أصبحت أوروبا تواجه تحديا غير مسبوق يتعلق بالإنفاق البعيد المدى، وذلك على خلفية تداعيات الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران، إذ بات على القارة العجوز أن تفاضل بين الإنفاق العسكري وضمان حالة الرفاهية التي وفرتها لمواطنيها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولخصت صحيفة نيويورك تايمز ذلك المأزق مجازا في معادلة "المدافع مقابل الزبدة" لاختزال الوضع الحرج لأوروبا التي أصبح استقرارها المالي والسياسي مهدَّدا بسبب توجهات الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترمب وبسبب التداعيات الاقتصادية والعسكرية للحرب على إيران.
وأوضحت الصحيفة أن أوروبا ظلت عقودا تستثمر في تحسين أحوال مواطنيها بتوفير شبكات الأمان الاجتماعي والرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، وكانت تعوّل على أمريكا في الشق الأمني والعسكري، لكنَّ عودة ترمب إلى السلطة واندلاع الحرب على إيران دفع الأوروبيين إلى التحول نحو مزيد من الإنفاق العسكري، وهو ما أدى إلى إجهاد الموازنات الوطنية وتهديد الاستقرار السياسي.
وحسب الصحيفة، فإن الأوروبيين استشعروا الخطر تحت وقع الحرب على إيران، إذ وجدوا أنفسهم في موقع المتفرج وهم غير قادرين على تغيير مسار الصراع وعاجزون على التأثير في السياسة الأمريكية أو الضغط على الرئيس ترامب لوقف إطلاق النار.
وعزت الصحيفة ذلك "العحز في الاستقلال الإستراتيجي" إلى عقود من نقص الاستثمار الأوروبي في المجال الدفاعي، رغم دعوات عدد من الرؤساء الأمريكيين السابقين أوروبا إلى تلبية أهداف الإنفاق ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكنَّ عودة ترمب للسلطة دفعتها إلى التعجيل بالأمر.
لكنَّ ذلك التحول نحو الإنفاق العسكري ليس بالأمر السهل -تضيف نيويورك تايمز- لأن برامج الرفاهية في أوروبا صُمّمت لعصر يتميز بنمو سكاني سريع ونمو اقتصادي مرتفع، أما اليوم فأوروبا تشيخ بسرعة، ونتيجة لذلك يرتفع الإنفاق الاجتماعي لتلبية احتياجات السكان المُسنين.
وترى الصحيفة أنه لتحقيق ذلك الهدف يجب على الدول الأوروبية اعتماد زيادة الضرائب وهو ما من شأنه أن يثقل كاهل المواطنين، وتقليص المزايا والخدمات التي اعتادها الناخبون حقا مكتسبا، وفتح الباب أمام المزيد من المهاجرين لتعزيز القوة العاملة الممولة للضرائب، إضافة إلى الاقتراض.
وحسب الصحيفة، فإن ألمانيا هي البلد الأوروبي الوحيد القادر على ذلك التحول بفضل امتلاكها مساحة مالية للاقتراض بهدف تحديث جيشها، في حين يقدّر الباحثون أن فرنسا بحاجة إلى إنفاق 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الجيش لتحقيق تحسُّن ملموس.
وعلى المستوى السياسي، تشير الصحيفة إلى أن معضلة "الأسلحة مقابل الرفاهية" تصب في مصلحة أحزاب المعارضة، إذ نجحت الجماعات اليمينية المتطرفة والشعبوية، مثل " التجمع الوطني" في فرنسا وحزب "البديل من أجل ألمانيا"، في استقطاب ناخبي الطبقة العاملة عبر الوعود بحماية الإنفاق الاجتماعي ومعارضة خفض المعاشات.
ويواجه القادة الأوربيون الحاليون، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، رد فعل محليا عنيفا في محاولة الموازنة بين الإتفاق العسكري والاستقرار الاجتماعي.
وتفاقمت المعضلة الأوروبية تحت التأثير الاقتصادي الفوري للحرب على إيران، التي تسببت في تعطيل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز وفي ارتفاع حاد لأسعار النفط العالمية.
في غضون ذلك، يطالب الناخبون الأوروبيون بمزيد من الرفاهية الاجتماعية، وإذا قامت الحكومات بخفض الضرائب أو زيادة الدعم لتخفيف صدمة النفط فإنها ستستنزف الأموال اللازمة لإعادة التسلح العسكري، وفق تقدير الصحيفة.
ونقلت نيويورك تايمز عن وزير الدفاع السويدي بال جونسون قوله إن أوروبا توجَد حاليا "بين المطرقة والسندان" لأن التحول نحو الاعتماد على نفسها عسكريا هي رحلة كان يجب أن تبدأ قبل سنوات، والآن يجب تنفيذها في بيئة تتسم بالتضخم المرتفع والتراجع الديموغرافي والتشرذم السياسي.
المصدر:
الجزيرة