في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خضم الحرب الجارية التي اندلعت أواخر فبراير/شباط الماضي، والتي أودت بحياة المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، وجدت إيران نفسها أمام اختبار وجودي غير مسبوق تحت قيادة مرشدها الجديد مجتبى خامنئي.
يأتي هذا الزلزال السياسي ليعمّق ما يوصف بجراح المؤسسة العسكرية التي فقدت كبار قادتها التاريخيين -وعلى رأسهم حسين سلامي ومحمد باقري- إبان حرب يونيو/حزيران الماضي، لتتوالى الخسائر في المواجهة الحالية برحيل القائد العام الجديد للحرس محمد باكبور (الذي خلف سلامي عام 2025)، ورئيس قسم الاستخبارات في قيادة الطوارئ وكبير ضباط استخبارات الأركان العليا صلاح أسدي.
هذا المشهد المعقد أعاد إلى الواجهة تساؤلا جوهريا لدى كثيرين: لماذا تمتلك إيران جيشين؟ وما الفرق بين "الجيش النظامي" و" الحرس الثوري"؟ ومن يملك الكلمة العليا ومفاتيح الردع في قلب هذه المعركة الراهنة؟
في هذا التقرير، نحاول تفكيك شيفرة "السيادة العسكرية المزدوجة" في إيران، وهي نظام صُمم فيما يبدو لمنع تركز القوة العسكرية في يد جهة واحدة، ولضمان بقاء النظام واستمراريته حتى في حال تعرض إحدى الذراعين لضربة قاصمة.
ورغم خضوع المؤسستين لسلطة المرشد الأعلى بصفته القائد العام للقوات المسلحة، فإن البناء العسكري الإيراني يقوم على ازدواجية مقصودة تخلق تمايزا في "هوية القتال" وأهدافها، فالجيش والحرس ليسا مجرد ذراعين عسكريين، بل هما مؤسستان تعملان وفق منطلقات متباينة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
يُجمع الخبراء العسكريون على قاعدة ذهبية تحكم المنظومة الإيرانية: "الجيش للدفاع، والحرس للهجوم وتصدير النفوذ".
الجيش النظامي: يعمل كقوة دفاعية كلاسيكية لصد أي غزو خارجي. ويتألف من 4 فروع رئيسية: القوات البرية، والقوة البحرية العاملة في المياه العميقة (بحر عمان والمحيط الهندي)، والقوة الجوية، وقوات الدفاع الجوي.
وفي هذا السياق، يشير الباحث المتخصص بالقوات المسلحة الإيرانية حسين حقيان للجزيرة، إلى أن قوة الجيش الجوية ترتكز على مقاتلات شرقية وغربية قديمة، مما يجعل دوره تكتيكيا ومحدودا ضمن الجغرافيا الإيرانية.
الحرس الثوري: يبدو كذراع للعقيدة العابرة للحدود، فبخلاف الجيش، يبرز الحرس الثوري كقوة أيديولوجية لا تتقيد بالجغرافيا.
وفي قراءة لهذا التمايز، يوضح القيادي السابق في الحرس الثوري، حسين كنعاني مقدم، للجزيرة نت، أن الفارق يكمن في "جوهر المهمة"، إذ يقول "بينما يضطلع الجيش بمسؤولية الحفاظ على الأراضي، يتولى الحرس حماية حدود القيم والأيديولوجيا، وهي فضاءات لا تحدها الحواجز الجغرافية التقليدية".
وتبرز قوة الحرس في أذرعه النوعية التي حددها تقرير لـ "معهد دراسة الحرب الأمريكي" في الآتي:
داخليا، ترتبط صورة الجيش بدوره الكلاسيكي في الدفاع عن الحدود، مما يبعده غالبا عن التجاذبات السياسية. في المقابل، يمتلك "الحرس الثوري" حضورا واسعا في الهياكل الاقتصادية والسياسية للدولة، وتُناط بقوات التعبئة (البسيج) التابعة له مهام حفظ الأمن الداخلي، وهو ما يجعله أكثر تماسا وارتباطا بالديناميات السياسية والاجتماعية في البلاد.
دوليا، زاد موقع الحرس الثوري تعقيدا بعد إدراجه من قِبل الولايات المتحدة عام 2019 كـ "منظمة إرهابية أجنبية"، وهو مسار ناقشته أو دعمته جهات وتكتلات أوروبية، مع توسع دائرة العقوبات لتخنق قادته ومؤسساته المتشعبة.
لضمان عدم تصادم القوتين، أنشأت القيادة "هيئة أركان القوات المسلحة" للتنسيق الإستراتيجي، ومقر "خاتم الأنبياء" لإدارة العمليات وقت الحرب.
وقد تلقت هذه المراكز ضربة قاسية إبان حرب يونيو/حزيران 2025 مع مقتل رئيس الأركان محمد باقري وقائد مقر خاتم الأنبياء غلام علي رشيد في الضربات الإسرائيلية، مما اضطر القيادة الإيرانية حينها لملء الفراغ بتعيينات سريعة لضمان استمرار عمل المنظومة قبل اندلاع المواجهة الحالية.
ومع توليه منصب المرشد الأعلى في ظل غبار المعركة الراهنة، يرث مجتبى خامنئي منظومة صُممت تاريخيا لتمكين الحرس الثوري، لكنها مثقلة بفراغ قيادي تراكمي منذ اغتيال جنرالاتها العام الماضي، وقد تُوج بمقتل والده مؤخرا.
في الحرب المشتعلة اليوم، تتجلى هذه العقيدة المزدوجة بوضوح على الأرض. فالجيش النظامي يقف متأهبا في ثكناته كقوة احتياطية لحماية الجغرافيا في حال تطور النزاع إلى غزو بري أمريكي إسرائيلي.
في المقابل، يقود الحرس الثوري المعركة الفعلية بأدوات "الردع غير المتماثل"، بدءا من إطلاق القوة الجوفضائية موجات مكثفة من الصواريخ الباليستية والمسيرات، مرورا بإيعاز المرشد الجديد للحرس بإغلاق مضيق هرمز لضرب الاقتصاد العالمي، وصولا إلى تفعيل "فيلق القدس" للجبهات المشتعلة في الإقليم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة