آخر الأخبار

رسالة غير مشفرة.. العودة للجامعة بغزة تنطلق بتدريس الطب والذكاء الاصطناعي

شارك

غزة- عند بوابة "المدينة الجامعية" المنشأة حديثا في "مواصي خان يونس" جنوبي قطاع غزة، وقبل أن نبحث عن لوحة التعريف أو أسماء القاعات، لفتتنا طالبة بدت كأنها تدخل الجامعة لأول مرة في حياتها.

كانت تضحك بفرحٍ صريح، تشد حقيبتها إلى كتفها، ثم تنطلق بين الممرات مرة نحو القاعات، ومرة نحو الساحة، وكأنها تريد أن تتأكد أن المكان حقيقي وليس امتدادًا آخر للشاشة التي لازمت طلبة جامعات غزة زهاء عامين ونصف. قالت بحماسة: "وأخيرًا جامعة"، هنا فقط بدا أنها تستعيد معنى افتقدته طويلًا: أن تكون طالبة جامعية، لا اسمًا في حضورٍ رقمي.

وهذا الأسبوع انطلق التشغيل التجريبي للمدينة الجامعية في يومه الأول مخصصًا لطلبة الجامعة الإسلامية في غزة، على أن تُفتح القاعات لاحقًا لطلبة الجامعات الأخرى وفق آلية تنسيق وجدولة تتم عبر جامعاتهم.

وشُيّدت المدينة في قلب مخيمات النازحين بمواصي خان يونس على مساحة نحو 3 دونمات (الدونم يساوي ألف متر مربع)، بمبادرة من منظمة "علماء بلا حدود" وهي منظمة دولية أمريكية، لديها مكتب تمثيلي في قطاع غزة. أما منشآتها فمكونة من الصفيح (ألواح الزينكو) إذ تم تجميع وتركيب وتجهيز 7 قاعات دراسية.

مصدر الصورة يعود طلبة غزة جزئيا للدوام الوجاهي بعد أكثر من عامين على نظام التعليم عن بعد (الجزيرة)

أصوات من القاعة

الجزيرة نت واكبت عودة الطلبة إلى مقاعدهم ضمن التشغيل التجريبي لدراسة طلبة الجامعة الإسلامية، ونقلت مشاعرهم وتفاعل الأكاديميين مع التجربة.

تقول آلاء أبو نقيرة، طالبة هندسة الذكاء الاصطناعي، إن دخولها القاعة في المدينة الجامعية كان أول تجربة جامعية حقيقية تعيشها؛ إذ لم تتح لها الظروف سابقًا أن تنتظم في دوام جامعي حضوريا.

وتلفت إلى تفاصيل شعرت أنها فارقة "كراسٍ مزودة بقاعدة للكتابة، واستخدام الميكروفون بدل أن يرفع المحاضر صوته، مقارنة بالأماكن المؤقتة التي استُخدمت سابقًا كقاعات للطوارئ".

إعلان

أما سنا شعت (20 عامًا) فتصف التجربة من زاوية الشوق لعودة الدوام المنتظم؛ تقول إنها كانت تراقب الوقت وتنتظر الثامنة صباحا بلهفة، وإن الموقع قريب وسهل من حيث المواصلات، كما أن المعلومة داخل القاعة تصل أسرع عبر الأمثلة والنقاش.

وتضيف أن المكان أتاح لها أجواء كانت محرومة منها كلقاء الزميلات والحديث معهن داخل مساحة جامعية منظمة.

مصدر الصورة بمنشآت من الصفيح عاد طلبة عدد من التخصصات العلمية إلى جامعاتهم (الجزيرة)

بيئة جامعية حقيقية

بدوره يقول معاذ، الطالب في كلية الطب، إن أول ما شعر به داخل القاعة هو عودة المعنى الذي افتقده طويلا؛ إذ تعرّف على زملائه وجها لوجه، واستطاع للمرة الأولى أن يطرح سؤالا مباشرا على "الدكتور" بدل الاكتفاء بالتواصل عبر مجموعات تطبيقات التواصل.

ويضيف أن أول محاضرة حضرها كانت في مساق علم النفس بكلية الطب، انعكست عليه بصورة جيدة نفسيا، لأنها أعادت إليه الإحساس بالحضور والاندماج داخل بيئة جامعية حقيقية بعد فترة انقطاع طويلة.

لكنه يلفت في المقابل إلى نقص لا يزال قائما، يتمثل في الحاجة إلى مختبرات، خاصة للمساقات العملية التي لا تكفي فيها الدراسة في القاعة وحدها، مثل المواد التي تتطلب تطبيقا وتجريبا.

مصدر الصورة أبو دقّة (الثاني من اليمين): نحن أمام بيئة تعليمية متكاملة من كهرباء وإنترنت ومقاعد وشاشات وألواح كتابة (الجزيرة)

"بيئة تعليمية متكاملة"

يقول رئيس الهيئة التمثيلية لمنظمة "علماء بلا حدود" الدكتور حمزة أبو دقّة، إن الانتقال من دعم التعليم بوصفه "مساعدة طارئة" إلى إنشاء قاعات جامعية مجانية جاء استجابة لحاجة متراكمة لدى الطلبة والجامعات، لا سيما في ظل صعوبة انتقال طلبة الجنوب إلى مدينة غزة وما يرافق ذلك من كلفة ومشقة ووقت.

وبحسب القائمين على المشروع، تضم المدينة 7 قاعات دراسية مهيأة للتخصصات العلمية، تشمل الطب والتمريض والهندسة وتكنولوجيا المعلومات، على أن تكون متاحة لطلبة جميع الجامعات وفق آلية تنسيق وجدولة عبر الجامعات نفسها.

ويضيف أبو دقّة أن المكان صُمم ببيئة تعليمية متكاملة: كهرباء، إنترنت، مقاعد، شاشات وألواح كتابة، إلى جانب مرافق مساندة، مع تشغيل تجريبي لرصد الملاحظات قبل الافتتاح الرسمي.

وفي تقييمه لليوم التجريبي، يقول أبو دقّة إن معيار النجاح الأول تمثل في نسبة الحضور والانضباط داخل القاعات، معتبرا أن العودة إلى "مقعد القاعة" ليست تفصيلا شكليا، بل عاملا ينعكس على الالتزام والتفاعل وجودة الفهم.

مصدر الصورة المحاضر جودت أبو طه يلتقي مع طلبته في المدينة الجامعية لأول مرة منذ بدء حرب الإبادة (الجزيرة)

فجوة بعد انقطاع

من جهته، يقول رئيس قسم الهندسة الكهربائية والحاسوب والنظم الذاتية والذكاء الاصطناعي في الجامعة الإسلامية، الدكتور جودت أبو طه، إن التجربة الأولى نقلت الطالب من واقع الخيام والبدائل الطارئة إلى بيئة أقرب للجامعة.

ويرى أن التعليم الحضوري أعاد أسلوب الجامعة الحقيقي من حيث التفاعل والفهم، بعد مرحلة شاقة من التعليم الإلكتروني وما رافقها من عجز وعدم استقرار "فسعادة الطلبة ظهرت داخل القاعة، حتى إن محاضرة امتدت ساعة ونصف مرّت دون شعور بثقل الوقت بفعل الأسئلة والنقاش".

إعلان

وفي المقابل، يلفت المحاضر الفلسطيني إلى تدني مستوى كثير من الطلبة نتيجة الانقطاع الطويل، خاصة في المصطلحات الأكاديمية واللغة الإنجليزية، مما يدفع المحاضرين إلى تبسيط المفاهيم وترجمة المصطلحات وشرحها بأمثلة متعددة حتى تصل الفكرة للطالب.

حل اضطراري

من جانبه، يوضّح عميد كلية "التحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات" في الجامعة الإسلامية، الدكتور وسام عاشور، للجزيرة نت، أن التعليم الإلكتروني كان حلا اضطراريا خلال الحرب، لكنه لم يُنفّذ على أصوله بسبب ضعف البنية التحتية من إنترنت وأجهزة ومنصات وأدوات شرح، مما جعله شاقًا وأخرج شريحة من الطلبة من دائرة المتابعة.

ويضيف أن التعليم الإلكتروني حتى حين يتحسن يبقى مساندا للحضوري لا بديلا كاملا عنه.

أما المحاضر في كلية الطب بالجامعة الإسلامية، محمد عايش، فيقول إن تجربة المدينة الجامعية جاءت تعويضا عمليا عن سنوات من الانقطاع التعليمي، إذ يرى أن يوما واحدا من التعليم الوجاهي يعادل أكثر من أسبوعين من التعليم الإلكتروني من حيث الفهم والتفاعل.

تضرر 95% من المؤسسات الجامعية

ووفق تقييم مشترك لوزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية و اليونسكو، صدر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فقد تضررت 95% من مؤسسات التعليم العالي في غزة ضمن 38 حرما جامعيا شملها التقييم؛ بينها 22 دُمّرت بالكامل و14 تعرضت لمستويات مختلفة من الضرر.

كما خلص التقييم إلى أن 195 مبنى من أصل 206 أصبحت غير قابلة للتشغيل بسبب التدمير أو الضرر الشديد، إضافة إلى تدمير أو تضرر نحو 120 ألف جهاز حاسوب محمول و105 خوادم إنترنت و620 مختبرا ومرفقا تخصصيا.

بين شعور الفرح لأول دوام جامعي وارتباك من يعود بعد انقطاع طويل، تبدو القاعات المستحدثة أكثر من مكان للتدريس ومحاولة لإعادة بناء روتينٍ جامعي لجيلٍ انقطع عن مساره، في حين يأمل الجميع باستمراريته وتطويره وألا يبقى حلا محدودا أمام الحاجة التعليمية الكبيرة في القطاع المنكوب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا