في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خيمة متواضعة بمنطقة المواصي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تعيش عائلة العقاد على وقع انتظار ثقيل، بحثاً عن أي معلومة قد تكشف مصير اثنين من أفرادها فُقد أثرهما منذ أكثر من عامين ونصف، وسط غياب أي رواية رسمية حاسمة بشأن ما جرى لهما.
وأوضح مراسل الجزيرة رامي طعيمة أن القضية تعود إلى صورة جرى تداولها ونشرها لجندي إسرائيلي قبل أيام، أظهرت فلسطينية وابنتها وهما معصوبتا الأعين داخل آلية عسكرية، قبل أن يتبين لاحقاً، وفق ما تؤكده العائلة، أنهما من أفراد عائلة محمد العقاد، اللتين فُقد أثرهما خلال الحرب على قطاع غزة.
وفي حديث يعكس حجم الألم والأمل لدى العائلة، عبّرت إحدى قريبات المفقودين عن تمسكها بعودة ذويها أحياء، قائلة "إن شاء الله يكونوا عايشين يا رب".
وبدورها، تابعت قريبة أخرى سرد تفاصيل مرحلة ما بعد الفقدان، وما رافقها من عمليات بحث شاقة بين الركام، مشيرة إلى أن العائلة كانت ترجح في البداية فرضية دفن الضحايا تحت الأنقاض، قبل أن يتبين لاحقاً عدم العثور على أي أثر لهم.
وبحسب رواية العائلة، تعود أحداث القضية إلى اجتياح ديسمبر/كانون الأول عام 2023، حين تعرضت المنطقة لعمليات عسكرية واسعة، أسفرت عن مقتل الأب واعتقال الابن، فيما انقطع أي أثر للأم وابنتها منذ ذلك الوقت.
وقالت إحدى أقارب العائلة واصفة لحظة اقتحام القوات للمنطقة "دخل الجيش، طلع على عمارة "فيرونا" اللي قبالنا عالرابع، طلع الحاج هذا اللي هو جوز أختي برة، طلقوا له طلق، مات على طول استشهد، وبعدين هم ما بنعرفش كيف صار مصيرهم".
وتتهم العائلة جهات دولية بالصمت حيال مصير المفقودين، معتبرة أن استمرار الغموض يمثل تقصيراً إنسانياً وقانونياً في التعامل مع هذه القضية.
وفي هذا السياق، قال مدير مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان علاء سكافي، إن طلبات رسمية قُدمت للجانب الإسرائيلي للاستفسار عن مصير المفقودتين، دون تلقي أي رد حتى الآن، مشيراً إلى ما وصفه بوجود شبهات تتعلق بجريمة إخفاء قسري.
وتشير تقارير بينها ما وثقته "هيئة حقوق الإنسان" إلى أن عدد المفقودين والمخفين قسراً في غزة قد يتجاوز 11 ألفاً و200 شخص، بينهم أكثر من 4 آلاف و700 من النساء والأطفال، مع تسجيل مئات البلاغات الرسمية عن حالات فقدان.
وتتجاوز تداعيات الإخفاء القسري البعد الإنساني المباشر، لتشمل البنيتين الاجتماعية والقانونية في المجتمع الغزي. فبحسب مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفين قسراً، يعيش بعض النساء حالة قانونية معلقة، إذ لا يعرفن إن كنّ أرامل أم ما زلن مرتبطات بزيجات قائمة، مما ينعكس على قضايا الإرث والزواج والهوية القانونية للأسرة.
كما أن فقدان المعيل مع ظروف النزوح يضاعف الأعباء الاقتصادية على الأسر التي تواجه أصلاً انهياراً في مقومات الحياة الأساسية.
وتعزو مؤسسات حقوقية تفاقم أزمة المفقودين في قطاع غزة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي أسهمت في تعقيد ملف التوثيق وكشف المصير خلال الحرب الجارية.
وتشمل هذه العوامل حالات النزوح القسري وانهيار البنية التوثيقية، في ظل وجود آلاف الضحايا تحت الأنقاض، إلى جانب عمليات دفن اضطرارية جرت دون تسجيل رسمي أو إبلاغ ذوي الضحايا، بالتوازي مع تدهور كبير في منظومة السجل المدني وشبكات الاتصالات داخل القطاع.
كما تشير تلك المؤسسات إلى القيود الميدانية وصعوبات الوصول إلى العديد من المناطق التي تشهد عمليات عسكرية، ما حدّ من قدرة فرق الإنقاذ والجهات المختصة على الوصول إلى مواقع يُرجح وجود مفقودين فيها.
وتتضمن الأسباب أيضاً تضرر الأدلة المادية نتيجة القصف وانقطاع الكهرباء، وهو ما أدى إلى توقف أو تدمير أنظمة المراقبة المنزلية والتجارية، وفقدان تسجيلات كان يمكن أن تسهم في عمليات التحقق والتوثيق.
وفي السياق ذاته، لفتت تقارير حقوقية إلى تدمير واسع طال المقابر وعمليات نبش للقبور، الأمر الذي أدى إلى فقدان علامات الدفن وصعوبة التعرف لاحقاً على الرفات أو مطابقتها مع ذويها.
كما أشارت إلى تسليم جثث مجهولة الهوية في حالات متعددة، بعضها وصل في ظروف تحلل متقدمة أو دون بيانات تعريفية، ما دفع إلى دفن عدد منها في مقابر جماعية، حيث أفادت وزارة الصحة بأن 377 جثة من أصل 480 دُفنت دون تحديد هويتها.
ويضاف إلى ذلك، وفق المصادر ذاتها، عمليات دفن طارئة جرت خلال الحرب دون توثيق كافٍ أو إشراف مباشر من ذوي الضحايا، ما أسهم في تعميق حالة الغموض التي تحيط بملف المفقودين في القطاع.
المصدر:
الجزيرة