في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أعادت صورة التُقطت بهاتف الرقيب في الجيش الإسرائيلي دوليف مور يوسيف، ونشرها عبر حسابه على منصة إنستغرام، قبل أن تنتشر لاحقا على مواقع التواصل الاجتماعي، تسليط الضوء على قضية امرأتين فلسطينيتين ظهرت كلتاهما معصوبة العينين ومقيدة اليدين داخل مركبة عسكرية.
ويظهر في الصورة الجندي يوسيف مبتسما، في حين تجلس خلفه امرأتان وهما معصوبتا الأعين ومكبلتا الأيدي داخل المركبة العسكرية، لتشير التحقيقات الصحفية البريطانية لاحقا إلى أن المرأتين هما عائشة أحمد بكر العقاد وابنتها هدى، من مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة.
لم تكن الصورة التي التُقطت بهاتف الجندي الإسرائيلي مجرد توثيق عابر، بل كشفت حقيقة غياب المرأتين عن عائلتهما منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، خلال الاجتياح البري لمدينة خان يونس، حين قررت عائلة الحاج محمد عسولي العقاد البقاء في منزلها بمنطقة الربوات الغربية، ورفضت النزوح القسري، بحسب بيان العائلة الذي صدر مطلع العام الجاري.
وخلال الأيام الأولى من الحصار، استشهد رب الأسرة الحاج محمد العقاد برصاص القوات الإسرائيلية، وهو ما مثّل بداية انقطاع كامل لأخبار العائلة، كما فقدت الأسرة التواصل مع أبنائها، ومن بينهم إياد وزكريا، دون توفر أي معلومات مؤكدة بشأن مصيرهم حتى الآن.
وفي منطقة تحولت معظم أماكنها إلى أنقاض جراء حرب الإبادة الإسرائيلية، ويعيش سكانها تحت حصار خانق، يتصدر ملف المفقودين واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاما، إذ يضاعف غياب المعلومات معاناة العائلات ويُبقيها في دائرة مفتوحة من القلق والانتظار وعدم اليقين.
على المستوى الحقوقي، تشير تقارير بينها ما وثقته "هيئة حقوق الإنسان" إلى أن عدد المفقودين والمخفين قسرا في غزة قد يتجاوز 11 ألفا و200 شخص، بينهم أكثر من 4 آلاف و700 من النساء والأطفال، مع تسجيل مئات البلاغات الرسمية عن حالات فقدان.
وتقول مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفين قسرا ندى نبيل إن آلاف العائلات ما زالت تجهل مصير أبنائها، مشيرة إلى أن نحو 1500 شخص يُعتقد أنهم محتجزون في أماكن اعتقال غير معلنة.
وتضيف أن امتناع السلطات الإسرائيلية عن كشف قوائم المعتقلين أو السماح للصليب الأحمر بالوصول إليهم لا يمكن اعتباره خللا إداريا بل "تكتيكا عسكريا متعمدا لإطالة معاناة العائلات"، عبر ما تصفها بـ"سياسة التعتيم الشامل".
وتؤكد ندى أن المعلومات المتعلقة بالمعتقلين يمكن نشرها بسهولة، موضحة أن حجبها يتحول إلى شكل من أشكال الضغط النفسي والعقاب الجماعي. وفي السياق ذاته، تشير إلى أن هذا الغموض يخلق حالة مستمرة من التعذيب غير المباشر للعائلات التي تبقى عالقة بين الأمل والإنكار.
وتتجاوز تداعيات الإخفاء القسري البعد الإنساني المباشر، لتشمل البنيتين الاجتماعية والقانونية في المجتمع الغزي. فبحسب مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفين قسرا، يعيش بعض النساء حالة قانونية معلقة، إذ لا يعرفن إن كنّ أرامل أم ما زلن مرتبطات بزيجات قائمة، مما ينعكس على قضايا الإرث والزواج والهوية القانونية للأسرة.
كما أن فقدان المعيل مع ظروف النزوح يضاعف الأعباء الاقتصادية على الأسر التي تواجه أصلا انهيارا في مقومات الحياة الأساسية.
وفي البعد النفسي، يتحدث مختصون عن حالة تُعرف بـ"الحزن المعلّق" أو "الفقد الغامض"، إذ تبقى العائلات في دائرة انتظار مفتوحة لا تنتهي بإعلان وفاة ولا تؤكد حياة. وتوضح ندى نبيل أن دفن الموتى يمنح نوعا من الإغلاق النفسي، وأن غياب الجثمان أو المعلومة يترك العائلات في حالة دوران مستمر بين الأمل واليأس.
وتعزو مؤسسات حقوقية تفاقم أزمة المفقودين في غزة إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها:
وبين صورة "السيلفي" التي كشفت بداية خيط التحقيق، وملفات آلاف العائلات التي تنتظر خبرا واحدا، يتسع ملف الإخفاء القسري في غزة ليصبح أكثر من مجرد أرقام، بل هو -بحسب حقوقيين- مساحة مفتوحة من الغياب الإنساني، إذ يتقاطع القانوني بالإنساني، وتبقى الحقيقة معلقة بين الركام والسجون والصمت.
وعن ذلك، يؤكد الخبير في القانون الدولي الدكتور مصطفى نصر الله أن جريمة الإخفاء القسري تُعَد من الجرائم الخطرة التي تناولها نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.
وأوضح نصر الله في حديثه للجزيرة نت أن الإخفاء القسري يُدرج غالبا ضمن جرائم ضد الإنسانية، وقد يتخذ أشكالا متعددة، من بينها إخفاء مقاتلين أو مدنيين بما في ذلك النساء والأطفال، مشيرا إلى أن هذه الحالات قد تتطور -بحسب تعبيره- إلى القتل أو التعذيب أو الاستغلال أو غير ذلك من الانتهاكات الجسيمة.
وأضاف أن هناك إثباتات لوقوع انتهاكات أكثر خطورة في بعض السياقات، من بينها ما وصفها بسرقة أعضاء من المخفين، والاتجار بها عبر ما سماها "بنوك أعضاء"، تشمل القرنيات والكلى والقلب، إضافة إلى ما يتعلق بالاعتداء على الحوامل، وهي اتهامات قال إنها موثقة وفق ما نُسب إلى جهات دولية.
وشدد نصر الله على ضرورة تحرك المجتمع الدولي في مواجهة هذه الجرائم، ومساءلة المسؤولين عنها أمام آليات العدالة الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، في إطار القانون الدولي الإنساني.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة