في الأيام الأولى لحرب الشرق الأوسط، رُصدت "قوات أجنبية" في صحراء النجف جنوب غرب العراق، وفق ما أكد مسؤولون أمنيون وشهود لوكالة "فرانس برس".
ولم تمضِ أيام قليلة حتى تحولت الحادثة إلى قضية شديدة الحساسية، خصوصاً بعد مقتل راعٍ قال شهود إنه كان أول من اكتشف وجود تلك القوات، قبل أن تستهدف مروحية شاحنته الصغيرة وتقتله.
وقد أقرت السلطات العراقية لاحقاً بوجود قوات "مجهولة" في صحراء النجف لمدة لم تتجاوز 48 ساعة، لكنها امتنعت عن إعلان هويتها بشكل رسمي.
وفي أعقاب إعلان حالة التأهب، نفذت القوات العراقية عمليات تمشيط واسعة في المناطق الصحراوية.
أشار مصدران أمنيان عراقيان لوكالة "فرانس برس" إلى أن قوات إسرائيلية نفذت عمليات انطلاقاً من صحراء النجف خلال الحرب، مشيرين إلى أن تلك القوات استخدمت مدرجاً جوياً مهجوراً يعود إلى عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وقال أحد المسؤولين الأمنيين إن "القوات الإسرائيلية أنشأت قاعدة على مدرج جوي مهجور بناه صدام حسين في صحراء النجف".
وفي 9 مايو، أضافت صحيفة "وول ستريت جورنال" مزيداً من الغموض إلى الملف، بعدما نقلت عن مصادر، بينها مسؤولون أمريكيون، أن إسرائيل أقامت "موقعاً عسكرياً سرياً" في المنطقة.
ووفق التقرير، ضم الموقع قوات خاصة، وشكل مركزاً لوجستياً لسلاح الجو الإسرائيلي "بعلم الولايات المتحدة".
لكنّ المشهد داخل المؤسسات الأمنية العراقية اتسم بتضارب واضح في الروايات، فبينما قال مسؤول أمني لوكالة "فرانس برس" إن بغداد سألت واشنطن عمّا إذا كانت القوات الموجودة في النجف أمريكية، وإن "الأمريكيين أبلغونا أنها ليست قواتهم"، قلل مصدر أمني ثالث من صحة الرواية المتداولة، معتبراً أن "القوات الأجنبية" ربما كانت "قوات أمريكية ترافقها وحدة تقنية إسرائيلية".
وأضاف أن تلك القوات استخدمت مدرجاً جوياً قديماً، وأن مروحيات "سي إتش-57 شينوك" شوهدت في الموقع.
ويُلزم الاتفاق الأمني الولايات المتحدة، التي تنشر قوات في شمال العراق بإبلاغ بغداد بأي نشاط عسكري على الأراضي العراقية.
في الأسبوع الأول من الحرب، تناقلت وسائل إعلام محلية معلومات عن راعٍ رصد تحركات عسكرية غير اعتيادية في صحراء النجف الشاسعة.
وقالت مصادر أمنية لوكالة "فرانس برس" إن الراعي قُتل بعدما أطلقت مروحية النار على شاحنته الصغيرة، التي بقيت في مكانها داخل الصحراء، بحسب ما أفاد مراسل الوكالة.
ووفقاً لشهود كانوا يعرفون الرجل، كان في طريقه لبيع أغنامه وشراء بعض الاحتياجات والتزود بالوقود، قبل أن يفاجأ بالقوات الأجنبية.
وأشار مراسل الوكالة إلى وجود قبر يبعد ستة أمتار فقط عن الشاحنة، كُتب عليه اسم وتاريخ وفاة في 3 مارس 2026.
وقال الشهود إن القبر قد يكون رمزياً أو ربما يحتوي على بقايا من الجثمان، الذي دُفن لاحقاً في مدينة كربلاء .
ولم تتضح حتى الآن هوية الجهة التي استهدفت المركبة.
وفي 5 مارس، كشف قيس المحمداوي، نائب قائد العمليات المشتركة في العراق، أن بغداد قدمت احتجاجاً إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بشأن غارة جوية وقعت في النجف.
وأوضح أن الجيش العراقي أرسل قوة للتحقيق بعد ورود تقارير عن "أشخاص أو تحركات في صحراء النجف"، إلا أن القوة تعرضت لـ"نيران جوية كثيفة"، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين.
وأضاف أن "إحدى القوات كانت تقدم الدعم لقوة أخرى كانت تنفذ عمليات استطلاع أو تقوم بتركيب معدات" في موقع النجف. وأشار أيضاً إلى أن تعزيزات عسكرية أُرسلت لاحقاً لتفتيش المنطقة، لكنها "لم تعثر على شيء".
رغم الجدل الإعلامي الذي أثارته الحادثة، لا تزال السلطات العراقية تتجنب الإعلان عن هوية "القوات الأجنبية" بشكل رسمي.
وقال أحد المسؤولين الأمنيين إن "الحكومة لا تستطيع أن تعلن صراحة أنها قوات إسرائيلية لأن قواتنا لم تشتبك معها بشكل مباشر"، مضيفاً: "هناك أمور لا يمكننا الحديث عنها".
وفي 11 مايو، أعلن الجيش العراقي تنفيذ عمليات تمشيط واسعة في المناطق الصحراوية والحدودية، مؤكداً عدم وجود "قواعد أو قوات غير مصرح بها على الأراضي العراقية حالياً". كما حذر الجيش من التقارير التي "تضر بسمعة العراق".
ورغم النفي الرسمي، تحدثت تقارير عن احتمال وجود إسرائيلي في محافظة نينوى شمال البلاد، ما دفع السلطات إلى إرسال قوات لإجراء عمليات تفتيش هناك، لكن مسؤولاً أمنياً عراقياً قال إن بغداد "تتعامل مع هذا الأمر على أنه مجرد شائعة"، في وقت لا تزال فيه الكثير من الأسئلة معلقة حول ما جرى فعلاً في صحراء النجف خلال الأيام الأولى للحرب.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة