آخر الأخبار

جبال النوبة.. تحالفات متغيرة وحياة تحت القصف

شارك
توزيع حصص غذائية في مخيم أم دولو للاستقبال في جبال النوبة بجنوب كردفان، السودانصورة من: Marco Simoncelli

جلس حسن كوكو على سريرٍ خشبيٍّ بسيط أمام تلال جبال النوبة في جنوب كردفان، السودان. وعلى الرغم من هدوء المكان، لا يخفي مظهره حالة التوتر التي يعيشها.

في 29 نوفمبر/شباط، كان عاملُ  الصحة المجتمعية  ، البالغ من العمر خمسين عامًا، قد أنهى لتوّه دورةً تدريبية وجلس يحتسي كوبًا من الشاي المُحلّى. غير أن لحظة الهدوء تلك لم تدم طويلًا؛ إذ ظهرت فجأةً طائرةٌ مُسيّرة في الأجواء، وما إن نفّذت غارتها حتى أسفرت عن مقتل عدد من زملاء كوكو.

يروي كوكو ما حدث قائلًا إن الطائرة المُسيّرة  ضربت مرةً واحدة، ثم عادت من جديد، مستهدفةً الأشخاص الذين كانوا قد أُصيبوا بالفعل.

حسن كوكو يقف على عكازين ويطل على المناظر الطبيعية من قريته بالقرب من جيدل في جنوب كردفانصورة من: Marco Simoncelli

ورغم نجاته من الهجوم، فإن آثاره تركت ندوبًا عميقة، لا سيما على جسده. وبعد مرور ثلاثة أشهر، يشير كوكو إلى ركبته اليسرى، حيث لا يزال جسمٌ معدني حاد مغروسًا فيها، وظاهرًا بوضوح، شاهدًا دائمًا على ذلك اليوم.

ويضيف جلال: كانت عائلتي سعيدة بنجاتي، إذ كانوا يعتقدون أنني سأموت  . ومع ذلك، لم تعد حياتي كما كانت من قبل. أحيانًا أذهب سيرًا على الأقدام إلى السوق القريب، لكنني في أغلب الأحيان أبقى في البيت ولا أخرج.

تحالف متغيّر باستمرار

على مدى عقود، تعرضت جبال النوبة، التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، لهجمات عنيفة ومتكررة من القوات المسلحة السودانية  . ويعود الصراع الحالي إلى عام 2011، عندما تصاعد القتال عقب استبعاد المنطقة من الاتفاق السياسي الذي مهّد لاستقلال جنوب السودان، ما فاقم المظالم التاريخية لدى سكان النوبة.

حسن كوكو يُظهر الندوب على ساقيهصورة من: Marco Simoncelli

يضم إقليم جبال النوبة أكثر من 50 جماعة عرقية  . وفي عام 2011، تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال للدفاع عن مطالب سكان المنطقة بالحكم الذاتي.

غير أن فبراير/شباط 2025 مثّل نقطة تحوّل بارزة. فمع تصاعد الحرب في السودان، التي اندلعت عام 2023 وأدّت إلى ما يُوصَف بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، مع تقديرات تشير إلى أكثر من 150 ألف قتيل، قررت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال توحيد قواها مع قوات الدعم السريع  شبه العسكرية.

وأثار هذا التحالف ردود فعل واسعة، واعتبره كثيرون خطوة خطيرة ومثيرة للجدل، لا سيما أن قوات الدعم السريع، المنحدرة من مليشيات الجنجويد، كانت قد شاركت في الماضي، إلى جانب الجيش السوداني، في هجمات استهدفت مناطق النوبة. واليوم، يجد الطرفان نفسيهما مضطرين للعمل معًا بشكل وثيق.

يسير مقاتلان من قوات الدعم السريع على جانب الطريق في ضواحي كاودا في جبال النوبةصورة من: Marco Simoncelli

ويقول جلال غيتاشيو بيرو، كبير محللي شؤون شرق أفريقيا في مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، إن هذا التحالف ينبغي فهمه بوصفه خطوة عملية تعكس تقاطع مصالح الطرفين ورغبتهما في الدفع نحو إقامة نظام فيدرالي في السودان مستقبلًا. ويضيف أن هذه المصلحة المشتركة تتمثل في هذه المرحلة، أساسًا، في مواجهة القوات المسلحة السودانية.

اكتظاظ اللاجئين الحربيين

في المدن الكبرى بجبال النوبة، أصبح وجود جنود قوات الدعم السريع أمرًا مألوفًا. يتنقلون من دون زيّ رسمي، ويجلسون بهدوء في المقاهي، ويتجولون في الأسواق المزدحمة، حيث تُعرض سلع يُعتقد أنها نُهبت مؤخرًا من مناطق مختلفة في السودان، مثل السيارات، والأسرّة، والوقود، والأسمدة، والأجهزة الإلكترونية.لكن جنود قوات الدعم السريع ليسوا وحدهم ممن وصلوا مؤخرًا إلى جبال النوبة.

ففي قرية كاودا، مقرّ الحركة الشعبية لتحرير السودان  – شمال، يجلس جلال عبد الكريم داخل مكتب حكومي بسيط، وتبدو عليه علامات التعب والقلق. ويشغل عبد الكريم منصبًا في الجناح الإنساني للحركة، المسؤول عن تنظيم شؤون النازحين فيما يُعرف بـ"المناطق المحرّرة".

جلال عبد الكريم، الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمالصورة من: Marco Simoncelli

ولا يخفي عبد الكريم حجم الضغوط الكبيرة التي تواجهها الحركة. يرفع ورقةً لاصقة كتب عليها الرقم 2,885,393، موضحًا أنه يمثّل عدد النازحين الذين وصلوا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة منذ بداية الحرب في السودان.

ويشرح أن تمويل برامج دعم النازحين يعتمد بشكل أساسي على المنظمات غير الحكومية الدولية ووكالات الأمم المتحدة، إلا أن هذه الجهات تعاني بدورها من  نقص حاد في التمويل. وبعد إغلاق إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لوكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) العام الماضي، لم يعد التمويل كافيًا لتأمين الغذاء والمياه والمأوى وخدمات الصرف الصحي للوافدين الجدد.

فاطمة عيسى كوكو، في الصورة في معسكر الاستقبال أم دولو، فرت من كادوقلي، عاصمة جنوب كردفانصورة من: Marco Simoncelli

ويقول أحد مسؤولي الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال: "أنه إذا كانت إحدى المنظمات غير الحكومية تقدم سابقًا مليون أو مليوني دولار، فإن دعمها اليوم لا يتجاوز 500 ألف أو حتى 200 ألف دولار، وهذا أحد أكبر التحديات التي نواجهها".

وبحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، تستضيف منطقة كردفان أكثر من مليون نازح داخلي. غير أن غياب وجود فعلي للأمم المتحدة  في المنطقة، إلى جانب تعليق معظم المنظمات الدولية لأنشطتها أو تقليصها بشكل كبير، يجعل هذه الأرقام غير مؤكدة بشكل كامل.

مخيمات مؤقته في جبال النوبة

وسط تضاريس جبال النوبة الوعرة، يمتد مخيم أم دولو للاستقبال فوق أرض جافة، حيث تحوّل إلى إحدى محطات النزوح المؤقتة التي باتت، مع مرور الوقت، واقعًا دائمًا لعشرات آلاف النازحين. وتعكس الملاجئ المشيّدة من العصي والبلاستيك، وغالبًا تحت ظلال أشجار السنط، من جهةٍ ندرة الموارد، ومن جهة أخرى طبيعة النزوح القسري  الممتد.

يسير مقاتلان من قوات الدعم السريع على جانب الطريق في ضواحي كاودا في جبال النوبةصورة من: Marco Simoncelli

وعند الطرف البعيد من المخيم، في المنطقة 12 التي تؤوي أكثر من 34 ألف شخص، يُستقبل الوافدون الجدد، وهم في الغالب من بين الأكثر تضررًا من موجات العنف الأخيرة. هناك، لا تسترجع فاطمة عيسى كوكو، البالغة من العمر 76 عامًا، ذكرياتها بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل كامتداد مباشر لتجربة عنف لم تنقطع، بدأت في كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان.

وتقول، وهي تحاكي بأصواتها وحركات يديها دويّ إطلاق النار: "لم أكن أستطيع النوم. كانت أصوات الرصاص لا تتوقف طوال الليل".

ولا تعبّر كلماتها عن خوف فردي فحسب، بل تعكس واقعًا أوسع من انعدام الأمان الذي يدفع السكان إلى الفرار دون تخطيط أو ضمانات للحماية.

ورغم أن مخيم أم دولو وفّر لكوكو مأوىً مؤقتًا، ومكّنها مؤخرًا من استعادة بعض الهدوء في نومها، فإن إحساس الأمان لا يزال هشًا. إذ لم تُمحَ ذاكرة العنف، بل ازدادت ثقلًا مع اختفاء إخوتها الثلاثة في ظروف غامضة، في واقعة تعكس نمطًا متكررًا من الانتهاكات التي تطاول المدنيين.

وتضيف كوكو جاؤوا قبل طلوع الشمس  ، ولم أرَ إخوتي منذ ذلك الحين. لا أعرف من كانوا. وإذا سألت عن هويتهم، أُواجَه بالكثير من الفظاظة.

وهنا، تكشف الشهادة ليس فقط عن ألم الفقد، بل كذلك عن غياب المساءلة وضبابية الجهات الفاعلة، وهو ما يكرّس حالة الخوف حتى داخل أماكن يُفترض أن تكون ملاذًا آمنًا.

نساء يحملن أكياس الحبوب التي حصلن عليها أثناء عودتهن إلى ملاجئهن في جبال النوبةصورة من: Marco Simoncelli

تحفّظ تجاه النازحين الجدد

رغم أن سكان جبال النوبة لا يعبّرون عن ذلك صراحة، فإن حالة التوتر تبدو واضحة. فنادرًا ما تندمج قوات الدعم السريع مع المجتمع المحلي، ويبدو وجودها وكأنه يضيف طبقة جديدة من القلق إلى سنوات طويلة من الخوف وعدم الاستقرار.

كما أن دخول حليف جديد على خط الصراع، متمثلًا في التحالف بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، جعل المستشفيات  والأسواق في هذه المناطق المزدحمة تبدو أهدافًا محتملة للحرب، وهو واقع يعرفه سكان النوبة جيدًا بحكم تجاربهم السابقة.

وبحسب جلال غيتاشيو بيرو، لا تزال تفاصيل الاتفاق العسكري بين الطرفين غير واضحة إلى حد كبير، على الرغم من تقارير موثوقة تفيد بأن قوات الدعم السريع أنشأت معسكرات تدريب داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال.

مستشفى أم الرحمة هو أكبر مرفق طبي في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال في جيديل بجبال النوبةصورة من: Marco Simoncelli

ومع ذلك، لا تبدو بيرو مقتنعة باستدامة هذا التحالف. وتوضح أنه عندما فكّت القوات المسلحة السودانية الحصار عن كادوقلي في وقت سابق من هذا العام ـ وهي مدينة ظلت لفترة طويلة تحت سيطرة الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع ـ بدأ الحليفان بتبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن الخسارة.

وتشير إلى أن هذه التطورات كانت محل متابعة دقيقة لمعرفة ما إذا كانت تمثّل مؤشرًا على تصدّع التحالف أو انهياره بشكل نهائي. إلا أنه، حتى الآن، لا يزال التحالف قائمًا.

"أريد أن أعيش في جبال النوبة إلى الأبد"

في مستشفى أم الرحمة، أكبر منشأة صحية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (SPLM N)، نقل ثلاثة جنود شبّان جرحى من قوات الدعم السريع (RSF) أسرّتهم إلى خارج المبنى، وافترشوا الظلال هربًا من حرّ ساعات ما بعد الظهر.

حسن حامد، مقاتل مصاب من قوات الدعم السريع، يظهر في الصورة في "مستشفى أم الرحمة"صورة من: Marco Simoncelli

وتأتي هذه المشاهد في أعقاب تقارير مروّعة عن عمليات قتل ممنهجة وجرائم حرب وحشية، وُصفت على إثرها قوات الدعم السريع بأنها واحدة من أكثر الميليشيات ضراوة في هذا العصر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يبرّر الجنود القتال من وجهة نظرهم؟

يقول حسن حميد، أحد مقاتلي قوات الدعم السريع:"نحن نقاتل لأن الحكومة في السودان لا تقوم بما يكفي. لا توجد مستشفيات كافية، ولا بنية تحتية، ولا مدارس".

وفي الوقت الراهن، وجد المقاتل ملاذًا غير متوقّع في جبال النوبة، ولا توجد مؤشرات على أنه أو رفاقه يخططون لمغادرة المنطقة في المستقبل القريب.ويضيف حميد: أريد أن أبقى هنا. أريد أن أعيش في جبال النوبة إلى الأبد.

الكاتب: إيميل كيرشنر/ ماركو سيمونسيلي

أعده للعربية: ندى فاروق

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا