في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- بين حيي المعمورة والمجاهدين المتجاورين شرق الخرطوم، لم تعد تفاصيل الحركة اليومية كما كانت في السابق. فبعد أن تميزا لسنوات طويلة بنشاط اجتماعي وتجاري لافت وكثافة سكانية عالية، يشهدان اليوم عودة محدودة وحركة قليلة داخل أروقتهما، في مشهد يترجم حجم التحديات التي تحول دون عودة المواطنين حتى بعد توقف الحرب.
وبعد إعلان الجيش الجيش السوداني سيطرته التامة على العاصمة في 20 مايو/أيار من العام الماضي، استقبلت الولاية مئات الآلاف من الأسر من دول اللجوء ومناطق النزوح، تركزت الكتلة الأكبر منهم في مدينة أم درمان وجنوب الخرطوم، بينما كان لأحياء شرق العاصمة النصيب الأصغر من عودة السكان.
في قلب المشهد، وقف هشام عز الدين الضو، وهو من سكان حي المعمورة وصاحب أحد المطاعم، شاهداً على واقع يصفه بأنه غير ملائم للعودة حالياً بالحي، مشيراً إلى أن غالبية جيرانه لم يعودوا إلى منازلهم بعد. ويرى أن العائق الأساسي وراء هذا العزوف هو غياب التيار الكهربائي.
وأوضح للجزيرة نت أن عدم توفر هذه الخدمة ألقى بظلاله على الوضع الأمني، إذ تشهد المنطقة تفلتات وسرقات للمنازل الخالية تتركز في ساعات الليل، واعتبر أن الظلام يمثل عاملاً أساسياً في زيادة معدلات الجريمة.
وتمتد ارتدادات غياب الكهرباء لتغذي أزمة صحية متفاقمة يجسدها انتشار الملاريا وحمى الضنك وسط قاطني الحي. وبحسب الضو، فإن معالجة هذه الأوضاع تتطلب خطة متكاملة تبدأ من الإسراع في إعادة الكهرباء وتتكامل مع تفعيل مراكز بسط الأمن الشامل لضمان استقرار الوضع الأمني والصحي.
وعلى الامتداد الجغرافي لأحياء شرق الخرطوم يأخذ المشهد ملامح مختلفة، ففي حي الجريف غرب، تبرز عودة لافتة لعشرات الأسر، غير أن الاستقرار هنا ظل محكوماً بالخارطة الخدمية. بعض الأهالي يفضلون التجمع والسكن في المربعات التي عادت إليها الكهرباء، في حين يقتصر حضور البقية، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، على زيارات تفقدية دورية لمنازلهم قبل المغادرة مجدداً نظراً لأوضاعهم الصحية في ظل عدم توفر هذه الخدمة.
وتحولت هذه الأحياء التي لطالما عرفت ببريقها وحيويتها إلى مناطق طاردة بفعل غياب الخدمات وعلى رأسها التيار الكهربائي. ويبرز حي الجريف غرب كنموذج لمعاناة السكان الذين واجهوا أهوال الحرب منذ اندلاعها بين الجيش و قوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام معركة بقاء في ظل تردي الخدمات وغياب الحلول.
وفي حديثه للجزيرة نت، رسم رئيس لجنة الكرامة بهذا الحي أحمد الشيخ إدريس صورة قاتمة للأوضاع الإنسانية داخله، مؤكداً أن العقبة التي تقف أمام استقرار المواطنين وعودة النازحين هي الانهيار الكامل لشبكة الكهرباء بالحي. وقال إن المعاناة المستمرة لم تنفرج مع توقف الحرب حيث لم تدخل الكهرباء إلى عدد كبير من مربعات الحي حتى اللحظة، مما أحدث حالة أشبه بالشلل في مختلف مناحي الحياة.
وبحسب المسؤول المحلي، فإن الأزمة لم تكن مجرد انقطاع في الإنارة، بل امتدت آثارها لتضرب عصب الخدمات الأخرى، وخلق هذا الواقع حالة نزوح داخلي، حيث يضطر سكان المربعات المظلمة إلى الذهاب نحو المربعات التي تتوفر بها كهرباء مما شكل ضغطاً إضافياً على سكان المناطق الأخرى.
وحذر من خطورة الوضع الراهن، مشيراً إلى أن "غياب الرسائل الإيجابية بشأن إعادة الإعمار يبعث بإشارات سلبية للنازحين في الولايات أو دول الجوار، ويقنعهم بإرجاء فكرة العودة إلى أجل غير مسمى".
وينبه فاعلون في العمل الإنساني إلى أن "استمرار تجاهل السلطات التنفيذية والشركة السودانية لتوزيع الكهرباء لصيانة المحولات والشبكات المتضررة في شرق الخرطوم"، سيفضي قريباً إلى إخلاء سكاني جديد حيث ستضطر الأسر الصامدة إلى المغادرة قسراً، مما يعقد مشهد الأزمة الإنسانية في البلاد ويزيد من وتيرة الهجرة العكسية.
من جانبه، أفاد عضو لجنة متابعة الكهرباء بالجريف غرب عبد الرحيم الحامدي للجزيرة نت بأن هنالك جهوداً بُذلت، أثمرت عن توفير عدد من المحولات الكهربائية الجديدة، لافتاً إلى أن الأزمة الحالية تكمن في نقص الكوابل اللازمة لإكمال عملية الربط وإدخال الخدمة للمربعات المتبقية.
ووصف الحامدي الوضع الكهربائي في الحي بالجيد نسبياً، حيث تجاوزت نسبة المناطق التي عادت إليها الخدمة الـ60%، لكنه حذر في الوقت ذاته من معضلة جديدة تتمثل في الضغط الهائل على المحولات الحالية نتيجة زيادة الأحمال عليها بسبب اعتماد سكان المربعات المظلمة عليها.
وطالب سلطات ولاية الخرطوم بالإسراع في استكمال إدخال الكهرباء لبقية المربعات السكنية، ورهن استقرار الوضع الحالي بتوفر الخدمات التي تمثل عصب الحياة بالنسبة للمواطنين.
وفي الوقت الذي تصطدم فيه مساعي عودة المواطنين إلى أحياء شرق الخرطوم بعقبات فنية وخدمية معقدة، تتبنى السلطات المحلية مقاربة مغايرة ترهن فيها استكمال حزم الخدمات بعودة الكثافة السكانية إلى المنطقة.
من جهته، قال المدير التنفيذي عبد المنعم البشير -في حديثه للجزيرة نت- إن الموقف العام في المحلية مطمئن بشكل كبير، مؤكداً جاهزية الأجهزة التنفيذية لاستقبال العائدين وتهيئة الظروف المناسبة لاستقرارهم. ودعا المواطنين إلى الإسراع في العودة إلى منازلهم، مشدداً على أن هذه الخطوة ليست خياراً فردياً بقدر ما هي ضرورة إستراتيجية لاستكمال عملية إعادة الإعمار.
واعتبر البشير أن اكتمال عودة السكان هو المحرك الأساسي لتشغيل مرافق الدولة وعودة الخدمات، بالإضافة إلى سد الثغرات المتبقية في البنية التحتية.
وما بين دعوات الحكومة إلى العودة وبين الشكاوى من معوقات لوجستية لاستقرار الخدمات، يبقى المشهد الخدمي في شرق الخرطوم مرهوناً بتلبية الخدمات الأساسية لعودة السكان.
ويرى مراقبون أن تجاوز هذا الوضع يتطلب تنسيقاً عاجلاً يسير بين مسارين، أحدهما تقديم التسهيلات الفنية والخدمية العاجلة من جهة، واستجابة المواطنين لدعوات العودة الطوعية للمساهمة في استعادة حيوية أحياء شرق العاصمة من جهة أخرى، بما يضمن قطع الطريق أمام أي هجرات عكسية قد تعمّق المشهد العمراني فيها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة