في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- "ولدتُ في خيمة، وأعيش اليوم في خيمة"، هكذا اختصر اللاجئ الفلسطيني السبعيني عزات سلطان عدوان مأساة ممتدة عبر الأجيال، ليجسّد مشوار حياة بدأ في خيمة لجوء إبان النكبة عام 1948، واليوم وللعام الثالث على التوالي يعيش في خيمة نزوح نتيجة حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت عامين.
عقب النكبة ولد سلطان في خيمة بمخيم للاجئين في دير البلح وسط قطاع غزة، أقامته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) لإيواء هُجّروا من مدنهم وبلداتهم وقراهم قسرا على وقع جرائم مروعة ارتكبتها العصابات الصهيونية.
كانت سنوات طفولته الأولى شاهدة على الفقر والجوع، وعلى أصوات كبار عائلته الذين كانوا يرددون أن العودة إلى "قرية بربرة" -التي تتبع لقضاء غزة ولا تبعد عن المدينة سوى بضعة كيلومترات- قريبة.
اليوم وبعد أكثر من سبعة عقود أمسى سلطان عجوزا يعيش مع أبنائه وأحفاده في خيام نزوح، أجبروا عليها هربا من جرائم مماثلة ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة التي شُنت على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولا تزال رحاها دائرة وتحصد المزيد من الأرواح.
"تاريخ جرائم الاحتلال يعيد نفسه"، يقول عدوان للجزيرة نت، وهو الذي وجد نفسه بعد عقود من نصب خيمة النكبة التي ولد فيها، مجبراً على نصب أخرى جديدة، بعدما فقد منزله المكون من 4 طوابق في مدينة رفح، التي نزح منها مع أسرته قسرا عشية اجتياح الاحتلال لها في مايو/أيار 2024.
لدى سلطان أسرة مكونة من 4 أبناء و5 بنات، و17 حفيدا، كانوا يقيمون مع أشقائه وأبنائهم وعائلاتهم في شقق سكنية داخل "مخيم بربرة" الواقع داخل "مخيم رفح"، والذي يستمد اسمه من القرية المدمرة في فلسطين المحتلة عام 1948، فيما استشهد نجله الخامس ياسر في عملية فدائية ضد مستوطنة إسرائيلية في عام 2003.
تتشتت هذه الأسر بين خيام النزوح في مشهد يصفه عدوان بـ"النكبة الثانية"، التي تعيد لذاكرته مأساة التهجير الأولى لآبائه وأجداده.
في خيام متلاصقة وصغيرة وبالية في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس جنوب القطاع يعيش عزات وأبناؤه وجيرانه من الأسر النازحة من مدينة رفح المحتلة بالكامل، وقد دمرتها قوات الاحتلال كليا، وتمنع العودة إليها.
ورغم هذه الحياة البائسة التي يتخللها الخوف والجوع والقتل، يظل حلم العودة حاضرا في وجدانه، ليس فقط إلى مخيم رفح، بل إلى "بربرة" قريته الأصلية في فلسطين المحتلة، وبكلمات واثقة يقول: "رغم القهر، حلم العودة أصبح حلمين: العودة إلى رفح، والعودة إلى الوطن كله".
بعمر الرابعة انتقل عزات مع أسرته من مخيم دير البلح إلى مخيم رفح، وفيه تشكل وعيه، ولا تزال ذاكرته حية لم تنل منها السنين التي ارتسمت تجاعيدها على وجهه، وتختزن الكثير من الذكريات.
تلقى تعليمه في مدارس تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وبعدما أنهى الثانوية العامة حصل على دبلوم من معهد المعلمين في مدينة رام الله بالضفة الغربية، وتزوج وسافر في بعثة مع زوجته للعمل مدرسا في المملكة العربية السعودية.
هناك قضى 27 عاما، ورغم "الحياة الرغيدة" كما يصفها، آثر العودة إلى مخيم رفح ليواصل التدريس في مدارس حكومية لمدة 11 عاما، مؤكدا بلغة ثابتة أن ارتباطه بأرضه وناسه -كان ولا يزال- أقوى من أي إغراء مادي.
على مدار حياته، عايش هذا اللاجئ السبعيني محطات تاريخية كبرى، ويتذكر جيدا العدوان الثلاثي عام 1956، وهزيمة يونيو/حزيران 1967، وحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وغيرها الكثير من الأحداث التي واكبت النكبة وأعقبتها، لكنه يؤكد أن ما شهده خلال حرب الإبادة على غزة كان أشد قسوة ودموية، ووصفها بـ"نكبة متجددة"، إذ لم يشهد في السابق هذا الحجم من الدمار والقتل والتشريد.
وشارك الابن محمد (48 عاما) والده عزات الحديث عن النكبة والإبادة، ويقول للجزيرة نت إن والده زرع فيهم الأمل والإيمان بحتمية العودة إلى "بربرة" وفلسطين المحتلة منذ أن كان وأشقاؤه وشقيقاته صغارا.
ومحمد من مواليد السعودية، وسبق أسرته بالعودة إلى غزة في عام 1994 للالتحاق بالجامعة، وتزوج وأنجب 5 أبناء في منزل عائلته بالمخيم، الذي حولته آلة الحرب الإسرائيلية إلى ركام.
وعن المخيم يقول إن الاحتلال دمر خلال حرب الإبادة مخيمات اللاجئين كأحد رموز قضيتهم والشاهد على النكبة، لكنه لن ينجح في اغتيال الحلم المتوارث جيلا بعد جيل بالعودة إلى فلسطين التاريخية.
ويكرر محمد حديث والده أن حرب الإبادة جعلت من حلم العودة حلمين، ويشدد على أن العودة آتية لا محالة إلى رفح، وإلى "بربرة" مهما طال الزمن، ويشدد على أن الاحتلال كما فشل في رهانه على نسيان الأجيال حلم العودة بموت جيل النكبة، سيفشل في تحقيق أهدافه بالقتل والتدمير، "وستبقى قضية فلسطين حاضرة في نفوس شعبها وأمتها".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة