وصل الفلسطيني هشام حرب ، المشتبه بتورطه في هجوم استهدف مطعماً يهودياً في باريس عام 1982، أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 22 آخرين، إلى فرنسا وذلك بعد أن قامت السلطة الفلسطينية بتسليمه للسلطات الفرنسية، في خطوة أعادت فتح ملف قضائي عمره أكثر من أربعة عقود.
وأعلن الادعاء العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب أن حرب، المعروف أيضاً باسم محمود العدرا (72 عاماً)، أُوقف فور وصوله إلى فرنسا، حيث وُضع قيد الاحتجاز في قاعدة جوية قرب العاصمة، على أن يُخطر رسمياً بأمر التوقيف الصادر بحقه الجمعة، تمهيداً لبدء إجراءات محاكمته أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس.
وبعد وصوله إلى فرنسا، شكر مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السلطة الفلسطينية على ما وصفه بـ"التعاون والالتزام بمكافحة الإرهاب"، في حين شدد محامو عائلات الضحايا على أن تأخر العدالة لأكثر من 40 عاماً لا ينبغي أن يؤثر على سرعة المحاكمة، داعين إلى بدء الإجراءات القضائية دون تأخير.
وتعود القضية إلى 9 أغسطس/آب 1982، حين وقع تفجير داخل مطعم "جو غولدنبرغ" في حي دو ماريه اليهودي وسط باريس، أعقبه إطلاق نار، في هجوم نفذته مجموعة من ثلاثة إلى خمسة أشخاص، ونُسب لاحقاً إلى "حركة فتح–المجلس الثوري" التي كان يقودها صبري البنا (أبو نضال)، والمنشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية، فيما يُشتبه بأن حرب كان أحد المنسقين الرئيسيين للعملية.
وبحسب السلطات الفرنسية، فإن حرب كان من بين أربعة مشتبه بهم ما زالوا مطلوبين في القضية، وقد صدرت بحقه مذكرة توقيف دولية منذ أكثر من عشر سنوات، فيما أحيل هو وثلاثة آخرون إلى محكمة الجنايات الخاصة في باريس في يوليو/تموز 2025 بتهم تتعلق بالضلوع في الهجوم.
كما لا يزال ثلاثة مشتبه بهم آخرون في القضية خارج فرنسا، بينهم نزار توفيق حمادة وأمجد عطا ونبيل عثمان، إضافة إلى اسم رابع مرتبط بالملف، حيث صدرت بحقهم مذكرات توقيف دولية منذ سنوات طويلة، دون تنفيذها حتى الآن.
وجاء تسليم حرب بعد توقيفه من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية في 19 سبتمبر/أيلول الماضي، حيث جرى احتجازه في أحد سجون مدينة يطا جنوب الضفة الغربية، قبل نقله إلى الأردن تمهيداً لتسليمه إلى فرنسا، وفق ما نقلته مصادر عائلية وميدانية، وسط جدل قانوني وحقوقي واسع حول الإجراءات المتبعة.
وآنذاك، أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ"التعاون الممتاز" مع السلطة الفلسطينية، وأكد أن باريس تعمل مع رام الله من أجل تسليم سريع للمشتبه به.
وكان إيقافه بادرة حسن نية من السلطات الفلسطينية تمهيدًا لإعلان الرئيس الفرنسي ماكرون اعتراف بلاده رسميا بدولة فلسطين، في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي.
وأفادت عائلة حرب بأنه كان قد أُبلغ بالقرار قبل أيام من التنفيذ، فيما نقل ابنه بلال العدرا أنه تلقى اتصالاً من والده صباح يوم التسليم، قال فيه إنه "سيُسلَّم للجهات الفرنسية"، داعياً عائلته إلى أخذ الحيطة، ومعبّراً عن مشاعره في لحظاته الأخيرة قبل نقله.
وفي المقابل، أكدت عائلة حرب أنها تخشى على مصيره الصحي، مشيرة إلى أنه يعاني من أمراض مزمنة بينها السرطان وأمراض عصبية، معتبرة أن عملية التسليم تفتقر إلى ضمانات محاكمة عادلة، في حين وصف محاميه الإجراء بأنه "مخالفة جسيمة للقانون الأساسي الفلسطيني وسابقة خطيرة".
وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أصدرت 13 منظمة حقوقية وأهلية فلسطينية بيانا مشتركا اعتبرت فيه أن أي إجراء يفضي إلى تسليم مواطن فلسطيني إلى جهة أجنبية يُعد انتهاكا صارخا للقانون الأساسي الفلسطيني.
وكانت محكمة إدارية فلسطينية قد رفضت، قبل يوم واحد من التسليم، طلباً مستعجلاً لوقف القرار، دون إبداء أسباب، ما فتح الباب أمام انتقادات من مؤسسات حقوقية فلسطينية اعتبرت أن تسليم أي مواطن إلى جهة أجنبية يشكل انتهاكاً للقانون الأساسي الفلسطيني.
وسبق للرئيس الفلسطيني محمود عباس قد تعهّد في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بتسليم حرب إلى فرنسا، في سياق تعاون قضائي بين الجانبين، خاصة بعد اعتراف باريس بدولة فلسطين، وهو ما اعتبرته السلطات الفرنسية إطاراً مساعداً في دفع ملف التسليم.
وتبقى القضية مفتوحة على مسار قضائي معقد، في ظل استمرار ملاحقة ثلاثة مشتبه بهم آخرين لا يزالون خارج فرنسا، فيما يُنتظر أن تحدد المحكمة الفرنسية خلال الأسابيع المقبلة طبيعة التهم النهائية وإجراءات المحاكمة في واحدة من أقدم ملفات الإرهاب العالقة في أوروبا.
وهشام حرب عقيد فلسطيني متقاعد يبلغ من العمر 72 عاماً، يُشتبه في ارتباطه بعملية وقعت قبل أكثر من أربعة عقود في باريس، ويُنظر إليه على أنه كان ضمن الجيل الأول من عناصر تنظيم "فتح–المجلس الثوري"، الذي تأسس عام 1974 كتيار منشق عن حركة فتح، وعُرف خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بتنفيذ عمليات مسلحة متعددة استهدفت مواقع وأهدافاً إسرائيلية في عدد من الدول.
وبحسب معطيات القضية، بدأ حرب مسيرته العسكرية مدرباً على استخدام الأسلحة النارية داخل معسكرات تدريب التنظيم في سوريا، قبل أن يتدرج لاحقاً إلى مواقع تنظيمية متقدمة، حيث تولى عضوية في اللجنة المركزية، إضافة إلى رئاسة قسم التسليح في أوروبا وآسيا، في فترة ارتبطت بعدة عمليات نسبت إلى التنظيم، من بينها اغتيالات وهجمات خارج الأراضي الفلسطينية.
ومع مرور السنوات، ابتعد حرب تدريجياً عن النشاط المسلح، متنقلاً بين عدد من الدول العربية قبل أن يعود إلى غزة عام 1994 برفقة ياسر عرفات، ضمن ترتيبات أعقبت اتفاق أوسلو، حيث سُوّي وضعه القانوني مع مئات العناصر السابقين في الفصائل الفلسطينية المسلحة.
لاحقاً، استقر في الضفة الغربية مع عائلته، والتحق بجهاز المخابرات العامة الفلسطينية في رام الله، حيث عمل حتى تقاعده برتبة عقيد، قبل أن يُعاد فتح ملفه لاحقاً على خلفية الاشتباه بتورطه في الهجوم الذي استهدف مطعماً يهودياً في باريس عام 1982.
المصدر:
يورو نيوز