آخر الأخبار

تفاصيل مشروع لترميم المنازل المدمرة في غزة

شارك

غزة- لم تكن عملية ترميم شقة يوسف الحلاق بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة مجرد ورشة بناء، بل عملية جراحية دقيقة لجسدٍ أرهقته الحرب.

حين وصلت طواقم وزارة الأشغال العامة والإسكان، بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، للشقة المتضررة من القصف الإسرائيلي، لم تُحضر معها شاحنات محملة بالأسمنت أو الطوب، فتلك المواد يحظر الاحتلال إدخالها، بل مخططات طموحة لتطويع المستحيل وصناعة الأمان من المُتاح.

بدأ الحرفيون برسم ملامح السكن الجديد، مستخدمين "المشاطيح" التي كانت يوما قواعد خشبية للبضائع المستوردة. حيث ثبتها النجارون بمهارة على حواف الشقة المفتوحة مشكّلين سياجا يقي الأطفال خطر السقوط خارج البناية، قبل أن تمتد فوقها "الشوادر" والنايلون المقوى لتنسج جدرانا بديلة زُودت بنوافذ بدائية، تُرفع وتُغلق بأعمدة خشبية بسيطة، تسمح بمرور الهواء، ودخول ضوء الشمس لتبديد عتمة الركام.

مصدر الصورة عمال يركبون الجدران المؤقتة باستخدام الخشب والنايلون (الجزيرة)

استعادة الكرامة

وفي زاوية كانت ركاما، وُلد المطبخ من جديد بقطع رخام ربما أُنقذت من مخازن تجار أو استُخلصت من تحت الأنقاض، واستعادت زوجة الحلاق "مملكتها" المسلوبة، حيث بات بإمكانها غسل الأواني أو إشعال النار دون خوف من احتراق الخيمة، وبعيدا عن مهانة الطهي في العراء.

أما التفاصيل الأكثر ملامسة للكرامة، فكانت في الحمام، فبجدران من النايلون غير الشفاف ومغسلة صغيرة وكرسي حمام، أنهت العائلة شهورا من عذاب البيئة الملوثة في مراكز الإيواء.

مصدر الصورة النجار محمد الحلو يتفقد "جدران النايلون" في شقة الحلاق (الجزيرة)

ومع غروب شمس اليوم الأخير، كان مسك الختام المنتظر، باب الشقة، فبعد شهور من العيش خلف "سحّاب" خيمة مهترئ أو قماش ترفرف به الريح، أصبح للحلاق وعائلته باب حقيقي يُغلق عليهم في نهاية اليوم.

لم تكن عملية الترميم بالنسبة ليوسف سوى نجدة وإنقاذ عاجل فقط، بل كانت كافية لانتشال أسرته من جحيم الخيام الذي آذاهم لأشهر طويلة. وكانت شقته الواقعة ببناية في حي الأمل، قد تعرضت لقصف إسرائيلي في بداية الحرب ولم يتبقَ من معالمها إلا أعمدة خرسانية صامدة، وسط ركام الجدران.

مصدر الصورة مطبخ "استثنائي" مجهز من الأخشاب داخل شقة مرممة بالنايلون في غزة (الجزيرة)

ومنذ ذلك الوقت، اضطر للعيش في خيمة، وما زال يستذكر رحلات النزوح المتكررة التي لم ترحم أطفاله الأربعة، وأصغرهم رضيعة، وأكبرهم لم يتجاوز 6 سنوات. ولم تكن الخيمة مجرد مسكن ضيق بمساحة 12 مترا مربعا، بل كانت بيئة خصبة للأمراض الجلدية والمعوية التي فتكت بأطفاله، وأدخلتهم المستشفى مرارا.

إعلان

"ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، بهذه الآية الكريمة اختصر يوسف الحلاق مشاعره، مطالبا الجهات المعنية بديمومة مثل هذه المشاريع.

مصدر الصورة قواعد خشبية تُستخدم حلا مؤقتا لحماية شقة يوسف الحلاق من السقوط نتيجة دمار الجدران (الجزيرة)

تخفيف المعاناة

ترى الحكومة الفلسطينية، ممثلة بوزارة الأشغال العامة والإسكان، أن ترميم المنازل بهذه الطريقة "المؤقتة" قد يكون حلا مناسبا للتخفيف من معاناة عشرات الآلاف من العائلات التي فقدت منازلها نتيجة للدمار الكبير الذي طال قطاع غزة.

وقالت رقية أبو الرب رئيسة فريق إعمار غزة في الوزارة، ومقرها في مدينة رام الله، إن الحكومة أعدت منهجية للإيواء المؤقت قائمة على أولوية ترميم الوحدات السكنية المتضررة بشكل جزئي، بالتوازي مع العمل على برامج إسكان أخرى قيد التجهيز، مثل برنامج توفير وحدات سكنية مسبقة الصنع كحل مؤقت إلى حين البدء في إعادة الإعمار.

وأوضحت للجزيرة نت أن الإحصائيات تقول إن هناك قرابة 60 ألف وحدة سكنية متضررة بشكل جزئي أو طفيف، من أصل 350 ألفا بضرر كلي إلى جزئي إلى طفيف، وبالتالي فهي قابلة للترميم المؤقت وجعلها مساكن بديلة للخيام. وأفادت بأنهم أطلقوا مشروعا بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يهدف إلى ترميم المنازل المتضررة بشكل جزئي باستخدام المواد المتوفرة في السوق المحلي مثل النايلون والخشب.

مصدر الصورة الخشب والنايلون المقوى يحلان محل الجدران الخرسانية لتوفير مأوى طارئ في غزة (الجزيرة)

ويوفر هذا المشروع للمواطنين، بالإضافة للجدران المصنوعة من الأخشاب والنايلون المقوى، مطبخا صغيرا ومرحاضا وخزان مياه، "مما يتيح لهم فرصة الحصول على مسكن لائق تحت سقف بعد معاناتهم الطويلة في الخيام ومراكز الإيواء"، تقول رقية أبو الرب.

ومع ذلك، تواجه الوزارة تحديات كبيرة بسبب إغلاق المعابر. وقالت أبو الرب "بسبب نقص المواد، لا يمكننا الدخول في مرحلة تأهيل دائم أو ترميم باستخدام مواد البناء التقليدية، ولذلك نستمر في استخدام مواد مؤقتة مثل النايلون والخشب". وتم تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع التي تضم 213 وحدة سكنية بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهناك مراحل أخرى قيد التحضير والإعداد.

خلف كواليس هذه المشاريع، برزت مهن تكيفت مع واقع الحرب. فمحمد الحلو نجار وجد نفسه ينتقل من صناعة الأثاث إلى هندسة السواتر. ويقول للجزيرة نت "هناك إقبال كبير، فالناس يريدون الهرب من الحياة الصعبة في الخيام، خاصة أننا في فصل الشتاء والأمطار والبرد".

النجار محمد الحلو طالب المؤسسات المموِّلة بدعم مشاريع ترميم المنازل المدمرة (الجزيرة)

عوائق

لكن العائق الأساسي أمام النازحين هو التكلفة العالية، خاصة بسبب غلاء أسعار الأخشاب. وعن تكلفة هذه الحلول البديلة، أوضح الحلو بالأرقام:


* ترميم غرفة واحدة: يصل إلى 1000 شيكل (320 دولارا).
* ترميم شقة كاملة: قد يصل إلى 3000 شيكل (960 دولارا).
* أجرة اليد العاملة: تتراوح بين 400 شيكل (128 دولارا) إلى 1000 شيكل حسب حجم العمل.

وبينما كان يضع اللمسات الأخيرة على الجدار الملاصق لباب شقة نجح في ترميمها بالكامل، طالب الحلو المؤسسات المموِّلة بدعم مشاريع ترميم المنازل بهدف تخفيف المعاناة عن السكان، وعدم الاكتفاء فقط بتوزيع الخيام على النازحين.

إعلان

وكان المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة، قد صرح للجزيرة نت في وقت سابق بأن عشرات آلاف الأسر الفلسطينية في غزة تعيش أوضاعا إنسانية بالغة القسوة داخل خيام مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية، في ظل شتاء قاسٍ ورياح عاتية وأمطار غزيرة.

وذكر أن الاحتلال دمر أكثر من 90% من البنية العمرانية للقطاع، وتسبب بنزوح قسري شمل قرابة مليوني مواطن، مما حوّل أزمة السكن إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة. وبيّن أن عدد سكان الخيام وصل إلى أكثر من 213 ألف أسرة، يمثلون ما يزيد على 62% من سكان غزة البالغ عددهم نحو 2.4 مليون نسمة.

ولفت الثوابتة إلى أن أكثر من 127 ألف خيمة مأهولة تعرضت للتمزق أو الانهيار الكلي والجزئي بفعل الرياح والأمطار خلال فصل الشتاء الحالي.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا