آخر الأخبار

تحقيق للجزيرة يرجح: إسرائيل وأمريكا قتلتا "عمدا" 165 طالبة في مدرسة ميناب

شارك

صباح يوم السبت 28 فبراير/شباط 2026 توافدت عشرات الطالبات إلى مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوبي إيران، في بداية أسبوع دراسي جديد. وفي التوقيت ذاته تقريباً، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل أولى ضرباتهما التي استهدفت مواقع عسكرية وحكومية في عموم إيران.

هذه العمليات العسكرية، التي حملت الاسم الرمزي الأمريكي "الغضب الملحمي" (Epic Fury) والاسم الرمزي الإسرائيلي "درع يهوذا" قبل أن يتم تعديله إلى "زئير الأسد" (Roaring Lion)، استهدفت البنية التحتية العسكرية، ومراكز القيادة والسيطرة، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية، ومقرات الحرس الثوري الإيراني في عدة محافظات إيرانية امتدت من طهران العاصمة وحتى المحافظات الجنوبية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الأسلحة التي استخدمتها أمريكا وإسرائيل لضرب إيران واغتيال خامنئي
* list 2 of 2 "ساعة إسرائيل الذهبية".. لماذا ضُربت إيران الآن؟ end of list

وبينما كانت التلميذات يبدأن يومهن في فصولهن الدراسية، استهدفت الصواريخ المعادية مبنى المدرسة بشكل مباشر ليتم تدمير المبنى التعليمي بشكل شبه كامل وانهيار أجزاء من سقفه الخرساني فوق رؤوس الأطفال ومعلميهم.

بعد ساعات قليلة، بدأت صور الدمار تتوارد من ميناب التابعة لمحافظة هرمزكان. ووفقاً للتصريحات النهائية الصادرة عن السلطات القضائية المحلية ومنظمات حقوق الإنسان، فقد أودى هذا القصف بحياة 165 شخصا، الغالبية العظمى منهم من الفتيات الصغيرات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 7 و12 عاماً، بالإضافة إلى إصابة 95 آخرين بجروح متفاوتة.

لاحقًا أكد متحدثان باسم وزارة الحرب الأمريكية، والجيش الإسرائيلي لمجلة تايم ووكالة أسوشيتد برس عدم علمهما باستهداف مدرسة، وادّعت مواقع وحسابات موالية لإسرائيل على مواقع التواصل الاجتماعي أن الموقع "جزء من قاعدة للحرس الثوري". غير أن تحليل صور الأقمار الصناعية على مدار أكثر من عقد يروي قصة مختلفة تماماً.

"يطرح نمط الاستهداف تساؤلات جوهرية حول مدى دقة المعلومات الاستخباراتية التي بُني عليها القصف أو ربما حتى تعمّد استهداف المدرسة بشكل مباشر".

قامت وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة بتحليل صور الأقمار الصناعية الممتدة على مدار عقد كامل، إلى جانب مقاطع فيديو حديثة وأخبار منشورة سابقا، وتصريحات مصادر إيرانية رسمية. وكشفت النتائج أن مدرسة الشجرة الطيبة كانت مفصولة بشكل واضح عن الموقع العسكري المجاور منذ ما لا يقل عن عشر سنوات، وأن نمط الاستهداف يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى دقة المعلومات الاستخباراتية التي بُني عليها القصف أو ربما حتى تعمّد استهداف المدرسة بشكل مباشر.

أهمية مدينة ميناب والمربع العسكري المستهدف

لفهم دوافع إدراج مدينة ميناب ضمن أول الأهداف الأمريكية الإسرائيلية، يجب وضع المدينة في سياقها الجيواستراتيجي الأوسع. تقع مدينة ميناب في محافظة هرمزكان جنوب شرقي إيران، وهي محافظة تحظى بأهمية عسكرية هائلة نظراً لإشرافها المباشر على مضيق هرمز ومياه الخليج، مما يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية لعمليات القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني (ندسا).

مصدر الصورة خريطة توضح الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمدينة ميناب في محافظة هرمزكان المطلة على مضيق هرمز، حيث يقع المربع العسكري المستهدف (الجزيرة)

وتتبنى القوة البحرية للحرس الثوري استراتيجية "الحرب غير المتكافئة"، والتي تعتمد على نشر زوارق سريعة، وطائرات مسيرة، ومنصات صواريخ ساحلية قادرة على تعطيل حركة الملاحة أو استهداف القطع البحرية المعادية. وفي هذا السياق، يبرز مجمع "سيد الشهداء" العسكري في ميناب، والذي يضم مقرات مهمة من أبرزها مقر "لواء عاصف".

إعلان

ويُعد لواء عاصف الصاروخي أحد الأذرع الضاربة والمهمة في القوة البحرية للحرس الثوري. وبمراجعة المصادر المفتوحة وتتبع السجلات الرسمية الإيرانية، تنكشف تفاصيل مهمة حول طبيعة المدرسة نفسها. فمدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب هي جزء من شبكة واسعة من المدارس التابعة هيكلياً وإدارياً للقوة البحرية للحرس الثوري الإيراني.

"المدارس هي أعيان مدنية، والأطفال الذين يرتادونها -سواء كانوا أبناء عسكريين أم مدنيين- يظلون أشخاصا محميين يتمتعون بحماية خاصة في النزاعات المسلحة".

تُصنف هذه المدارس كمدارس غير ربحية، وتستهدف بالأساس تقديم الخدمات التعليمية لأبناء وبنات منتسبي القوة البحرية للحرس الثوري. وتُظهر رسائل التسجيل المنشورة على قناة "پیش دبستانی شجره طیبه ندسا" في تطبيق المراسلة الإيراني "بله" – وهي قناة مخصَّصة للتواصل مع أولياء أمور أطفال المرحلة التمهيدية في إحدى مدارس شبكة "شجره طیبه" (أي الشجرة الطيبة) على التطبيق الذي يجمع بين الدردشة الفورية والخدمات البنكية ويُستخدم على نطاق واسع من مؤسسات رسمية وشبه رسمية في إيران – أن إجراءات القبول تعطي أولوية لأبناء العسكريين. ففي أكثر من إعلان، تُوجَّه دعوة صريحة إلى أبناء منتسبي القوة البحرية للحرس للحضور في أيام محددة لاستكمال تسجيل الصف الأول، مع تنبيه آخر بأن تسجيل أبناء غير المنتسبين يُفتح في أيام مختلفة.

غير أن هذا الارتباط الإداري أو هوية أولياء الأمور لا يغيّران في الأصل من الصفة القانونية للمدرسة وفق القانون الدولي الإنساني؛ فالمدارس تُعدّ أعيانا مدنية، والأطفال الذين يرتادونها -سواء كانوا أبناء عسكريين أم مدنيين- يظلون أشخاصاً محميين يتمتعون بحماية خاصة في النزاعات المسلحة، بما في ذلك حظر استهدافهم عمداً أو شنّ هجمات من شأنها إيقاع أضرار مؤكدة بهم.

وقد وصف "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" في بيان له قصف المدرسة بأنه "جريمة مروّعة وتكريس لانهيار حماية المدنيين"، مؤكداً أن مجرّد وجود منشآت أو قواعد عسكرية في الجوار لا يغيّر من الصفة المدنية للمدرسة ولا يُسقط عن القوات الأميركية والإسرائيلية التزامها القانوني بالتحقق الدقيق من طبيعة الهدف قبل ضربه. وشدّد المرصد على أن الأطفال والطاقم التعليمي يظلون في جميع الأحوال "أشخاصاً محميين" بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن أي هجوم لا يميّز بينهم وبين أهداف عسكرية محتملة يشكّل انتهاكاً خطيراً.

ما الذي نعرفه عن الضربة وتوقيتها؟

في صباح يوم السبت، أول أيام الأسبوع في إيران، بدأت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. بدأت الغارات الجوية تضرب مواقع متفرقة في مدينة ميناب ومحافظة هرمزكان. لكن الحياة بشكل عام كانت تسير بصورة شبه طبيعية، ذهب الأطفال إلى مدارسهم، وتظهر الصور والفيديوهات حركة مرور شبه اعتيادية في الطرق المحيطة بالمدرسة.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية الموثقة لذلك اليوم أن مبنى المدرسة كان لا يزال سليماً تماماً ولم يتعرض لأي قصف -على الأقل- حتى الساعة 10:23 صباحًا بالتوقيت المحلي.

مصدر الصورة تُظهر صور الأقمار الصناعية أن مبنى المدرسة كان لا يزال سليما تماما حتى الساعة 10:23 صباحا بالتوقيت المحلي (بلانت – الجزيرة)

وتقول المصادر المحلية والرسمية الإيرانية أنه في حلول الساعة 10:45 ضُربت المدرسة بشكل مباشر بصاروخ موجه.

إعلان

وللتحقق من نطاق الضربة وطبيعتها، حلّلت وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة مقطعَي فيديو نُشرا على منصة تلغرام بعد وقت قصير من القصف، وجرى تحديد الموقع الجغرافي لكل منهما بدقة عبر مطابقة المعالم البصرية مع صور الأقمار الصناعية.

صُوِّر المقطع الأول من نقطة تقع جنوب غربي المجمع (عند الإحداثيات: 27°06’28.43″ شمالا، 57°04’26.17″ شرقا)، ويوثّق اللحظات الأولى لتصاعد الدخان من داخل المربع العسكري التابع لقاعدة "سيد الشهداء" (لواء عاصف)، مما يُثبت أن القاعدة العسكرية كانت بالفعل من بين الأهداف التي طالها القصف.

غير أن المقطع الثاني، وهو الأكثر دلالة في هذا التحقيق، صُوِّر من نقطة تقع جنوب شرقي المجمع (عند الإحداثيات: 27°06’23.77″ شمالا، 57°05’05.97″ شرقا)، ويوفر زاوية رؤية واسعة تشمل المجمع بأكمله.

مصدر الصورة (الجزيرة)

يُظهر هذا المقطع بوضوح عمودين منفصلين من الدخان الأسود الكثيف يتصاعدان في آن واحد: الأول من عمق القاعدة العسكرية، والثاني من الموقع الجغرافي المستقل لمدرسة البنات. والمسافة الواضحة بين العمودين تتطابق مع المسافة الفاصلة بين المنطقتين كما تظهر في صور الأقمار الصناعية، مما يدحض أي ادعاء بأن الأضرار التي لحقت بالمدرسة كانت ناتجة عن تطاير شظايا من القاعدة المجاورة، ويشير بقوة إلى أن مبنى المدرسة تعرّض لاستهداف مباشر ومنفصل.

تاريخ فصل المبنى المدني عن القاعدة العسكرية

لفك الارتباط المعماري وتفنيد مزاعم أن المبنى الذي قُصف كان ثكنة نشطة، قام فريق التحقيق بإجراء تتبع تاريخي لصور الأقمار الصناعية المؤرشفة عبر تطبيق "غوغل إيرث" (Google Earth) للفترة الممتدة من عام 2013 وحتى قبيل الهجوم في 2026. تقع إحداثيات موقع المدرسة ضمن (27°06’35.4″N 57°05’05.1″E).

ويكشف التتبع الزمني عن هندسة متعمدة لفصل هذا الجزء من المجمع العسكري وتحويله للاستخدام المدني بشكل كامل خلال العشر سنوات الماضية.

مصدر الصورة صورة بالأقمار الصناعية التقطت عام 2013، تُظهر مساحة المدرسة كجزء متصل ومدمج بالكامل داخل سور مجمع "سيد الشهداء" العسكري وتطوقه أبراج الحراسة (غوغل إيرث – الجزيرة)

تظهر الصور أن مبنى المدرسة والمحيط الخاص به كانا جزءا متصلا ومندمجا ضمن المجمع العسكري الرئيسي. كان السور الخارجي غير منقطع، والمجمع محاط بـ 5 أبراج حراسة أمنية تتوزع على زوايا المجمع بالكامل. لم تكن هناك سوى بوابة دخول رئيسية واحدة تخدم المجمع بأكمله، وشبكة الطرق الداخلية كانت تتصل بجميع المباني دون حواجز.

ويمكن القول بقدر من الثقة إنه في عام 2013 كان الموقع يُستخدم بشكل حصري باعتباره ثكنة عسكرية ذات طابع أمني صارم. إذ لم يكن هناك أي مؤشر على استخدام مدني مستقل لأجزاء من المجمع.

"منذ عام 2016 تم فصل مبنى المدرسة بشكل محكم وواضح عن المربع العسكري وفتح ثلاث بوابات خارجية لخدمة الطلاب والموظفين على الشارع العام".

لكن هذا الأمر تغير جذريا في عام 2016. إذ ترصد صور الأقمار الصناعية بتاريخ 6 سبتمبر/أيلول 2016 نقطة التحول الرئيسية. حيث تم استحداث وبناء أسوار داخلية جديدة قامت بفصل منطقة مبنى المدرسة بشكل تام ومحكم عن باقي أجزاء المربع العسكري. تزامناً مع ذلك، تم تفكيك وإزالة برجين من أبراج الحراسة التي كانت تشرف على هذا المربع. الأهم من ذلك، تم فتح ثلاث بوابات خارجية جديدة تفتح مباشرة على الشارع العام لخدمة دخول وخروج الطلبة والموظفين.

مصدر الصورة لقطة جوية من عام 2016 توثق نقطة التحول الجذري؛ حيث تم بناء أسوار عازلة وفتح 3 بوابات خارجية مستقلة لفصل مبنى المدرسة تماماً عن الثكنة العسكرية (غوغل إيرث – الجزيرة)

ويوثق هذا التعديل الجذري عملية البناء والإخراج الرسمي للمبنى من منظومة الثكنة العسكرية وتحويله لغرض مدني مستقل بمداخل خاصة لا تمر عبر نقاط التفتيش العسكرية وتبعد عنها مسافة تتراوح بين 200 إلى 300 متر.

إعلان

ويتأكد الاستخدام المدني مع مرور الوقت. إذ تُظهر صور التقطت في 5 مايو/أيار 2018 نشاطاً مدنياً كثيفاً. حيث يمكن رصد سيارات مدنية تصطف عند المداخل الخارجية الجديدة. كذلك، تم تجهيز الساحة الداخلية بملعب رياضي للأطفال، وطُليت الأسوار الداخلية بألوان متعددة ورسومات جدارية زاهية تتناسب مع الفئة العمرية للطلاب.

صورة بالأقمار الصناعية عام 2018 تؤكد الاستخدام المدني للموقع، حيث يظهر ملعب رياضي للأطفال واصطفاف لسيارات مدنية أمام البوابات الخارجية للمدرسة (غوغل إيرث – الجزيرة)

ويُمكن اعتبار هذا التوثيق تأكيدًا بصريًا قاطع على تشغيل المبنى كمدرسة ابتدائية بكامل طاقتها. فهذه المظاهر (مثل الملعب، والرسومات على الحوائط، ووجود السيارات المدنية) هي التي ظهرت لاحقاً في الفيديوهات التي وثقت اقتحام الأهالي للمدرسة يوم الفاجعة للبحث عن بناتهم.

مستوصف "الشهيد أبسالان" كقرينة إثبات

لإثبات أن الجهة المهاجمة كانت (أو كان يجب أن تكون) على دراية دقيقة بتفاصيل التقسيمات الحديثة للموقع، قمنا بتتبع المشاريع العمرانية الأحدث في نفس المنطقة.

في 14 يناير/كانون الثاني 2025 (أي قبل عام واحد فقط من الهجوم)، زار القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، مدينة ميناب لافتتاح "مستوصف الشهيد أبسالان التخصصي" (درمانگاه تخصصی شهید آبسالان). هذا المستوصف، الذي كلف 100 مليار تومان إيراني، (أي قرابة 2 مليون دولار) بُني على مساحة 5700 متر مربع في زاوية أخرى من نفس المجمع العسكري الأصلي، وتحديداً على شارع "رسالت" لخدمة سكان شرق محافظة هرمزكان.

وتشير الأخبار التي نُشرت لتغطية افتتاح المستوصف إلى أنه جُهز بأحدث أجهزة التصوير المقطعي والموجات فوق الصوتية والمختبرات، ووُفرت فيه تخصصات طبية مدنية مثل طب الأطفال والنساء والتوليد والأسنان، ما يؤكد طبيعته المدنية.

مستوصف "الشهيد أبسالان" التخصصي المجاور للمدرسة، (أسفل الوسط باللون الأصفر) والذي افتُتح مطلع عام 2025 وفُصل بمدخل مدني مستقل، ولم يتعرض لأي أضرار خلال القصف الأخير (غوغل إيرث – الجزيرة)

وكما جرى مع المدرسة قبل سنوات، تطلّب إنشاء المستوصف إجراء عمليات عزل مكاني عن القاعدة العسكرية. فبعد افتتاح عيادات "الشهيد أبسالان" في يناير/كانون الثاني 2025، فُتحت بوابة مستقلة تربط المستوصف مباشرة بالشارع الخارجي لاستقبال المراجعين المدنيين، وأُنشئ موقف سيارات مخصص، في إجراءات تُماثل ما شهدته المدرسة حين فُصلت عن المجمع وفُتحت لها ثلاث بوابات مستقلة.

" تحوّل ما كان مجمعا عسكريا موحدا إلى ثلاثة قطاعات مستقلة يمكن تمييزها بوضوح من صور الأقمار الصناعية: مدرسة الشجرة الطيبة للبنات المفصولة منذ عام 2016 ومجمع عيادات الشهيد أبسالان منذ مطلع عام 2025، ثم مجمع سيد الشهداء العسكري".

بذلك، تحوّل ما كان مجمعا عسكريا موحدا إلى ثلاثة قطاعات مستقلة يمكن تمييزها بوضوح من صور الأقمار الصناعية: مدرسة "الشجرة الطيبة" للبنات المفصولة منذ عام 2016 ولها أسوار وبوابات خاصة بها، ومجمع عيادات "الشهيد أبسالان" التخصصية المفصول منذ مطلع عام 2025 بمدخل مدني مستقل، ثم مجمع "سيد الشهداء" العسكري الذي ظل موقعا مغلقا ونشطا.

وحين بدأ الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي صباح 28 فبراير/شباط 2026، أظهر تحليل مواقع الضربات نمطا لافتا: الصواريخ أصابت القاعدة العسكرية وأصابت المدرسة، لكنها تجاوزت مجمع العيادات التخصصية الواقع بينهما دون أن تمسّه. وهذا الاستثناء لا يمكن تفسيره بالمصادفة، إذ يشير بقوة إلى أن الجهة المنفذة كانت تعمل وفق إحداثيات وخرائط تُميّز بين مرافق المجمع المختلفة.

تحليل بصري لمواقع سقوط الصواريخ يُظهر استهداف القاعدة العسكرية (المنطقة الحمراء) والمدرسة (المنطقة الخضراء)، بينما تم تحييد مجمع العيادات (المنطقة الصفراء) بدقة (الجزيرة)

هنا يبرز التناقض الجوهري الذي يكشفه هذا التحقيق، فإذا كانت المعلومات الاستخبارية محدّثة بما يكفي لتحييد مستوصف لم يمضِ على افتتاحه سوى عام واحد، فكيف أخفقت في تمييز مدرسة ابتدائية فُصلت عن المجمع العسكري وباتت مؤسسة مدنية واضحة المعالم منذ أكثر من عشر سنوات؟ لا يترك هذا التناقض سوى احتمالين: إما أن قصف المدرسة كان نتيجة خلل استخباراتي فادح ناجم عن الاعتماد على قواعد بيانات قديمة لم تواكب التغييرات المتلاحقة في تقسيم المجمع، وإما أنه كان استهدافا مقصودا بُني على ربط يعتبر المدرسة جزءا من المنظومة العسكرية.

ادعاءات مضللة

لم تكد ألسنة الدخان تتصاعد من أنقاض المدرسة حتى بدأت حسابات على منصة "إكس" تابعة لجهات إسرائيلية أو موالية لها بتداول مقاطع فيديو وصور تزعم أن المدرسة لم تُقصف من الخارج، بل دُمرت نتيجة سقوط صاروخ دفاع جوي إيراني أخطأ هدفه وارتد إلى الأرض. وهي سردية تستنسخ التكتيك ذاته الذي استُخدم إبّان قصف المستشفى الأهلي المعمداني في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين سارعت إسرائيل إلى اتهام المقاومة الفلسطينية بالمسؤولية عن المجزرة عبر صاروخ أخطأ هدفه.

إعلان

غير أن أدوات التحقق المفتوح، وتحديداً البحث العكسي عن الصور وتحديد الموقع الجغرافي عبر المعالم البصرية، كشفت سريعا أن الصورة الأكثر تداولاً في هذه الحملة، والتي يُزعم أنها تُظهر أثر صاروخ إيراني فاشل سقط على المدرسة، لا علاقة لها بمدينة ميناب من الأساس.

فعند مطابقة التضاريس والمعالم الظاهرة في الصورة، ولا سيما الجبال المكسوة بالثلوج في الخلفية، مع صور الأقمار الصناعية، تبيّن أنها تعود إلى حادثة وقعت في محيط مدينة زنجان شمال غربي إيران، على بعد نحو 1,300 كيلومتر من ميناب.

والمفارقة أن طبيعة الموقعين وحدها كافية لدحض الادعاء، فميناب مدينة ساحلية في أقصى الجنوب الشرقي تطل على بحر عمان ومضيق هرمز، ذات مناخ استوائي ولا أثر فيها لأي تساقط ثلجي، بينما زنجان مدينة جبلية في الشمال الغربي تكسوها الثلوج شتاءً.

وقد قالت مصادر إيرانية أن ما وقع في زنجان في ذلك اليوم كان عملية اعتراض ناجحة نفّذتها وحدات الدفاع الجوي التابعة لقوات الحرس الثوري، أسقطت خلالها طائرتين مسيّرتين معاديتين. ولم يتسن التأكد من هذه المعلومة بشكل مستقل.

ولا تُعدّ حادثة مدرسة ميناب استثناء في سجل استهداف المنشآت المدنية من قبل الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، بل تندرج ضمن نمط موثّق يمتد عبر عقود من العمليات العسكرية والاعتداءات يتكرر فيه المشهد ذاته من ضربات تطال مدارس ومستشفيات وملاجئ مدنية، يعقبها إنكار فوري أو إلقاء المسؤولية على الطرف الآخر، قبل أن تكشف التحقيقات المستقلة لاحقاً كذب الادعاءات الرسمية.

"لا تُعدّ حادثة مدرسة ميناب استثناء في سجل استهداف المنشآت المدنية من قبل الجيشين الأمريكي والإسرائيلي".

ففي أبريل/نيسان 1970، قصفت مقاتلات "فانتوم" إسرائيلية مدرسة بحر البقر الابتدائية في محافظة الشرقية المصرية، فقتلت 46 طفلاً من أصل 130 كانوا في فصولهم الدراسية صباحاً. ادّعت إسرائيل أن المدرسة كانت منشأة عسكرية مصرية، و صرّح حينها وزير الدفاع موشيه ديان بأن "المصريين ربما وضعوا تلاميذ مدرسة ابتدائية في قاعدة عسكرية". لكن طياراً إسرائيلياً شارك في الغارة وأُسر خلال حرب أكتوبر 1973 كشف أنها كانت هجوماً متعمداً وأنهم كانوا يعلمون أنها مجرد مدرسة.

وفي فبراير/شباط 1991، أسقط سلاح الجو الأمريكي قنبلتين "ذكيتين" على ملجأ العامرية المدني في بغداد، فقتل ما لا يقل عن 408 مدنيين، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن. أعلنت واشنطن أن المنشأة تحوّلت إلى مركز قيادة عسكري، غير أن منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية لاحقًا أثبتت أن الملجأ كان يحمل علامات واضحة تدل على أنه ملجأ عام وأن أعدادا كبيرة من المدنيين كانت تستخدمه طوال فترة القصف الجوي.

وفي أبريل/ نيسان 1996، استهدف الجيش الإسرائيلي بالمدفعية مقر الكتيبة الفيجية التابعة لقوات "يونيفيل" الدولية في بلدة قانا جنوب لبنان، حيث كان نحو 800 مدني لبناني يحتمون داخل المجمع الأممي. سقط 106 قتلى وأكثر من 116 جريحاً. ادّعت إسرائيل أنها كانت تغطي وحدة خاصة تعرّضت لنيران هاون من جوار المجمع، لكن تحقيقاً أممياً خلص لاحقاً إلى أن القصف الإسرائيلي كان متعمدا، مستندا إلى تسجيلات مصوّرة تُظهر طائرة استطلاع إسرائيلية بدون طيار فوق المجمع قبل بدء القصف.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2015، قصفت طائرة أمريكية من طراز "AC-130" مستشفى تابعًا لمنظمة أطباء بلا حدود في مدينة قندز الأفغانية، فقتلت 42 شخصاً بينهم 24 مريضاً و14 من كوادر المنظمة. وكانت المنظمة قد أبلغت جميع أطراف النزاع بإحداثيات المستشفى مسبقاً. تبدّلت الرواية الأمريكية عدة مرات من وصف الضربة بأنها بـ"أضرار جانبية"، إلى الادعاء أن القوات الأفغانية طلبتها، قبل أن يعترف القائد الأمريكي بأن القرار كان أمريكيا بالكامل.

أما في قطاع غزة، فقد بلغ استهداف المنشآت التعليمية مستوى غير مسبوق منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. فبحلول ربيع عام 2025، كانت 778 مدرسة من أصل 815 في القطاع قد دُمرت جزئيًا أو كليا، أي نحو 95.5% من مجمل المدارس. وأفادت وكالة الأونروا بأن نحو مليون نازح لجأوا إلى مدارسها التي تحوّلت ملاجئ، ومع ذلك قُتل ما لا يقل عن 1000 شخص وأصيب 2,527 آخرون داخل هذه المدارس حتى يوليو/تموز 2025. كما وثقت مصادر صحفية أن الجيش الإسرائيلي أنشأ "خلية ضربات خاصة" لاستهداف المدارس بشكل منهجي، مصنّفاً إياها باعتبارها "مراكز ثقل".

عودة إلى مدرسة ميناب، إذ تُشير شهادة "شيفا أميليراد"، الممثلة عن المجلس التنسيقي لنقابات المعلمين الإيرانيين، لمجلة التايم الأمريكية، إلى أن قرار إخلاء المدرسة تم اتخاذه فور بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، لكن الوقت بين التحذير الذي أطلقته السلطات الإيرانية (بعد رصد الهجمات على المدينة) ولحظة سقوط الصاروخ كان قصيراً جداً، ولم يتمكن معظم الأهالي من الوصول لاستلام بناتهم.

كما أكدت أن القدرة الاستيعابية لثلاجات الموتى في المستشفيات نفدت، مما اضطر السلطات لاستخدام شاحنات التبريد المتنقلة لحفظ جثامين الفتيات الصغيرات، حيث فقدت بعض العائلات أكثر من طفلة في نفس الحادثة.

استشهاد طفلة إيرانية في قصف إسرائيلي لمدرسة إبتدائية في مدينة ميناب المصدر: فارس

إن قدرة المهاجمين على استثناء مرافق مستحدثة مجاورة (مثل مستوصف الشهيد أبسالان) وفشلهم الذريع في تجنب مدرسة ابتدائية تعمل بكامل طاقتها وتغص بـ 170 طفلة، يضعنا أمام سيناريوهين كلاهما يحمل إدانة قاطعة: فإما أن القوات الأمريكية والإسرائيلية اعتمدت في استهدافها لمحيط "لواء عاصف" على بنك أهداف استخباراتي قديم جداً وغير مُحدث (يعود لما قبل عام 2013)، وهو ما يمثل إهمالاً جسيماً واستهتاراً بأرواح المدنيين، أو أن القصف تم عن عمد ومعرفة مسبقة بهدف إحداث أقصى درجات الصدمة المجتمعية وضرب الحاضنة الشعبية للمؤسسة العسكرية الإيرانية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا