آخر الأخبار

كيف وقعت إيران في هذا الخطأ الإستراتيجي؟

شارك

مع إتمام الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أسبوعها الثاني، لا تشهد المنطقة مجرد صراع دائر بين دولتين، بل صدعا جيوسياسيا جديدا يزعزع بنية الأمن الإقليمي بأسرها.

وفي الأيام الأولى للصراع أعطت الهجمات الموجهة ضد القيادات العسكرية والسياسية رفيعة المستوى في إيران انطباعا للعديد من المراقبين بأنها ستنهار في وقت قصير.

بيد أن المشهد تغير بسرعة بمرور الأيام؛ فمع استيعاب طهران الصدمة وشنها هجمات مضادة، لم تعد الحرب منحصرة بين إيران وإسرائيل فحسب؛ بل تشكل خط توتر جديد في جغرافيا واسعة تمتد من العراق إلى سوريا، ومن الخليج إلى شرق البحر المتوسط.

لقد وُجه جزء كبير من الهجمات الإيرانية المضادة مباشرة نحو الوجود العسكري الأمريكي في هذه المنطقة. وخلال الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، اضطرت العديد من هذه الدول إلى تفعيل أنظمة دفاعها الجوي.

وعلاوة على ذلك، أدى هذا الهجوم في كثير من الأحيان إلى قصف المناطق المدنية وإلحاق أضرار جسيمة بها. وبالطبع، لا يمكن التغاضي عن هذه الضربات الإيرانية بأي شكل من الأشكال. وهو خطأ إستراتيجي قاتل ارتكبته طهران، وستكون له انعكاسات على المدى الطويل.

لماذا يُعد الهجوم على الخليج خطأ إستراتيجيا؟

تنطوي هجمات إيران الأخيرة على الدول الخليجية على مشاكل إستراتيجية خطيرة. رغم أن طهران تحاول في خطابها إضفاء بعض الشرعية على هذه الهجمات بالقول إنها تستهدف القواعد الأمريكية.

غير أن الواقع يُظهر أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك بكثير؛ حيث إن تضرر البنية التحتية المدنية، وسقوط ضحايا مدنيين يُضعف ادعاءات إيران وموقفها على حد سواء. وهذا الوضع يولد عدة إشكاليات إستراتيجية هامة بالنسبة لإيران:

فقدان القوى الداعمة

في السنوات الأخيرة، وبسبب الحرب التي تشنها إسرائيل في غزة وسياساتها العدوانية في المنطقة، أصبحت معاداة إسرائيل تحظى بقاعدة سياسية ومجتمعية قوية للغاية في الشرق الأوسط.

إعلان

وهذا الوضع لا يقتصر تأثيره على الشعوب فحسب، بل يمتد إلى الحسابات السياسية للعديد من الحكومات الخليجية. ورغم أن دول الخليج تحافظ على علاقات عسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، فمن المحال أن تكون جزءا من حرب إقليمية تابعة لإسرائيل، وقد منحت هذه الظروف إيران فرصة جيدة للتقارب مع جيرانها.

حيث اتخذت دول الخليج في البداية موقفا رافضا إزاء هجوم أمريكي-إسرائيلي على إيران. فقبل أسبوعين فقط، أكدت القيادة في السعودية للرئيس ترمب أنهم لا يريدون مثل هذه الحرب على إيران، وأنه إذا كانت لدى الولايات المتحدة نية لذلك، فيجب عليها تجنبها. كما كانت هناك تصريحات مشابهة، بل وبنبرة أعلى، خاصة من قطر.

علاوة على ذلك، فإن المذبحة التي ارتكبتها الهجمات الأمريكية الإسرائيلية بحق 165 طفلة بريئة في بداية الحرب، أظهرت للعالم أجمع أن هذا العدوان يفتقر لأي مبرر أخلاقي، أو حتى أمني. أي إنه في الواقع، كان هناك استياء كبير من هذه الحرب في دول الخليج، كما هو الحال في جميع أنحاء العالم.

لكن هجمات إيران غير المحسوبة على الخليج قد تغيّر هذا التوازن سريعا. فعندما تلحق هذه الهجمات الضرر بالمناطق المدنية، أو تخلق انطباعا بأنها تهدد دول الخليج مباشرة، ستجد تلك الدول نفسها مدفوعة- بدافع الهاجس الأمني- إلى التقارب أكثر مع الولايات المتحدة. وهكذا، تكون طهران في الحقيقة تضعف بنفسها الأرضية السياسية التي يمكن أن تستفيد منها.

إن المصلحة الإستراتيجية طويلة المدى لإيران لا تكمن في خلق مواجهة مباشرة مع دول الخليج. غير أن هذه الهجمات يمكن أن تغير الرؤية الأمنية لهذه الدول بسرعة. فحينما تشعر الحكومات الخليجية بأنها مستهدفة بشكل مباشر، قد تعتقد أنها بحاجة أكبر إلى تحالفات عسكرية. وهذه نتيجة ينبغي على إيران تجنبها على المدى الطويل.

خسارة الوسطاء

لقد شكلت دول في الخليج، خاصة قطر وعُمان، أطرافا فاعلة لعبت في الماضي دور الوساطة الدبلوماسية بين إيران والغرب. وإن قيام إيران بشن هجمات تلحق الضرر بأهداف مدنية في هذه الدول من شأنه أن يضعف هذه القنوات الدبلوماسية أيضا. في حين أن الحلول الدبلوماسية، وليست العسكرية، هي التي تكون حاسمة في نهاية الحروب الطويلة.

توسيع رقعة الحرب

إن هجمات إيران على الخليج توسع من جغرافيا الحرب. وتزيد من خطر جر دول الخليج لتصبح أطرافا مباشرة في الصراع.

وهذا بدوره يوسع الجبهة المناهضة لإيران؛ وبالتالي، فإن حربا كان يمكن أن تقتصر في البداية على الولايات المتحدة وإسرائيل، قد تتحول إلى صراع إقليمي أوسع.

التداعيات بالنسبة لتركيا

وتُفرز هذه التطورات نتائج إستراتيجية مهمة بالنسبة لتركيا أيضا.


* أولا، يتشكل توازن قوى جديد في الشرق الأوسط. فإضعاف إيران أو زعزعة شبكات نفوذها الإقليمية يمكن أن يعيد تشكيل النظام الإقليمي. وفي مثل هذه الحالة، سيكتسب دور تركيا الدبلوماسي والسياسي أهمية أكبر.
* ثانيا، التغير في التصور الأمني لدول الخليج قد يخلق فرصا ومخاطر دبلوماسية جديدة لتركيا؛ فقد طورت تركيا في السنوات الأخيرة علاقاتها مع دول الخليج بشكل ملحوظ. وفي بيئة يُعاد فيها النقاش حول بنية الأمن الإقليمي، قد يكتسب دور تركيا كصانع للتوازن أهمية متزايدة.
* ثالثا: لطالما دافعت تركيا عن ضرورة بناء الأمن الإقليمي عبر الأطراف الفاعلة المحلية والدبلوماسية. وتُظهر التطورات التي نشهدها اليوم مدى أهمية هذه المقاربة.
إعلان

المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط

يجب على إيران أن تستخدم عقلها الإستراتيجي بحذر أكبر؛ فهناك فرق كبير بين استهداف المصالح الأمريكية، وجعل دول الخليج أعداء مباشرين.

وإذا لم تراعِ طهران هذا الفارق، فقد تجد نفسها في نهاية الحرب وجها لوجه أمام كتلة إقليمية أوسع بكثير. وهذا يصب في مصلحة خصوم إيران أكثر من أي شيء آخر.

إن ما يحتاجه الشرق الأوسط اليوم ليس التحركات التي توسع رقعة الحرب، بل الحكمة التي تبقي قنوات الدبلوماسية الإقليمية مفتوحة. لأنه لن يكون هناك منتصر في هذه الحرب؛ ولكن سيكون هناك الكثير من الخاسرين؛ نتيجة للحسابات الإستراتيجية الخاطئة.

وفي المقابل، تُعد إسرائيل اليوم القوة التي تشكل التهديد الأول لجميع شعوب ودول المنطقة، فلا توجد أية عداوة أو تهديد جوهري بين هذه الدول. لكن إسرائيل تكشف يوما بعد يوم عن خططها التوسعية في المنطقة من خلال عدوانيتها وخطابها المتطرف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا