كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، نقلًا عن شهادات ميدانية لضباط وجنود يعملون في جنوب لبنان، أن جزءًا محوريًا من النشاط العسكري الإسرائيلي هناك "لا يتركز على القتال المباشر"، بل على "عمليات هدم واسعة و"ممنهجة" تطال المباني والمنشآت في القرى والبلدات اللبنانية". وبحسب الشهادات ذاتها، فإن هذه العمليات تشمل تدمير كل ما يمكن الوصول إليه داخل مناطق الانتشار الإسرائيلي، "دون استثناء يُذكر".
وأفاد جندي إسرائيلي متمركز في جنوب لبنان للصحيفة نفسها، بأن القوات الإسرائيلية كُلّفت بتأمين الحماية لعمليات هدم تنفذها جرافات وحفارات تابعة "لمقاولين مدنيين إسرائيليين" يعملون في مناطق مفتوحة جنوب لبنان. ووفقًا للشهادات، فإن هؤلاء المقاولين يتقاضون أجورهم وفق نظام يعتمد على عدد المباني التي يتم هدمها، وهو ما يحوّل العملية، وفق ما ورد، إلى "نشاط شبه منظم قائم على الحوافز".
في سياق متصل، قالت "هآرتس" نقلًا عن قادة عسكريين إسرائيليين، إن تهديد الطائرات المسيّرة التي يطلقها حزب الله في جنوب لبنان "شهد تصاعدًا ملحوظًا"، إذ تعاملت القوات الإسرائيلية مع مئات المسيّرات خلال الشهرين الماضيين. واعتبر القادة أن هذا التهديد يشكّل "تحديًا بالغ الأهمية"، نظرًا لصعوبة التعامل معه وحجم المخاطر المحتملة التي يفرضها.
وفق تحليل أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، فقد تم تدمير أكثر من 1400 مبنى في جنوب لبنان منذ 2 مارس/آذار، استنادًا إلى أدلة بصرية موثّقة. وتشير الهيئة إلى أن هذا الرقم يمثل "لقطة جزئية" فقط لحجم الدمار الناتج عن الغارات الجوية وعمليات الهدم، بسبب محدودية الوصول الميداني والصور المتاحة من الأقمار الصناعية، ما يرجّح أن يكون الحجم الفعلي أكبر بكثير. ونقلت عن خبراء في القانون الدولي قولهم إن "التدمير المنهجي لهذه البلدات والقرى قد يرقى إلى جريمة حرب".
وتشير تقارير هيئة الإذاعة البريطانية إلى أن تدمير المباني ليس أسلوبًا جديدًا في العمليات العسكرية الإسرائيلية، إذ استُخدم أيضًا في قطاع غزة خلال الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويرى باحثون في مراكز دراسات دولية أن إسرائيل تسعى لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، بينما يؤكد خبراء قانونيون أن تدمير الممتلكات محظور بموجب القانون الإنساني الدولي إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى، مع التشديد على أن تدمير قرى بأكملها "لا يندرج ضمن هذا الإطار".
في غضون ذلك، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي، نقلًا عن مصدر عسكري، بأن الجيش قرر نشر رادارات من أنواع مختلفة "على نطاق واسع داخل لبنان"، وأن " الخط الأصفر في لبنان أصبح الآن خط الدفاع الإسرائيلي الجديد". كما أشار المصدر إلى أن الجيش اتخذ قرارًا بتقليص مدة هبوط المروحيات مؤقتًا داخل لبنان، وأن ممثلًا للجيش قدم إحاطة بشأن لبنان في جلسة سرية عُقدت في الكنيست.
وكانت تل أبيب قد أعلنت في 18 أبريل/نيسان الجاري عن إنشاء "الخط الأصفر"، ووصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه "منطقة عازلة معزّزة، أقوى بكثير مما كان سابقًا". ويمتد هذا الخط من رأس الناقورة غربًا إلى سلسلة جبال لبنان الشرقية شرقًا، ويهدف، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى فصل 55 قرية حدودية عن باقي الأراضي اللبنانية، حيث يُمنع المدنيون من الاقتراب منه أو اجتيازه، ويُعتبر أي شخص يفعل ذلك "هدفًا مشروعًا" للقوات الإسرائيلية.
وكان الجيش الإسرائيلي قد فجّر، يوم الثلاثاء، ما قال إنه "نفق كبير لحزب الله" في بلدة القنطرة جنوبي لبنان، وذلك بعد تحذير أصدرته قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية لسكان البلدات الحدودية والشمال والجولان بـ"احتمال سماع دوي انفجار ضخم". ومن شدة الانفجار، شُعر بما يشبه هزة أرضية خفيفة في بلدات تقع بالمنطقة الحدودية، فيما تحدثت تقارير لبنانية عن تفجير كبير "وصل صداه إلى العديد من المناطق" وتسبب بارتجاجات أرضية قوية. وأفادت القناة 12 الإسرائيلية، في وقت سابق، بأن عمليات التفجير المقررة "قد تؤدي إلى تفعيل إنذارات للتحذير من الهزات الأرضية في الشمال".
من جانبه، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس ، إن الجنوب اللبناني سيواجه "مصير قطاع غزة"، مضيفًا أن الجيش "دمّر الآن، في تفجير ضخم، بنية تحتية إرهابية تحت الأرض في بلدة القنطرة، داخل المنطقة الأمنية الجديدة". وأضاف كاتس أن "الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني التزما بنزع سلاح حزب الله في جنوب لبنان، وهذه هي النتائج". وكان كاتس قد صرّح في رسالة سابقة للأمم المتحدة قائلًا: "لا معادلة لوقف إطلاق النار مع استمرار القصف.. الحكومة اللبنانية التي تحتمي بحزب الله تضع لبنان في خطر الاحتراق".
بدوره، قال رئيس بلدية كريات شمونة، أفيحاي شتيرن، إنه "خلال الساعات المقبلة سيتم تنفيذ تفجير مُحكَم لبنية تحتية كبيرة للأسلحة جرى العثور عليها داخل الأراضي اللبنانية خلال الحرب".
وفيما يتعلق بالمفاوضات مع لبنان، قالت هيئة البث العام الإسرائيلية ("كان 11")، نقلًا عن مصدر إسرائيلي، مساء الثلاثاء، إن "إسرائيل لا يمكنها الانتظار إلى ما لا نهاية"، مؤكدة أنه "سيتم منح فرصة إضافية لمدة أسبوعين للمفاوضات، وبعد ذلك سيتم التحرك".
وأضاف المصدر أن تل أبيب تخطط، في حال "عدم تحقيق تقدم خلال هذه الفترة"، للعودة إلى "القتال والنشاط المكثف" ضد حزب الله.
وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو "ضبط النفس وعدم تعريض وقف إطلاق النار في لبنان للخطر"، وذلك خلال اتصال هاتفي جرى مساء الإثنين. وأشارت القناة إلى أن نتنياهو عرض فحوى المحادثة على المجلس الوزاري السياسي والأمني المصغر (الكابينيت). وكرّر نتنياهو تصريحاته بأن اتفاق وقف إطلاق النار "يسمح لإسرائيل بالرد على التهديدات"، قائلًا إن "لدينا حرية في العمل على إحباط التهديدات الفورية والناشئة"، وذلك في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني.
المصدر:
يورو نيوز