قبل أسبوعين فقط من الزيارة المرتقبة إلى بكين لمناقشة الخلافات الكبرى بين الولايات المتحدة والصين ، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شرطاً جديداً على طاولة المفاوضات يتمثل في مساعدة الصين على إعادة فتح مضيق هرمز .
وقال ترامب إنه قد "يؤجل" قمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في إطار زيادة الضغط على بكين، حليفة إيران، للمساعدة في تأمين المضيق. وكان قد أفيد الأسبوع الماضي بأن الصين تجري محادثات مع طهران للسماح بمرور آمن للنفط والغاز.
وأضاف ترامب أنه يتوقع أن تساعد الصين في فتح المضيق قبل أن يتوجه إلى بكين، قائلاً: "أعتقد أن الصين يجب أن تساعد أيضاً، لأنها تحصل على 90% من نفطها عبر المضائق"، مشيراً إلى أن الانتظار حتى موعد القمة قد يكون متأخراً.
لكن، وفي الطرف المقابل، يبدو أن بكين غير متحمسة لتلبية هذا الطلب خلال هذه الفترة، في ظل حسابات استراتيجية واقتصادية معقدة، بحسب تقرير نشرته سي إن إن.
وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إلى ارتفاع حاد في الأسعار وأثار مخاوف واسعة من نقص الإمدادات، وهو ما قد يهدد استقرار الاقتصاد العالمي.
وفي مواجهة ما يوصف بأنه أسوأ أزمة نفط في التاريخ، دعا ترامب عدداً من الدول، من بينها فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، إلى التعاون من أجل تأمين المضيق وإعادة فتحه أمام حركة الملاحة.
ولإقناع الصين بالمشاركة، مارس ترامب ضغوطاً إضافية، إذ قال في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز إنه يريد معرفة ما إذا كانت بكين مستعدة لتقديم المساعدة قبل انعقاد قمته المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في نهاية الشهر، محذراً من أنه قد يؤجل زيارته إذا لم يحصل على رد واضح.
وقال ترامب إن من الطبيعي أن يساهم المستفيدون من المضيق في ضمان استقرار الملاحة فيه، مضيفاً أن الصين ينبغي أن تلعب دوراً في هذا الإطار.
لكن هذا الطلب يبدو استثنائياً، إذ يطالب ترامب الصين بالمخاطرة بأصولها العسكرية في حرب بدأت الولايات المتحدة نفسها ضد دولة تُعد حليفاً لبكين، مع التلميح إلى احتمال تعليق الجهود الدبلوماسية في حال عدم الاستجابة، بحسب سي إن إن.
ورغم خطورة الأزمة، تبدو الصين في موقع أفضل من كثير من الدول الآسيوية لتحمل صدمة نفطية طويلة الأمد، إذ عملت خلال السنوات الأخيرة على تعزيز احتياطياتها من النفط الخام وتنويع مصادر استيراده، إلى جانب استثمار مليارات الدولارات في الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية.
كما أفادت تقارير إعلامية بأن إيران قد تسمح لبعض ناقلات النفط بالمرور عبر مضيق هرمز إذا جرى بيع النفط باليوان الصيني، وهو ما قد يمنح بكين هامشاً إضافياً للمناورة.
ويرى بعض الخبراء أن الصين قد تفضل الانتظار ومراقبة تطورات الأزمة، خاصة أنها تتمتع بدرجة من الأمان الاستراتيجي تسمح لها بالتعامل بمرونة مع مثل هذه الأزمات.
وألقت الحرب المستمرة، التي يقول مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون إنها قد تمتد لأسابيع، بظلالها على القمة المرتقبة في بكين، في وقت يواجه فيه ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود مع تصاعد الهجمات على البنية التحتية للطاقة في إيران.
وفي الصين، ينظر بعض المراقبين إلى الوضع بنوع من السخرية السياسية، إذ يرى محللون أن الحرب وضعت واشنطن في موقف صعب على الساحة الدولية.
وفي حين دعت وسائل الإعلام الرسمية الصينية إلى قدر أكبر من التعاون بين بكين وواشنطن لمواجهة حالة عدم اليقين العالمية، رفضت أصوات قومية في الصين فكرة إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، معتبرة أن ذلك قد يعني تقاسم مخاطر حرب بدأت بها الولايات المتحدة ولا تستطيع إنهاءها.
وخلال مؤتمر صحفي، لم يقدم المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أي التزام واضح بطلب ترامب، مكتفياً بالتأكيد على أهمية اللقاء المرتقب بين الرئيسين وعلى استمرار التواصل بشأن الزيارة المحتملة.
ويأتي هذا الموقف الحذر في وقت يجري فيه مسؤولون اقتصاديون من البلدين جولات من المحادثات في باريس لبحث اتفاقات تجارية محتملة تشمل الزراعة والمعادن النادرة.
في المقابل، تضررت أوراق الضغط الأمريكية في المفاوضات بعد أن قضت المحكمة العليا في وقت سابق بأن ترامب تجاوز صلاحياته عندما فرض رسوماً جمركية بشكل أحادي على شركاء تجاريين، ما دفع إدارته إلى البحث عن آليات أخرى لفرض رسوم مماثلة.
كما حذر ترامب حلف شمال الأطلسي من مستقبل وصفه بـ"السيئ للغاية" إذا لم يستجب أعضاؤه لدعوته بإرسال سفن حربية إلى المنطقة، لكن عدداً من حلفاء الولايات المتحدة، مثل اليابان وأستراليا، رفضوا حتى الآن المشاركة في مثل هذه الخطوة.
أما الصين، التي تعد أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لإيران وأكبر مشترٍ لنفطها، فليس لديها دافع كبير للانحياز إلى موقف ترامب. فقد أدان المسؤولون الصينيون الهجمات على إيران ودعوا إلى وقف فوري لإطلاق النار، لكنهم في الوقت نفسه انتقدوا الضربات الإيرانية ضد دول مجاورة مثل السعودية.
ورغم أن بكين قد لا تتدخل عسكرياً في مضيق هرمز، فإن لها مصلحة واضحة في استقرار الشرق الأوسط، إذ إن الاقتصاد الصيني، رغم امتلاكه هامش حماية أكبر من غيره، لا يزال معرضاً لتأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة.
وخلال السنوات الأخيرة، سعت الصين إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي في المنطقة، وكان من أبرز نجاحاتها التوسط في اتفاق استئناف العلاقات بين إيران والسعودية عام 2023.
ويرى محللون أن بكين استثمرت الكثير من رأس مالها السياسي في الشرق الأوسط وتسعى إلى ترسيخ صورتها كقوة دبلوماسية قادرة على تحقيق الاستقرار، إلا أن التطورات الحالية قد تلقي بظلالها على تلك الجهود وتضعها أمام اختبار جديد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
المصدر:
يورو نيوز