في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خضم تصعيد عسكري يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط، بدت واشنطن في مرحلة "اللاعودة" من مسار المواجهة مع طهران؛ فبينما تتواصل الضربات وتنكسر خطوط التفاوض، يبدو النظام الإيراني عالقا بين مطرقة الضغط الأميركي وسندان نتائج سياساته الإقليمية المدمرة.
تبرز تصريحات الخبير في السياسة الخارجية الأميركية هارلي ليبمان والباحث السياسي جاستن روبرت يونغ خلال حديثهما إلى سكاي نيوز عربية لترسم صورة ضبابية للمشهد، لكنهما لم يغلقا باب الحل تماما، إذ يبقى مفتوحا على مصراعيه، شرط أن تتحلى طهران بما عجزت عنه حتى الآن: العقلانية.
مضيق هرمز.. شريان الاقتصاد العالمي في مرمى التصعيد
ركز هارلي ليبمان خلال حديثه على مركزية مضيق هرمز في معادلة التوتر، معتبرا أن الموقف الأميركي ينطلق من ضرورة إبقاء هذا الممر البحري مفتوحاً باعتباره مجالا بحرياً عالميا لا يخضع لسيطرة دولة بعينها.
ويؤكد أن الاقتصاد العالمي يعتمد بشكل مباشر على استمرارية تدفق النفط عبر المضيق، مشيرا إلى أن أي تهديد بإغلاقه ينعكس فورا على أسعار الطاقة وعلى اقتصادات معظم دول العالم.
ويذهب ليبمان إلى أن إيران، عبر تلويحها بإغلاق المضيق، تقوم بمخاطرة كبيرة، قد تفضي في حال تنفيذ الولايات المتحدة تهديداتها إلى نهاية النظام الإيراني بصيغته الحالية. ويشدد على أن الرسالة الأميركية واضحة: الامتناع عن الإضرار بالممرات الحيوية كفيل بوقف التصعيد.
من جهته، يعزز الباحث السياسي، جاستن روبرت يونغ هذا الطرح عبر الإشارة إلى الأهمية العالمية للمضيق، لافتا إلى أن جزءا كبيرا من احتياجات الصين النفطية -والتي تعتمد بشكل واسع على واردات الطاقة- يمر عبره، بما في ذلك النفط القادم من إيران و العراق و الكويت، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تداعيات دولية واسعة.
بين الردع والتصعيد.. حدود القوة الأميركية
وقدم ليبمان في الأثناء تصورا يعتبر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يغير من نهجه، بل ظل ثابتا في مواقفه، معتبرا أن التهديدات الأميركية يجب أن تقرأ بجدية كاملة.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى الحرب، لكنها تجد نفسها مدفوعة إليها نتيجة السلوك الإيراني، خصوصا فيما يتعلق ب البرنامج النووي.
ويستند في ذلك إلى ما وصفه بتصريحات إيرانية خلال المفاوضات حول امتلاك مواد كافية لإنتاج 11 قنبلة نووية، وهو ما -بحسب تقديرات استخبارية- قد يتحقق خلال أسابيع.
كما يلفت إلى أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% يتجاوز الاستخدامات المدنية، وفق ما أشارت إليه وكالة الطاقة الذرية، ما يعزز المخاوف الأميركية.
في المقابل، يرى يونغ أن سجل ترامب في تنفيذ تهديداته يعزز احتمالات التصعيد، مشيرا إلى أن الخيارات العسكرية واضحة، وأن التصعيد قد لا يقتصر على البنية التحتية، بل يمتد إلى اضطرابات داخلية محتملة في إيران.
ويضيف أن الضربات السابقة، بما فيها استهداف قيادات إيرانية، تعكس نهجا حاسما كان من شأنه -في تقديره- تسريع النتائج مقارنة بسيناريوهات طويلة الأمد.
حرب يصعب احتواؤها.. دروس التاريخ وسيناريوهات المستقبل
حذر ليبمان في خضم حديثه من أن الحروب بطبيعتها يصعب التحكم في مساراتها، مشيرا إلى أن التاريخ مليء بأمثلة النزاعات التي خرجت عن السيطرة، مستحضرا الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس. ويؤكد أن البدء بالحرب أسهل بكثير من إنهائها، ما يعكس تعقيد المشهد الحالي.
وشدد على أن الهدف الأميركي يتمثل في فرض 3 شروط على إيران: التخلي عن الطاقة النووية ذات الطابع العسكري، وعدم امتلاك قنبلة نووية، ووقف دعم الوكلاء والبرامج الصاروخية.
ويرى أن واشنطن كانت دائما تفضل التوصل إلى اتفاق، لكنها تواجه، بحسب وصفه، تعنتا إيرانيا يضيق هامش الخيارات.
أما يونغ، فربط التصعيد الحالي بسياق أوسع من التحولات الجيوسياسية، معتبرا أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق تاريخي سيحدد شكلها خلال القرن المقبل، سواء نحو مزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي أو العودة إلى صراعات ممتدة.
ويشير إلى أن الرأي العام الأميركي لا يولي اهتماما كبيرا بهذه التعقيدات، بقدر تركيزه على تأثيرات الأسعار والظروف المعيشية، وهو ما قد ينعكس على الاستحقاقات الانتخابية.
الصراع يتجاوز إيران.. أبعاد صينية وحسابات عالمية
وضع ليبمان الصراع في إطار تنافس أوسع بين الولايات المتحدة و الصين، معتبرا أن بكين استثمرت مئات المليارات في إيران، وزودتها بتقنيات وأنظمة متقدمة، بما في ذلك صواريخ فرط صوتية. ويرى أن الصين تسعى إلى خلق جبهة ثانية ضد واشنطن، خصوصا في حال اندلاع نزاع حول تايوان.
ويؤكد أن إدارة ترامب تحاول، عبر إظهار القوة، منع اندلاع حرب عالمية، من خلال التحكم في مصادر الطاقة ومنع استخدامها كورقة ضغط استراتيجية.
كما يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام الإيراني بقدر ما تهدف إلى تغيير سلوكه، مع استعدادها للتعامل مع أي قيادة تتبنى نهجا سلميا.
في السياق ذاته، يتقاطع يونغ مع هذا التحليل، معتبرا أن ما يجري يمثل تحولا عالميا، في ظل استعداد الصين لمواجهة محتملة حول تايوان، وتراجع الأداء الاقتصادي لكل من إيران و روسيا.
ويرى أن هذه العوامل تدفع طهران إلى التصعيد، في ما يعتبره موقفا أخيرا، محذرا من أن تداعياته قد تطال ليس فقط المنطقة، بل الشعب الإيراني نفسه.
تداعيات إقليمية وضغوط داخلية
ويشير ليبمان إلى أن السلوك الإيراني، بما في ذلك استهداف حلفاء في المنطقة وإطلاق صواريخ بعيدة المدى، يعكس—وفق تقديره—نمطا غير مسؤول، ويشكل تهديدا لجيرانها ولأوروبا والولايات المتحدة.
كما يلفت إلى أن استمرار هذا النهج قد يدفع واشنطن إلى استهداف البنية التحتية الحيوية في إيران، بما يشمل الطاقة والمياه، بهدف كسر النظام.
في المقابل، يسلط يونغ الضوء على الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة، خصوصا موقف الديمقراطيين الذين قد يعارضون التصعيد، مع تركيزهم على القضايا الداخلية مثل أسعار النفط والإنفاق العسكري. ويؤكد أن النفط، بوصفه سلعة عالمية، سيظل عاملا حاسما في توجيه السياسات الأميركية.
المصدر:
سكاي نيوز