أشعل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجدل حول مستقبل حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، بعد أن لوّح مجددا بإمكانية انسحاب بلاده من التحالف الذي شكّل، منذ تأسيسه عام 1949، العمود الفقري لأمن الغرب.
لكنْ خلف التصريحات السياسية الحادة، تبرز معركة قانونية معقدة قد تحدد ما إذا كان هذا التهديد قابلا للتنفيذ أصلا، أم أنه سيصطدم بجدار المؤسسات الأمريكية.
وقد أولت الصحف الأمريكية اهتماما كبيرا بهذا الموضوع بالتركيز على ما قد يترتب من تداعيات قانونية على الولايات المتحدة إذا ما أقدمت على الانسحاب من الحلف.
وبحسب تقرير أعده اثنان من مراسلي وكالة بلومبيرغ الأمريكية، فإن الإطار القانوني الحالي في الولايات المتحدة يجعل من الصعب للغاية على أي رئيس الانسحاب من الناتو بشكل أحادي.
ومن غير المرجّح -برأي وكالة الأنباء الأمريكية- أن يتمكن ترمب من إنهاء عضوية الولايات المتحدة في حلف الناتو من جانب واحد.
ويتمثل جوهر إستراتيجية الناتو للردع في المادة الخامسة من معاهدة الناتو التي تُعد "الركيزة الأساسية" للحلف، حيث تنص على أن الهجوم على أحد أعضائه يُعد هجوما على الجميع.
فإذا أعلن ترمب صراحة (كما فعل تلميحا) أن الولايات المتحدة لن تُهرع لنجدة الحلفاء الذين "لا يدفعون حصصهم"، فإن الردع ينهار فورا.
وبحسب بلومبيرغ، فإن التزام أمريكا هو "العمود الفقري" لهذا الردع، وبدونه تصبح دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) لقمة سائغة لروسيا.
ويرى التقرير أنه ما دام ترمب في البيت الأبيض، فليس من الواضح ما إذا كان هذا المبدأ لا يزال قائما بالفعل.
ويشير التقرير إلى أن السيناتور آنذاك ماركو روبيو (الذي يشغل الآن منصب وزير الخارجية) وزميله الديمقراطي تيم كين قادا مبادرة -في عام 2023، وتحديدا لمواجهة نزعات ترمب الانعزالية- لتمرير تشريع تاريخي يمنع أي رئيس من تعليق أو إنهاء أو الانسحاب من معاهدة شمال الأطلسي دون الحصول على موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، أو تفويض صريح بموجب قانون من الكونغرس.
هذا التشريع، الذي أُدرج ضمن "قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2024″، يمثل الجدار القانوني الأول الذي يحاول تقييد السلطة التنفيذية.
ويعكس هذا القانون تحوّلا مهما في توازن السلطات داخل النظام الأمريكي، إذ سعى الكونغرس إلى استعادة دور أكبر في قرارات السياسة الخارجية ذات الطابع الإستراتيجي، خصوصا بعد سنوات من التوسع في صلاحيات السلطة التنفيذية.
ومع ذلك، تكشف مجلة نيوزويك عن وجود "ثغرة دستورية" قد تثير حربا بين السلطات. ففي حديثه للصحيفة، يشير كورتيس برادلي، أستاذ القانون بجامعة شيكاغو، إلى أن هذا القانون قد يواجه تحديا دستوريا؛ إذ قد يزعم الرئيس أن سلطاته في إدارة الشؤون الخارجية تسمح له بإنهاء المعاهدات حتى في وجود ممانعة تشريعية.
هذه المنطقة الرمادية -بحسب المجلة- قد تؤدي إلى "تصادم دستوري" غير مسبوق، خاصة وأن المحكمة العليا الأمريكية غالبا ما ترفض التدخل في النزاعات السياسية بين الرئيس والكونغرس، معتبرة إياها "مسألة سياسية" يجب حلها عبر صناديق الاقتراع لا في قاعات المحاكم.
وتزيد نيوزويك من حدة التحذير بالإشارة إلى أن الطعن القانوني في قرار الرئيس بالانسحاب يتطلب من جهة ما (غالبا الكونغرس) مقاضاة الرئيس، وهو أمر قد لا يحدث إذا ظل الحزب الجمهوري مسيطرا على أروقة الكابيتول ومواليا لترمب، مما يجعل "القانون" مجرد حبر على ورق أمام الإرادة السياسية.
وصرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، لمجلة نيوزويك بأن ترمب "أعرب بوضوح عن استيائه من الناتو وحلفاء آخرين، وكما أكد الرئيس سابقا، فإن الولايات المتحدة لن تنسى ذلك".
وفي هذا السياق، يبرز سيناريو "الانسحاب غير المعلن"، الذي قد يشكل مخرجا عمليا للرئيس الأمريكي دون الدخول في مواجهة قانونية مباشرة.
ففي تصريح أدلى به لنيوزويك، يرى الخبير السياسي مارك شاناهان أن ترمب "يمكنه إعادة نشر القوات الأمريكية ورفض الوفاء بالالتزامات"، ما قد يعني "الخروج من الحلف فعليا وعمليا، ولكنْ دون الإعلان عن ذلك رسميا".
هذا الطرح يجد صداه في افتتاحية صحيفة الإندبندنت البريطانية، التي تحذر من أن ترمب قد يلجأ إلى ما تسميه "الانسحاب الصامت"، من خلال تقليص الوجود العسكري في أوروبا أو تجاهل الالتزامات الدفاعية، خاصة تلك المرتبطة بالمادة الخامسة من معاهدة الحلف.
وتؤكد الصحيفة أن مثل هذا السلوك قد يكون كافيا "لزعزعة استقرار الغرب"، حتى دون اتخاذ خطوة قانونية رسمية.
ويوضح تقرير بلومبيرغ أن المادة الخامسة من معاهدة الناتو لا تفرض التزاما تلقائيا باستخدام القوة العسكرية، بل تترك لكل دولة حرية تحديد طبيعة استجابتها. كما أن تفعيلها يتطلب إجماع الدول الأعضاء، ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد.
وقد فُعّلت هذه المادة مرة واحدة فقط، عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، حين قدّم الحلف دعما للولايات المتحدة. وهو ما يثير تساؤلات اليوم حول مدى التزام واشنطن بالمبدأ نفسه، في ظل تصريحات ترمب التي تشكك في جدوى الدفاع الجماعي.
ومن الناحية القانونية، لا يقتصر التعقيد على مسألة الانسحاب، بل يشمل أيضا الإجراءات المرتبطة به. فوفقا لمعاهدة الناتو، يجب على أي دولة ترغب في الانسحاب تقديم إشعار رسمي، على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ بعد عام كامل. هذه الفترة قد تتحول إلى ساحة صراع سياسي داخلي، وربما إلى محاولة من الكونغرس لعرقلة القرار.
لكنْ حتى قبل الوصول إلى هذه المرحلة، يمتلك الرئيس الأمريكي أدوات متعددة لتقويض الحلف دون خرق القانون بشكل مباشر. فبحسب بلومبيرغ، يمكنه تقليص عدد قوات بلاده في أوروبا، أو سحب الدعم الاستخباراتي، أو تقليص المساهمات المالية. كما يمكنه، في سيناريو أكثر تطرفا، الامتناع عن تنفيذ التزامات الدفاع المشترك.
ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات ليست بلا قيود. إذ ينص قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 على شروط محددة لأي خفض كبير في القوات الأمريكية في أوروبا، بما في ذلك ضرورة إبلاغ الكونغرس والتأكد من أن القرار يخدم الأمن القومي. كما يحظر استخدام الأموال الفدرالية لتنفيذ انسحاب من الناتو دون موافقة تشريعية.
ورغم هذه القيود، يشير التقرير إلى أن ترمب سبق أن أعاد توجيه أموال فدرالية لأغراض عسكرية دون موافقة الكونغرس، ما يعني أن هامش المناورة لا يزال قائما.
في موازاة ذلك، يسلط مقال الكاتب البريطاني إدوارد لوكاس في التايمز اللندنية الضوء على البعد الإستراتيجي والاقتصادي للوجود الأمريكي في أوروبا.
ويضيف أن الولايات المتحدة تدير شبكة واسعة من القواعد العسكرية في 15 دولة أوروبية، تضم أكثر من 275 موقعا. هذه القواعد لا تخدم فقط الدفاع عن أوروبا، بل تشكل جزءا من البنية العالمية للنفوذ الأمريكي، من مراقبة التحركات الروسية إلى دعم العمليات في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ويؤكد لوكاس أن التخلي عن هذا "الأرخبيل العسكري" لن يكون قرارا بسيطا، بل يحمل كلفة إستراتيجية كبيرة، مشيرا إلى أن "الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة وأوروبا يعمل في الاتجاهين". فكما تعتمد أوروبا على الحماية الأمريكية، تعتمد واشنطن على هذه القواعد لتعزيز حضورها العالمي.
أما على الصعيد السياسي، فإن تهديدات ترمب تأتي في سياق توتر متزايد مع الحلفاء الأوروبيين، خاصة بعد رفض بعضهم دعم العمليات العسكرية الأمريكية في إيران. فقد امتنعت دول مثل إسبانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة عن تقديم تسهيلات عسكرية، استنادا إلى اعتبارات قانونية وسيادية، وهو ما أثار غضب واشنطن.
وتوضح الإندبندنت أن هذا الخلاف يعكس فهما مختلفا لطبيعة الناتو، الذي يُعد تحالفا دفاعيا، وليس أداة لدعم الحروب الهجومية. وتقول الصحيفة إن "الحلفاء ليسوا خدما"، بل شركاء يتمتعون بحق اتخاذ قراراتهم السيادية.
في هذا السياق، يصبح التهديد بالانسحاب من الناتو ليس مجرد خلاف سياسي، بل اختبارا عميقا لمفهوم التحالفات الدولية. فإذا ما أقدمت الولايات المتحدة على تقليص التزاماتها، فإن ذلك قد يدفع دولا أوروبية إلى تسريع جهودها لبناء منظومة دفاعية مستقلة.
لكنّ هذا التحول يواجه تحديات كبيرة. فبحسب بلومبيرغ، فإن تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية يتطلب سنوات من الاستثمار، كما أن القارة لا تزال تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في مجالات حيوية مثل الاستخبارات والمراقبة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل الناتو سيعتمد إلى حد كبير على مآلات المعركة القانونية داخل الولايات المتحدة. فهل سيتمكن الكونغرس من فرض قيوده؟ أم أن الرئيس سيجد طُرقا للالتفاف عليها؟ وهل ستتدخل المحاكم، أم تترك الأمر للصراع السياسي؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة