تتعثر المفاوضات مع إيران في لحظة لا يملك فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ترف تضييع الوقت، لأن الحصار البحري يحتاج إلى أسابيع إضافية كي يتحول إلى ضغط نفطي موجع على طهران، مع أن كل أسبوع إضافي يرفع أيضا كلفة التعطيل على الطاقة والملاحة والأسواق.
وبينما ألغى الرئيس الأمريكي رحلة موفديه إلى إسلام آباد، ثم ترك الباب مواربا بالحديث عن مكالمة هاتفية ممكنة، بدا أنه يتحرك بين ساعتين تضغطان عليه معا: ساعة السياسة التي تريد اختراقا سريعا، وساعة هرمز التي تجعل التأخير أثقل يوما بعد يوم.
وفي هذا السياق، ترسم قراءات أمريكية صورة رئيس لا يواجه تصلبا إيرانيا فقط ، بل ضيق الخيارات أيضا.
في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، بدا إلغاء رحلة الموفدين الأمريكيين إلى إسلام آباد علامة واضحة على أن المفاوضات أبعد كثيرا من صورة "الاختراق القريب" التي حاول ترمب تسويقها.
وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الأمريكي أوقف سفر كبار مساعديه قبل انطلاقهم، مبررا ذلك بأن العرض الإيراني لم يكن بالمستوى المطلوب، في حين عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان، في إشارة معاكسة توحي بأن طهران ما تزال ترى فائدة في إبقاء المسار قائما، ولو من دون انفراج وشيك.
وتضيف الصحيفة أن العقد الأساسية ما تزال في مكانها، من مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى حدود برنامج التخصيب نفسه، إلى إعادة فتح مضيق هرمز، فضلا عن رفض إيران استئناف التفاوض ما دام الحصار البحري الأمريكي على موانئها قائما.
يحاول ترمب فرض إيقاع تفاوضي سريع على خصم يتعامل بمنطق مختلف تماما، إذ تريد واشنطن اختراقا عاجلا، في حين تراهن طهران على الصبر والنفس الطويل
ولا تكتفي نيويورك تايمز بسرد نقاط الخلاف، بل تذهب إلى ما هو أعمق، إلى اختلاف منطق التفاوض نفسه. فتنقل عن روبرت مالي، أحد مهندسي اتفاق عام 2015، أن ترمب يريد نتائج عاجلة وصيغة سريعة قابلة للتسويق، في حين تتعامل القيادة الإيرانية بمنطق النفس الطويل، واستنزاف الوقت، والتشبث بالتفاصيل.
وهذا الفرق ليس مسألة أسلوب فحسب، بل جوهر المأزق كله، لأن الرئيس الأمريكي يحاول فرض إيقاعه على مسار طويل، لم يحسمه الاتفاق النووي السابق إلا بعد أعوام من التفاوض، وصفحات طويلة من الملاحق الفنية، وسلسلة لا تنتهي من المساومات الدقيقة.
وهكذا، يبدو أن ما يريده ترمب عنوانا سريعا، تراه طهران معركة صبر لا مجال فيها للتسرع.
وتدفع صحيفة وول ستريت جورنال هذه الصورة خطوة أبعد، إذ ترى أن انسداد المحادثات يترك ترمب أمام خيارات غير مريحة جميعا.
فبعد إلغاء رحلة إسلام آباد لم يعد أمامه -حسب الصحيفة- سوى ثلاثة مسارات، إما تصعيد الصراع أو القبول بصفقة أدنى من شروطه المعلنة أو الإبقاء على الحصار البحري بوصفه وسيلة ضغط على أمل أن يلين الموقف الإيراني.
لكن أيا من هذه المسارات لا يبدو أنه بلا ثمن، فالتصعيد قد يجر الولايات المتحدة إلى حرب أعمق مما أرادها ترمب أصلا، والصفقة الأضعف ستبدو تراجعا سياسيا، أما استمرار الحصار مع بقاء هرمز معطلا فيعني إطالة الضرر اللاحق بالاقتصاد العالمي.
تعثر المحادثات يترك ترمب أمام ثلاثة مسارات غير مريحة، إما تصعيد أوسع أو صفقة أضعف مما أراده أو حصار يطيل أزمة هرمز ويرفع كلفتها على الاقتصاد العالمي
وتوضح وول ستريت جورنال أن الخلاف لم يعد محصورا في الملف النووي وحده، بل تحول إلى شبكة متداخلة من العقد، إذ تشترط طهران إ نهاء الحصار على موانئها قبل استئناف أي تفاوض، وتتمسك بألا يعود هرمز إلى "وضعه السابق"، في حين تريد واشنطن نقل اليورانيوم العالي التخصيب إلى خارج إيران، وإنهاء قدرة طهران على التخصيب محليا، أو على الأقل تجميدها لعقود.
وحتى في الموضع الذي تبدو فيه مساحة ضيقة للحركة، أي مدة تعليق التخصيب، تبقى الفجوة واسعة بين طلب أمريكي يمتد عشرين عاما واستعداد إيراني -وفق الصحيفة- للقبول بتعليق مقيد أقصر مدة.
ومن هنا، لا تتعثر المفاوضات لأن موعدا أُلغي، بل لأن كل ملف فيها بات موصولا بملف آخر، فالحصار مربوط بهرمز، وهرمز بالنووي، والنووي بضمانات ما بعد الحرب.
أما موقع بوليتيكو فيضيف إلى المشهد عنصرا لا يقل خطورة عن القضايا العالقة نفسها، ألا وهو عنصر الزمن.
فالموقع، في حديثه عن المواعيد الفاصلة التي قد تشكل الأسابيع التالية لترمب والجمهوريين، يشير إلى أن الحصار الأمريكي على هرمز يضع إيران أمام مهلة عملية تتصل بقدرتها على تصدير النفط.
وإذا لم تستطع طهران مواصلة التصدير خلال نحو شهر إضافي، فقد تضطر إلى إغلاق بعض آبارها مؤقتا بعد امتلاء طاقة التخزين، وهو قرار يهدد الضغط داخل الحقول وإنتاجيتها لاحقا.
لكن الموقع ينقل أيضا أن الوصول إلى هذه اللحظة يحتاج إلى إنفاذ "صارم ومستدام" للحصار لشهر آخر على الأقل، مما يعني أن واشنطن، لكي تحول الضغط الاقتصادي إلى أثر فعلي، مطالبة بالحفاظ على حصار مكلف وحساس لفترة أطول.
الحصار الأمريكي على هرمز وضع الإيرانيين أمام مهلة نفطية حساسة، إذ قد تضطر طهران إلى إغلاق بعض آبارها خلال نحو شهر إذا استمر منع التصدير الصارم وامتلأت طاقة التخزين
غير أن بوليتيكو يكشف في الوقت نفسه مفارقة أكثر إحراجا للبيت الأبيض، وهي أن إيران رغم التصعيد، واصلت إلى حد بعيد تصدير نفطها خلال الشهرين الماضيين، ولا سيما إلى الصين، بل إن إدارة ترمب نفسها سمحت بهذا التدفق نسبيا لتخفيف النقص الذي يضرب حلفاءها.
وهنا لا يعود عامل الوقت أداة ضغط أمريكية خالصة، بل يتحول إلى ساعة تعمل في الاتجاهين، كلما شددت واشنطن الحصار اقتربت من خنق إيران نفطيا، لكنها تقترب في الوقت نفسه من تعميق الاختلالات في السوق ورفع كلفة الحرب على الحلفاء والاقتصاد الدولي.
وبذلك، لا يبقى السؤال كم تستطيع إيران الصبر، بل أيضا كم تستطيع واشنطن أن تتحمل تبعات الضغط الذي تمارسه هي نفسها؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة