آخر الأخبار

قاليباف يتقدم سياسيا، والحرس يمسك بثقل الحرب.. من يحكم إيران اليوم؟

شارك

لم يعد السؤال في إيران اليوم من هو المرشد؟ بقدر ما هو من يدير الدولة بعد ضرب أعلى مستويات السلطة؟ فبعد اغتيال المرشد السابق علي خامنئي في 28 فبراير/شباط، ثم الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني في 18 مارس/آذار، بدأت تتكشف صيغة حكم أكثر تعقيدا من صورة "الرأس الواحد".

ما يظهر حتى 22 مارس/آذار هو توزيع عملي للسلطة، يتمثل في منح المرشد الجديد للشرعية والاستمرارية، بينما يمسك الحرس الثوري أدوات الحرب والأمن، ويتقدم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في الواجهة السياسية أكثر من أي اسم مدني آخر، في حين تتولى الحكومة تسيير الإدارة اليومية ومنع اهتزاز مؤسسات الدولة.

رسميا، حُسمت الخلافة في 9 مارس/آذار عندما أعلن مجلس الخبراء اختيار مجتبى خامنئي مرشدا جديدا. لكن أولى إشاراته العلنية لم تذهب إلى إعادة تشكيل واسعة، بل إلى تثبيت الاستمرارية.

فقد وجّه باستمرار عمل المعينين مباشرة من قبل والده "حتى إشعار آخر"، ثم خصص رسالته بمناسبة العام الإيراني الجديد للتأكيد على "اقتصاد المقاومة" في ظل الوحدة والأمن الوطني.

ودستوريا، تبقى للمرشد الكلمة العليا في القوات المسلحة والسياسات العامة والحرب والسلم، كما أن الرئيس، رغم كونه أعلى مسؤول رسمي بعد المرشد، يمارس سلطاته "إلا في الأمور المرتبطة مباشرة بالقيادة". وهذا يعني أن مركز الشرعية ما زال واضحا، لكن مركز الإدارة اليومية للحرب لم يعد محصورا فيه وحده.

مصدر الصورة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف له خلفية عسكرية وأمنية وسياسية ثقيلة (تسنيم)

أما قاليباف، فصعوده لا يحتاج هنا إلى توصيف رسمي بقدر ما تكشفه لغته هو نفسه. فمنشوراته على حسابه في منصة إكس بعد اغتيال لاريجاني خرجت من حدود خطاب رئيس البرلمان إلى خطاب رجل يحدد سقف الاشتباك ويصوغ الرسائل السياسية للحرب.

إعلان

تحدث قاليباف عن أن وضع مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، ثم أعلن أن "معادلة العين بالعين" دخلت حيز التنفيذ وأن مستوى جديدا من المواجهة قد بدأ، وقد وضعه اغتيال لاريجاني داخل سردية تعبئة أوسع حين قال إن هذا الشعب سينجب "آلافا" من أمثاله، ثم عاد ليسخر من الروايات الأمريكية عن تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية.

وليس من الصعب تمييز أن هذه اللغة لا تشبه تعليقا برلمانيا عاديا، وأنها لغة واجهة سياسية حربية، تتكلم من داخل مركز القرار لا من هامشه.

وما يجعل قاليباف مؤهلا لهذا التقدم ليس خطابه وحده، بل مساره. فهو من القلة الذين مروا على مفاصل القوة الصلبة في إيران وكذلك الإدارة المدنية والسياسة الانتخابية معا.

بدأ من الحرس الثوري خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم قاد سلاح الجو في الحرس، وانتقل إلى رئاسة الشرطة بين 2000 و2005، قبل أن يتولى رئاسة بلدية طهران من 2005 إلى 2017، ثم يعود إلى قلب السلطة من بوابة البرلمان رئيسا له منذ 2020.

منح هذا المسار قاليباف ما يفتقده كثيرون في لحظة الحرب، وهو معرفة بالمؤسسة الأمنية من الداخل، وخبرة بإدارة الدولة البيروقراطية، وقدرة على مخاطبة المجال السياسي في العلن. لذلك يبدو، بعد غياب لاريجاني، الأكثر جاهزية لملء مساحة الربط بين الحرس ومؤسسات الحكم والواجهة السياسية.

مصدر الصورة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني الذي اغتالته إسرائيل (قناة علي لاريجاني على تليغرام)

ويزداد وزن هذا الصعود لأن اغتيال لاريجاني لم يكن مجرد خسارة مسؤول كبير، بل خسارة رجل كان يجمع بين أكثر من وظيفة في الوقت نفسه. فموقع المرشد وصفه في رسالة النعي بأنه كان أمين مجلس الأمن القومي الأعلى وممثل القيادة فيه، وصاحب خبرات سياسية وعسكرية وأمنية وإدارية متنوعة.

وبمعنى آخر، لم يفقد النظام منصبا فقط، بل فقد شخصية كانت تصل بين المؤسسة الدينية والأمنية والسياسية. ومع غيابه، ضاقت مساحة الوسطاء الكبار، واتسعت مساحة الوجوه القادرة على الحديث بلغة الردع والتعبئة، وعلى رأسها قاليباف.

في المقابل، يبقى الحرس الثوري الكتلة الأثقل على الأرض. فبنية النظام الإيراني تمنح المرشد القيادة العليا للقوات المسلحة، لكن التشغيل الفعلي في زمن الحرب يمر عبر شبكة أمنية وعسكرية متداخلة يقف الحرس في قلبها.

وتشير تقديرات منشورة خلال اليومين الماضيين إلى أن النظام لم ينهَر رغم مقتل عدد من كبار قادته، بل اتجه إلى مزيد من اللامركزية التشغيلية مع بقاء القبضة الأمنية متماسكة.

مصدر الصورة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الجزيرة)

أما الرئاسة وحكومتها، فتظل حاضرة، ولكن في مرتبة مختلفة. فالنص الدستوري يجعل الرئيس أعلى مسؤول في البلاد بعد المرشد، لكنه يستثني من صلاحياته الملفات المرتبطة مباشرة بالقيادة.

ومن هنا تبدو وظيفة الرئيس مسعود بزشكيان ووزرائه أوضح، وهي إدارة الحكومة، وتشغيل المحافظات، والتحرك دبلوماسيا لوقف الهجمات أو خفض كلفتها.

وتحركات وزير الخارجية عباس عراقجي المكثفة وكذلك اتصال بزشكيان برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أمس السبت، ودعوته إلى وقف فوري للهجمات وإطار أمني إقليمي، كل ذلك يقدم صورة عن هذا الدور: رئيس يدير الشأن اليومي والدبلوماسي، ولا يحدد بمفرده القرارات المتعلقة بالحرب.

إعلان

لهذا، لا تُدار إيران اليوم من رأس واحد. الصيغة الأوضح الآن هي مثلث يجمع بين المرشد للاستمرارية والشرعية، والحرس للتنفيذ والقوة الصلبة، وقاليباف وبزشكيان وعراقجي للواجهة السياسية وربط العقد.

وبين هذه الدوائر تستمر الحكومة والبيروقراطية في تشغيل الدولة. لم ينهَر التوازن بين الديني والعسكري والسياسي، لكنه اختل بوضوح لمصلحة المؤسسة الأمنية منذ ضرب القمة واغتيال لاريجاني.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا