آخر الأخبار

من ساحة صراع إلى ممر إقليمي: هكذا تحولت سوريا إلى نقطة استقرار في زمن الاضطراب

شارك

تبدو سوريا، أمام مرحلة جديدة تحاول فيها إعادة تعريف دورها في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتوازناتها السياسية، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب الإقليمية تلقي بظلالها على مختلف جوانب المشهد.

في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق في المنطقة عقب اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت سوريا المنهكة من سنوات الصراع كاستثناء لافت يتسم بقدر من الهدوء، في وقت امتدت فيه المواجهات إلى عدة ساحات إقليمية.

ووفقاً لتقرير لوكالة أسوشيتد برس، تبدو دمشق اليوم إحدى المناطق القليلة التي تشهد استقراراً نسبياً وسط التوتر المتصاعد، بينما تسعى القيادة الحالية إلى إعادة ترميم علاقاتها مع الدول العربية والغربية التي قطعت تواصلها مع سوريا خلال فترة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد ، الذي أطيح به في ديسمبر/كانون الأول 2024.

حياد محسوب يعزز موقع دمشق

ومع إغلاق مضيق هرمز ، الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وجدت سوريا فرصة لتعزيز حضورها في المعادلة الإقليمية، عبر تبني سياسة الحياد، وهو ما أكده مسؤولون سوريون باعتباره خياراً استراتيجياً يهدف إلى تجنيب البلاد تداعيات صراع لا يخدم مصالحها.

وفي هذا السياق، نقلت أسوشيتد برس عن عبيدة غضبان، المسؤول في وزارة الخارجية السورية، قوله إن بلاده "قدّمت نفسها كحل للأزمات الاستراتيجية في المنطقة"، في إشارة إلى سعي دمشق للعب دور يتجاوز موقعها التقليدي كساحة للصراعات.

التطورات الميدانية لم تقتصر على الجانب العسكري، إذ امتدت لتطال خطوط إمداد الطاقة العالمية، حيث أدت الهجمات المتبادلة إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، ومع استمرار هذا الإغلاق، بدأت شحنات النفط تتجه إلى مسارات بديلة، كان أبرزها الطريق البري من العراق إلى سوريا، قبل أن تُشحن عبر ميناء بانياس نحو الأسواق الأوروبية.

ووفق ما أوردته أسوشيتد برس، فإن هذا المسار، رغم كلفته العالية مقارنة بالنقل البحري، يمثل حلاً مؤقتاً يتيح استمرار تدفق الطاقة في ظل القيود المفروضة على المضيق، كما أعيد فتح معبر حدودي رئيسي بين شمال العراق وسوريا بعد أكثر من عقد على إغلاقه، في خطوة تعكس تحولاً في دور سوريا كممر إقليمي.

وفي هذا الإطار، أكد الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، خلال اجتماع مع قادة أوروبيين في قبرص، أن بلاده تسعى لأن تكون جسراً نحو الأمن وشرياناً بديلا ًوآمناً يربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا، في محاولة واضحة لتقديم سوريا كعنصر استقرار في معادلة إقليمية مضطربة.

دمشق بين خصوم تقليديين

ورغم هذا الحياد، تجد سوريا نفسها محاطة بأطراف لطالما شكلت خصوماً استراتيجيين لها، فإيران، التي كانت حليفاً رئيسياً للنظام السابق وقدمت له دعماً عسكرياً واسعاً خلال الحرب الأهلية، باتت اليوم على خلاف مع القوى الحاكمة في دمشق، وفي المقابل، لا تزال إسرائيل تنظر بعين الشك إلى السلطات الجديدة، وقد عززت وجودها في جنوب سوريا عبر السيطرة على منطقة عازلة كانت خاضعة لمراقبة الأمم المتحدة.

ونقلت أسوشيتد برس عن عبيدة غضبان تأكيده أن كلا الطرفين، إيران وإسرائيل، له مصلحة في إضعاف سوريا، موضحاً أن "الأطراف المشاركة في الحرب هي أعداء استراتيجيون لسوريا"، في تفسير مباشر لتمسك دمشق بسياسة عدم الانخراط في المواجهة، رغم تصاعد التوترات في دول مجاورة مثل لبنان والعراق.

انسحاب أمريكي قلّص احتمالات التصعيد

في موازاة ذلك، لعب تراجع الوجود العسكري الأمريكي داخل سوريا دوراً مهماً في تمكين دمشق من البقاء خارج دائرة الاستهداف المباشر، فقبل اندلاع الحرب، كانت القوات الأمريكية قد خفّضت وجودها في شرق البلاد، الذي كان يتركز أساساً على مكافحة تنظيم "داعش".

وبحسب ما أوردته أسوشيتد برس نقلاً عن نوح بونسي، المستشار في مجموعة الأزمات الدولية، فإن هذا الانسحاب جاء في توقيت ساعد على تقليل احتمالات استهداف سوريا من قبل إيران، إذ لم يعد هناك وجود عسكري أمريكي كثيف يمكن أن يشكل ذريعة لضربات انتقامية، مشيراً إلى أن دمشق "كانت واضحة منذ البداية في رغبتها بعدم الانخراط في هذه الحرب".

كما قامت القوات الأمريكية بنقل آلاف المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم "داعش" من مراكز احتجاز داخل سوريا إلى العراق، بالتزامن مع تقليص انتشارها العسكري، ما خفف من حساسية المشهد الأمني داخل الأراضي السورية.

مكاسب سياسية وتحديات اقتصادية

ورغم ما قد يبدو مكسباً سياسياً لدمشق نتيجة التزامها الحياد، فإن التداعيات الاقتصادية للحرب تظل قائمة، إذ كانت سوريا تعوّل على تدفق الاستثمارات من دول الخليج لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، إلا أن هذه الدول باتت اليوم منشغلة بتداعيات الحرب على أمنها واقتصاداتها.

وتشير أسوشيتد برس، نقلاً عن نوح بونسي، إلى أن دول الخليج ستجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها، ما يعني تراجع قدرتها على دعم مشاريع إعادة الإعمار، موضحاً أن هذه الدول سيكون لديها "قدرة أقل واهتمام محدود بقضايا أقل أولوية" في ظل تركيزها على تعزيز دفاعاتها وإنعاش اقتصاداتها بعد الحرب.

وفي المقابل، قد تستفيد دمشق على المدى الطويل من مشاريع بنية تحتية محتملة، مثل خطوط السكك الحديدية وأنابيب الغاز التي قد تربط الخليج بتركيا والأسواق الأوروبية ، غير أن هذه المشاريع لا تزال رهينة الاستقرار السياسي وتحتاج إلى سنوات لتنفيذها، إن تحققت.

وفي ظل هذه المعطيات، تواجه الحكومة السورية الجديدة تحديات داخلية متزايدة، في مقدمتها تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد حالة الاستياء الشعبي، ما يضعها أمام اختبار معقد بين استثمار مكاسبها السياسية والحفاظ على الاستقرار الداخلي.

وبهذا، تبدو سوريا، وفق ما خلص إليه تقرير أسوشيتد برس، أمام مرحلة جديدة تحاول فيها إعادة تعريف دورها في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتوازناتها السياسية، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب الإقليمية تلقي بظلالها على مختلف جوانب المشهد.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا