

ففي هذه الفترة، أصبح المماليك، من عداد الشركس- وهم أكبر مجموعة عرقية في شمال القوقاز- قوة مؤثرة للغاية في مصر.

وقد حكم المماليك البرجية- وهم سلالة من المماليك الشركس- مصر فعليا من عام 1382 إلى 1517، ولعبوا دورا محوريا في الحياة السياسية، إذ شغلوا أعلى المناصب الحكومية ودافعوا عن المنطقة، بما في ذلك ضد الصليبيين.

وشكل المماليك الشركس نواة النخبة الحاكمة، تاركين بصمة واضحة في تاريخ العالم العربي.

الخطوات الأولى نحو مكة

تظهر هذه اللمحة التاريخية الموجزة كيف أن الشعوب في مناطق القوقاز والتتر اعتنقوا الإسلام في وقت مبكر.

وفي تلك السنوات الأولى، بدؤوا أداء فريضة الحج إلى مكة. وكان المسلمون في تلك الحقبة يسافرون إلى الجزيرة العربية سيرا على الأقدام وعلى ظهور الخيل عبر أذربيجان وخراسان.

كانت هذه الرحلة الطويلة تستغرق في ذلك الزمان عدة أشهر، وأحيانا عدة سنوات.

بعد انتصارات القياصرة الروس، ضُمت مناطق التتار إلى الدولة الروسية في القرن السادس عشر، وأراضي الشعوب المسلمة في شمال القوقاز في القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الحين، بدأ القياصرة في فرض نظام سيطرة على حياة المسلمين في روسيا.

في القرون الأولى، حاول القياصرة الروس إجبار المسلمين على اعتناق المسيحية، فقاوم المسلمون هذه المحاولات بانتفاضات واسعة النطاق. لاحقا، أدركوا ضرورة الاعتراف رسميا بحق المسلمين في ممارسة الإسلام وأداء الشعائر الإسلامية الأساسية.

من التنظيم الحكومي إلى الحظر التام للحج

خلال هذه الفترة، أنشئ النظام الحكومي الروسي لتنظيم الحج. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأ عدد المسلمين في روسيا، الذين يؤدون فريضة الحج، في الازدياد.

في تلك السنوات، كانت رحلة الحج من الأراضي الإسلامية في روسيا تستغرق من ستة أشهر إلى أكثر من سنة.

إعلان

كان الناس يسافرون على ظهور الخيل أو الجمال أو سيرا على الأقدام إلى موانئ البحر الأسود وبحر قزوين، ثم عبر السفن البخارية.

في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الحكومة القيصرية، خوفا من تأثير صعود الإسلام في روسيا، بتشديد الرقابة على الحج.

وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، بدأت الدولة الروسية بتنظيم حصص الحج، وإصدار التذاكر، وإنشاء شبكة من القنصليات، وتوفير الرعاية الطبية للحجاج.

وخلال تلك السنوات نفسها، بدأ تجار مسلمون أثرياء من بلاد التتار بإنشاء أوقاف وفنادق ونُزل على طول الطريق من روسيا إلى الجزيرة العربية.

بعد ذلك، حلت كارثة مروعة بمسلمي روسيا مع قيام الحكم الشيوعي في مناطقهم بعد الإطاحة بالقيصر عام 1917. فقد شنت السلطات الشيوعية الجديدة بقيادة جوزيف ستالين حملة ضد الدين في جميع أنحاء البلاد، مطالبة المسلمين والمسيحيين واليهود في روسيا بنسيان الله تماما.

علاوة على ذلك، أعدم العديد من القادة المسلمين والأئمة وعامة المؤمنين، وسجن بعضهم، ورحّل بعض سكان القوقاز إلى آسيا الوسطى.

خلال الحملات المعادية للدين في عهد ستالين، أصبح أداء فريضة الحج مستحيلا. فقد أغلقت حدود البلاد تماما، وتعرض المسلمون للقمع، وهدمت العديد من المساجد، وأحرقت المصاحف والكتب الإسلامية على نطاق واسع.

لم يبدأ الوضع بالتغير إلا في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين مع إنشاء مجلس الشؤون الدينية. لم يسمح بفريضة الحج إلا لعدد قليل من الوفود الرسمية من الأئمة والمفتين، الخاضعة تماما لسيطرة الحزب الشيوعي، وجهاز المخابرات السوفياتية (كي جي بي).

وحتى انهيار النظام الشيوعي في روسيا، كان كل وفد من المسلمين يؤدي فريضة الحج يرافقه ضباط من جهاز المخابرات السوفياتية في الإحرام. وذلك خشية وقوع المسلمين الروس تحت تأثير المسلمين العرب، أو تجنيدهم من قبل أجهزة المخابرات الأجنبية.

إحياء الحج في روسيا

بعد انهيار النظام الشيوعي عام 1991، فُتحت حدود روسيا، وعادت الرغبة في أداء فريضة الحج إلى الظهور بين المسلمين الروس. وتم استقبال الحجاج الروس الأوائل استقبالا حافلا، وكأنهم رواد فضاء ينطلقون إلى عوالم مجهولة.

منذ مطلع الألفية الثانية، يتولى مجلس الدولة للحج تنسيق رحلات الحج، حيث يوزع المجلس سنويا حصصا على المناطق ذات الأغلبية المسلمة في روسيا، بالتوافق مع المملكة العربية السعودية.

خلال هذه السنوات، ازدادت شعبية الحج بشكل ملحوظ، حتى إن نوابا مسلمين في مجلس الدوما الروسي وقادة جمهوريات إسلامية- مثل رمضان قديروف من الشيشان ورستم مينيخانوف من تتارستان- باتوا يحرصون على السفر إلى مكة المكرمة.

اليوم، أصبح أداء فريضة الحج في روسيا مريحا وسريعا قدر الإمكان للمسلمين. ففي كل عام، يؤدي آلاف المسلمين الروس فريضة الحج على متن رحلات طيران مستأجرة مريحة من موسكو وداغستان والشيشان وتتارستان، ليصلوا إلى المملكة العربية السعودية في غضون ساعات قليلة.

حاليا، يسافر نحو 25 ألف شخص من روسيا سنويا لأداء فريضة الحج، ومئات الآلاف غيرهم لأداء العمرة. ويعد البطل الرياضي حبيب نورمحمدوف أشهر مسلم روسي على مستوى العالم ممن يؤدون فريضة الحج بانتظام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا