احتفى الإعلام الناطق بالألمانية بنتائج انتخابات المجر وتغييب رئيس الوزراء اليميني الشعبوي فيكتور أوربان عن المشهد السياسي واعتبر فوز المعارضة انتصارا لأوروبا والديمقراطية، وحذرت افتتاحيات الصحف الألمانية بالمقابل من المبالغة بهذا التحول لأن رئيس الوزراء المنتخب لا يختلف كثيرا عن أوربان بخصوص قضايا مهمة أبرزها الهجرة.
"الديمقراطيات قادرة على ترميم نفسها" و"الديمقراطية انتصرت في المجر" و"الانتخابات في المجر تحذير لليمينيين في أوروبا من فيلدرز إلى فايدل" و"أوربان يخسر وأوروبا تهنئ".
بهذه الافتتاحيات وغيرها احتفى الإعلام الناطق بالألمانية سواء في ألمانيا أو في سويسرا والنمسا بنتائج الانتخابات المجرية التي وضعت حدا لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان.
ففور إعلان فوز المعارض بيتر ماجار في هذه الانتخابات خرجت المجلة ذات التوجه اليساري الليبرالي "دير شبيغل" بمقال رأي لواحد من أبرز معلقيها بعنوان "الديمقراطيات قادرة على ترميم نفسها".
يقول ماتيو فون رور في هذا المقال "نادرا ما تحظى انتخابات في بلد صغير بهذا القدر من الاهتمام العالمي. فالمجر لا يتجاوز عدد سكانه عدد سكان سويسرا واقتصادها بحجم مدينة ميونخ تقريبا ومع ذلك أصبحت اختبارا لسؤال يتجاوز حدودها بكثير وهو هل يمكن إزاحة نظام سلطوي مثل نظام فيكتور أوربان بطريقة ديمقراطية وإذا كان ذلك ممكنا فكيف؟".
الكاتب لا يطيل كثيرا في شرح دلالات هذه الانتخابات وينتقل بسرعة إلى الدرس المستفاد منها من منظور أوروبي بالقول "الدرس من هذه الانتخابات واضح: لا يمكن هزيمة اليمين الشعبوي من خلال الصراعات الأيديولوجية، بل عبر التركيز على الواقع المعيشي للناس ومن خلال توجيه سؤال بسيط للناخبين: هل حياتكم أفضل بالفعل مع هذه الحكومة"، في إشارة هنا إلى حكومة فيكتور أوربان.
"الآن تبدأ مرحلة جديدة بين الاتحاد الأوروبي والمجر ـوفقا لـ"دير شبيغل"ـ وقد يتم رفع الحظر عن أموال أوروبية طائلة إذا بدأت الإصلاحات. ومع ذلك، يواجه ماجار تحديات هائلة، إذ إنه يقف أمام إرث ثقيل ودولة معبئة بالمحسوبية والمؤسسات ضعيفة (…) رغم ذلك، المجر كتبت تاريخا جديدا وقالت بوضوح إن الديمقراطيات قادرة على ترميم نفسها. صحيح أن الاستبداد لم ينته في هذه الليلة، لكن تمدده ليس قدرا محتوما، وفي عالم بأمسّ الحاجة إلى أخبار سارة، يُعد ما حصل أفضل هذه الأخبار".
الصحيفة الأسبوعية الليبرالية "دي تسايت" ذهبت إلى أبعد من ذلك واعتبرت فوز ماجار "انتصارا للديمقراطية" كنظام حكم. ففي مقال لمراسلها لشؤون الأزمات أولريش لادورنر بعنوان "وانتصرت الديمقراطية"، يقول الكاتب "فوز ماجار الساحق يُعتبر نقطة تحول تاريخية في المجر وأوروبا. فالديمقراطية كيان صلب. صحيح أنه يمكن إضعافها وتقويضها وتوجيه الإهانات لها، لكن القضاء عليها تماما أمر بالغ الصعوبة وهذه هي الرسالة الأبرز التي أفرزتها هذه الانتخابات".
ويضيف لادورنر "نعم الديمقراطية انتصرت، لكن هذا الانتصار لا يعني تغير نظام أوربان بالكامل، فالفائز، الذي كان لسنوات جزء من منظومة الحكم، يدرك جيدا البنية المعقدة التي أقامها أوربان لضمان استمرار نفوذه، وما زالت مؤسسات حيوية، مثل المحكمة الدستورية والإعلام والميزانية، تحت سيطرة موالين لأوربان وقادرة على تعطيل الإصلاحات علما أن أغلبية الثلثين الممنوحة للفائز تسمح له حتى بتغيير الدستور وإحياء دولة القانون".
صحيح أن الصحيفة الأسبوعية النخبوية تشيد بعودة المجر إلى المسار الديمقراطي ولكنها تنذر الاتحاد الأوروبي بالقول "على أوروبا أن تراجع نفسها وتسأل: كيف سمحنا بترسيخ نظام سلطوي داخل حدودنا؟".
وتختم "اليوم دخلت المجر مرحلة جديدة ومنحت أوروبا فرصة ثمينة، لكن التحدي يبقى استثمار هذا التحول وبناء ديمقراطية حقيقية ومستقرة".
الإشادة بنتائج هذه الانتخابات شملت أيضا الصحيفة السويسرية المحافظة "نوي زيوريخر تسايتونغ" (NZZ) التي نشرت مقالا متوازنا لمراسلها لشؤون أوروبا الشرقية ماركوس أكاريت بعنوان "فوز ماجار.. انتصار على الخوف ونقطة تحول حاسمة للمجر وأوروبا".
يقول المراسل "خسارة أوربان تكذّب كل من زعم أن المجر لم تعد دولة ديمقراطية، لكن هذا الانتصار الكاسح لماجار يحمل في طيّاته خطر الوقوع في استنتاجات مضلّلة".
وتستخلص الصحيفة العبر من هذا الفوز بالقول "له (للفوز) دلالات أوسع. فهو إشارة أمل لأوروبا مفادها أن القوى الشعبوية المناهضة للاتحاد الأوروبي قابلة للهزيمة وضربة لكل من فلاديمير بوتين ودونالد ترمب لأنه (الفوز) أبرز أن حدود تأثيرهما في أوروبا محدودة".
وينصح الكاتب بعدم المبالغة في الحكم على نتائج هذا التحول بالقول "لا ينبغي المبالغة في هذا الانتصار. لأن ماجار ليس ليبراليا تقدميا، بل سياسي محافظ ذو نزعة شعبوية، نعم هو يسعى إلى تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، لكنه قد يواصل بعض سياسات أوربان خاصة فيما يتعلق بقضايا الهجرة والملفات الاجتماعية".
وتختم "نوي زيوريخر" بالقول "أوربان هُزِم، لكن أنصاره ما زالوا موجودين ويشكلون جزءا من المشهد السياسي، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة المجر على إعادة بناء ديمقراطية مستقرة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة