تشخيص طفل باضطراب طيف التوحد لا يضيف مفردة جديدة إلى السجل الطبي للأسرة فحسب، بل يفرض واقعاً مختلفاً بالكامل. فجأة، تصبح الحياة اليومية محكومة بجداول علاج مكثفة، وقرارات تربوية معقدة، وقلق مستمر لا يتوقف عند حدود الحاضر. المسؤولية هنا ليست موسمية ولا قابلة للتأجيل، بل عبء دائم يعيد ترتيب الأولويات ويضغط على كل تفاصيل العلاقة داخل المنزل.
ولا تبقى العلاقة بين الزوجين خارج التأثير، ربما تكون أول ما يتعرض للاختبار. لا يحدث الانهيار بشكل درامي ومفاجئ، بل يتراجع الوقت المخصص للتواصل، وتتآكل المساحة العاطفية لصالح إدارة تفاصيل يومية لا تنتهي. ومع مرور الوقت، يصبح السؤال أقل رومانسية وأكثر واقعية: كيف يستمر هذا الزواج تحت هذا القدر من الضغط؟
تابعت دراسة من "جامعة كاليفورنيا"، ونُشرت في "جورنال أوف فاميلي سيكولوجي" عام 2023، نحو 220 أسرة على مدار 28 عاماً، وخلصت إلى أن 36% من هذه الأسر شهدت الطلاق قبل أن يبلغ الطفل سن الثلاثين. وتظهر الدراسة أن الفترات الأكثر حساسية تكون في السنوات الأولى من عمر الطفل، ثم خلال المراهقة وما بعدها، حيث تتزايد التحديات.
وتشير مراجعة منشورة في "فرونتيرز إن سايكايتري" عام 2023 إلى تراجع مستوى الرضا بين الزوجين، مع ملاحظة أن إصابة أحدهما بالاكتئاب تزيد من الضغط على الآخر. في كثير من الحالات، لا يكون السبب غياب المشاعر، بل ضغط الوقت وتراكم الأعباء، حيث تطغى متطلبات الرعاية اليومية على المساحة المشتركة بين الزوجين.
تكشف البيانات الحديثة عن جوانب لا تطرح في النقاش العام حول التوحد؛ إذ تشير مراجعة منهجية منشورة عبر "ساينس دايركت" (ScienceDirect) عام 2024 إلى أن 45% من مقدمي الرعاية لأطفال التوحد يعانون من الاكتئاب، وهو معدل مرتفع يعكس عبئاً نفسياً.
لا يظهر الاكتئاب في هذا السياق كحدث مفاجئ، لكنه يبدأ تدريجياً بإرهاق مرتبط بنقص النوم، يتبعه ضغط المواعيد العلاجية، ثم يتفاقم مع التوتر الاجتماعي في الأماكن العامة، وصولاً إلى إعادة تقييم الأم لتوقعاتها حول الأمومة.
وفي السياق العربي، تعزز دراستان سعوديتان هذه الصورة. الأولى نشرت في "المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية" التابع للمكتبة الوطنية للطب، وشملت 143 أماً لأطفال التوحد في مقارنة مع مجموعة ضابطة للعدد نفسه من أمهات لأطفال يتطورون بصورة طبيعية، فوجدت أن 23% من أمهات أطفال التوحد يعانين من اكتئاب شديد جداً، مقابل 12% فقط في مجموعة أمهات الأطفال غير المشخصين بالتوحد.
أما الدراسة الثانية بعنوان "رفع الآمال، ومواجهة التحديات" (2022)، فشملت 394 والداً سعودياً وكشفت أن 18% يعانون من اكتئاب متوسط الشدة، مع ارتباط واضح بين ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق وانخفاض جودة الحياة لدى الوالدين.
وتشير دراسة منشورة في دورية "هيومانيتيز آند سوشيال ساينسز كوميونيكيشنز" (Humanities and Social Sciences Communications)، التابعة لمجلة "نيتشر" (Nature) عام 2024، إلى أن أمهات الأطفال المصابين بالتوحد يسجلن معدلات اكتئاب تزيد بمقدار 3.5 مرة مقارنة بالمتوسط العام.
تعقيد الصورة لا يتوقف عند هذا الحد؛ فالاكتئاب في كثير من الحالات لا يُشخص رسمياً، إذ تستمر أعداد كبيرة من الأمهات في تحمل الأعراض دون طلب مساعدة، سواء بسبب الانشغال الكامل برعاية الطفل، أو نتيجة غياب الاهتمام بصحتهن النفسية داخل المنظومات الصحية، وتطبيع المجتمع لحالة الإرهاق باعتبارها جزءاً من الأمومة.
ويوصف هذا النمط من الإجهاد علمياً بمصطلح "التعب الرحيم"، ويُعرف بأنه حالة يتجاوز فيها الإرهاق العاطفي كونه استجابة مؤقتة، ليصبح سمة مستمرة تندمج في تجربة الفرد وهويته اليومية.
لا يقتصر التأثير على الجانب النفسي، بل يمتد إلى المسار المهني للأم. تشير البيانات الدولية إلى أن وجود طفل مصاب بالتوحد يترك أثراً واضحاً على فرص العمل والدخل.
فقد وجدت دراسة لجامعة بنسلفانيا أن أمهات أطفال التوحد يكسبن في المتوسط أقل بنسبة 35% مقارنة بغيرهن. كما أظهرت دراسة دولية قارنت بين الولايات المتحدة والنرويج، أن احتمال عمل الأم ينخفض بنحو 25% عندما يكون الطفل مصاباً بتوحد متوسط أو شديد.
وفي الصين، لا تتجاوز نسبة عمل الأمهات 37% مقابل 97% للآباء داخل الأسر نفسها. كما أفادت البيانات بأن 54% من الأمهات تركن وظائفهن للتفرغ للرعاية، مقارنة بنحو 2.8% فقط من الآباء، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في توزيع المسؤوليات داخل الأسرة.
تقول إحدى الأمهات المشاركات في دراسة نوعية نشرها المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية عام 2021: "توقفت عن العمل، وانسحبت من دراسة الدكتوراه، لكن الإجهاد لم يختفِ، بل تبدّل شكله فقط".
لا تُستخدم هذه الشهادة كعنصر سردي في الدراسة، بل لتأكيد ما تقوله الأرقام؛ إذ توضح أن التأثير لا يقتصر على الحالة النفسية، بل يصل إلى العمل ويؤثر على هوية الأم.
أما اقتصادياً، فتفيد مراجعة منهجية دولية حديثة بأن متوسط دخل الأمهات يقل بنسبة 56% مقارنة بأمهات الأطفال غير المصابين بالتوحد، في مؤشر على العبء المادي المباشر للرعاية.
تميل بعض التقارير إلى تقديم هذه الأرقام باعتبارها نهاية حتمية لمسار الأسرة، لكن ما تقوله الأبحاث بشكل أكثر دقة هو أن النتيجة ليست قدراً ثابتاً، بل تتأثر بعوامل يمكن التدخل فيها.
الأسر التي تحصل على تدخل مبكر، ودعم اجتماعي حقيقي، وخدمات رعاية منظمة، تظهر قدرة أكبر على التماسك والاستمرار. كما تشير دراسات نوعية إلى جانب آخر لا يظهر في الأرقام وحدها، وهو ما يُعرف بـ"النمو بعد الصدمة"، حيث يمر بعض الآباء بتغيرات في نظرتهم للحياة، واكتساب قدرة أعلى على التحمل، وبناء علاقات اجتماعية جديدة. التجربة تفرض خسائر واضحة، لكنها لا تقف عند هذا الحد.
هنا تبرز مجموعة من النقاط التي تتكرر في الأبحاث كعوامل مساعدة للأسر.
أولها الاهتمام بالصحة النفسية وعدم تأجيل طلب المساعدة، لأن التعامل المبكر مع الاكتئاب أو القلق يخفف من تراكم الضغط، وينعكس بشكل مباشر على جودة الرعاية المقدمة للطفل.
كما يظهر أن توزيع مسؤوليات الرعاية بشكل واضح بين الزوجين يقلل من الإرهاق، خاصة مع ميل الأعباء إلى التركز على الأم بشكل تلقائي.
وفي الوقت نفسه، تحتاج العلاقة الزوجية إلى التخطيط للعناية بها، خصوصاً في المراحل الانتقالية مثل لحظة التشخيص أو دخول المدرسة أو المراهقة، حيث تزداد الضغوط وتتطلب دعماً إضافياً.
وتشير الأبحاث أيضاً إلى أهمية وجود شبكة اجتماعية قائمة على الفهم، مثل مجموعات أولياء الأمور، لما توفره من دعم عملي وتقليل للإحساس بالعزلة. كذلك، فإن احتفاظ الأم أو الأب بجزء من حياتهما خارج دور الرعاية، سواء من خلال عمل أو نشاط اجتماعي، يرتبط بمستويات أفضل من التوازن النفسي. ومن العوامل المهمة كذلك الاستفادة من خدمات الرعاية المؤقتة، حتى لو لساعات محدودة، لما لها من أثر واضح في خفض مستويات الضغط.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة