في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في 22 فبراير/شباط الحالي أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تكهنات واسعة بقوله إن إسرائيل تعمل على إنشاء "تحالف سداسي" حول الشرق الأوسط يضم الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وأفريقية وآسيوية لم يسمها، وأنه سيعمل على تطويره خلال زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى تل أبيب التي بدأت اليوم الأربعاء، ما يبشر بخارطة جديدة للتحالفات في المنطقة.
وصل مودي بدوره للقاء نتنياهو حاملا أجندته الخاصة، مع خارطة للتحالفات الهندية تقع إسرائيل في قلبها. تعد هذه الزيارة الثانية لمودي لإسرائيل منذ وصوله للسلطة بعد زيارته الأولى عام 2017، وقد كان ولا يزال رئيس الوزراء الهندي الوحيد الذي زارها منذ استقلال الهند. وترتبط هذه الزيارات واللقاءات بأفكار ومواقف وتحالفات، في نيودلهي وتل أبيب كلتيهما، تمس جغرافيا المنطقة العربية، وربما أمنها بصورة مباشرة.
فقد كتب جوناثان أديري، مستشار الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، مقالا بعنوان "تحالفات من الهند حتى كوش: إسرائيل تترك السياج وتعود لتشكيل المنطقة"، في صيغة مستقاة من العهد القديم تشير إلى أقصى اتساع جغرافي للإمبراطورية الفارسية قبل الميلاد، حين امتدت من حدود الهند شرقا وحتى بلاد النوبة المعروفة بـ "كوش" آنذاك في جنوب مصر. وقال أديري في مقاله إن "الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة التي تعيد تشكيل الإقليم تضع إسرائيل في قلب منظومة تحالفات ترتكز على أربعة محاور مركزية: الهند شرقا، وإثيوبيا جنوبا، وأذربيجان شمالا، واليونان وقبرص غربا، في مواجهة تركيا التي رسخت وجودا عسكريا واقتصاديا في ليبيا والصومال، وتطمح إلى استكمال مثلث نفوذ عبر سوريا".
ثم أضاف أديري في حديثه عن مودي قائلا إنه "يتبنى عقيدة بحرية بعيدة المدى، تقوم على بناء أقوى أسطول في فضاء المحيط الهندي، بهدف ضمان الهيمنة الهندية على طرق التجارة الحيوية الممتدة من مضيق هرمز إلى مداخل البحر الأحمر في جيبوتي وأرض الصومال". وتعليقا على زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إثيوبيا في ديسمبر/كانون الأول الماضي قال أديري إن تلك الزيارة "منحت زخما للعلاقات الهندية الإسرائيلية وكانت محركا لمحور يمتد من الهند إلى كوش (وادي النيل)، يهدف إلى كبح التمدد التركي وإنشاء توازن جيوسياسي جديد".
وربما يقول قائل إن أحلام أديري تلك تعبر عن رغبات إسرائيلية أكثر منها طموحات هندية، لكن سمير بتاشاريا الذي يعمل لدى "مؤسسة أوبزرفر للأبحاث" (ORF) في نيودلهي، وثيقة الصلة بوزارة الدفاع الهندية، كتب هو الآخر في دراسة بعنوان "مناورة أرض الصومال: محاولة الهند لكسب النفوذ على رقعة الشطرنج في البحر الأحمر" إن أرض الصومال بموقعها على السواحل الغربية للمحيط الهندي يمكن أن تكون بمثابة حجر الزاوية الاستراتيجي للهند عبر إنشاء قاعدة بحرية في مدينة بربرة، تمكن الهند من بسط نفوذها وحماية مصالحها وموازنة الوجود الصيني في المنطقة، لا سيما بعد أن أنشأ جيش التحرير الصيني قاعدة عسكرية في جيبوتي". وبذلك تلتقي مصالح الهند مباشرة مع مصالح إسرائيل التي اعترفت رسميا باستقلال أرض الصومال نهاية العام الماضي.
لا تقف هذه المصالح المشتركة عند حدود إثيوبيا وأرض الصومال. تروج مراكز الدراسات الهندية مؤخرا لمشروع "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC) المار بميناء حيفا في فلسطين المحتلة، والذي يهدف لربط الهند بالأسواق الأوروبية. وهنا نشير إلى أن مودي التقى في أواخر يناير/كانون الثاني 2026 كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، وشهد توقيع اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي بعد مفاوضات استمرت عقدين، فضلا عن توقيع شراكة أمنية دفاعية للتعاون في الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والأمن السيبراني.
تُعَد الهند أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، بإجمالي 1.4 مليار نسمة، ورابع أكبر اقتصاد عالميا. وقد برزت رؤيتان داخل الهند لدورها العالمي على مدار تاريخها الحديث، على حد وصف "معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية" (EUSS). الأولى طرحها رئيس وزراء البلاد جواهر لال نهرو بعد الاستقلال عام 1947، وتقوم على اعتبار الهند حضارة تلعب دور الجسر بين الشرق والغرب، وبين القوى العظمى وآسيا، فضلا عن كونها مجتمعا متعدد الأديان، مما يعني أن قوتها تكمن في قدرتها على التوفيق بين الاتجاهات والانتماءات المختلفة.
في المقابل، توجد رؤية أخرى صيغت وفق أيديولوجية "هِندوتفا"، التي تستلهمها الحركات القومية الهندوسية، ومنها حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند بزعامة رئيس الوزراء مودي. ووفق هذا التصور، فإن الهند موطن غالبية الهندوس في العالم في المقام الأول، ومن ثم ينبغي أن تتبوأ دورها العالمي بوصفها حضارة عظيمة ودولة تمثل الهندوس عالميا، وانبثاقا من هذه الرؤية طرح مودي مبادرة "الهند المكتفية ذاتيا"، المرتكزة إلى مبادئ السيادة والشمولية والابتكار.
تتقاطع الرؤيتان في مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي"، الذي يعني أن على الهند أن تركز على مصلحتها الذاتية، وتستقل عن الآخرين في قراراتها الأمنية، مما دفعها -مثلا- لتمديد اتفاقية التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة العام الماضي لمدة عشر سنوات إضافية رغم التوتر مع إدارة الرئيس ترامب بسبب الجمارك المرتفعة التي فرضها على الهند، مع استمرار استيرادها للنفط بسعر مخفض من روسيا في الوقت ذاته.
هذه النزعة الاستقلالية تغذيها صراعات الهند المستمرة مع الدول المجاورة، خاصة الصين التي تطالب بنحو 90 ألف كيلومتر مربع من ولاية أروناتشل برادش الهندية، وكذلك الصراع المزمن مع باكستان حول كشمير منذ الاستقلال. وفي هذه الصراعات، ركزت الهند تاريخيا على التهديدات البرية المباشرة، لا سيما أن خبرتها العسكرية تشكلت عبر صراعات برية مع الجيران المباشرين على حدودها في الشرق والغرب، حيث تتمتع بكين بأفضلية نسبية ناتجة عن الموقع المرتفع والتفوق العسكري في المناطق الجبلية.
غير أن تصاعد النفوذ الصيني في المحيط الهندي دفع نيودلهي إلى توسيع أفقها الاستراتيجي خارج الإطار القاري، فتنامت طموحاتها البحرية استجابة لهذا التمدد، مما تجلى في النسخ المتعاقبة من العقائد البحرية الهندية أعوام 2004 و2009 و2015، قبل أن يتبلور أكثر مع إطلاق سياسة "الأمن والنمو للجميع في المنطقة" (SAGAR) عام 2015، التي هدفت إلى تعزيز القدرات البحرية الهندية وترسيخ حضورها كفاعل أمني في المحيط الهندي.
كثفت الهند استثماراتها في الأدوات اللازمة للعب دور أمني أكبر في المنطقة، فحافظت على نشر أصول بحرية باستمرار في خليج عدن ضمن عمليات مكافحة القرصنة منذ عام 2008، ووسعت نطاق تعاونها الدفاعي مع العديد من الدول الأفريقية المطلة على المحيط الهندي، خاصة في ظل المخاوف من توظيف الصين لاستثماراتها في الموانئ وقاعدتها العسكرية في جيبوتي لأغراض عسكرية. وقد ترجمت هذه المقاربة عمليا عبر إجراء أول مناورة بحرية ثلاثية بين الهند وتنزانيا وموزمبيق عام 2022 قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا، عقب الحوار الدفاعي الهندي–الأفريقي الذي عقد في ولاية غوجارات الهندية.
كما زودت الهند موريشيوس بثماني محطات رادار للمراقبة الساحلية بمدى يصل إلى 50 كيلومتراً، وربطتها بمركز دمج المعلومات لمنطقة المحيط الهندي، كما نشرت ستة أنظمة مماثلة في جزر سيشيل. ويعزز هذا الانتشار قدرة الهند على جمع المعلومات، ويدعم شبكات القيادة والسيطرة والاستخبارات البحرية الهندية.
إلى جانب البعد العسكري، لعبت الدبلوماسية البحرية دورا مكملا عبر تكثيف زيارات سفن البحرية الهندية إلى موانئ شرق أفريقيا، مما أسهم في رفع قابلية التشغيل البيني مع القوات البحرية الأفريقية. وتستند هذه الشراكات إلى روابط بشرية أيضا، حيث يشغل ضباط من أصول هندية مناصب رفيعة في القوات البحرية في موريشيوس وسيشيل، فضلا عن توليهم أدوارا استشارية في مجالي الأمن القومي والأمن البحري.
يقودنا ذلك إلى إقليم أرض الصومال الذي تمتد سواحله لنحو 850 كيلومترا بطول خليج عدن وتخوم البحر الأحمر، وقد قدرت شركة المسح الزلزالي النرويجية "تي جي إس" (TGS) أن حوض الصومال قد يحتوي على نحو 30 مليار برميل من احتياطيات النفط، وهو ما أعاد طرح إقليم أرض الصومال ضمن مربع واعد للطاقة في شرق أفريقيا. بشكل معتاد، تنتشر البحرية الهندية حول هذه المنطقة عبر زوارق دورية وسفن حربية لمكافحة القرصنة، أما الجديد في هذا الملف فهو التقارب الهندي مع إسرائيل وإثيوبيا، وتأثيره على نظرة نيودلهي لأرض الصومال.
تشير مراكز الدراسات الهندية مثل معهد "مانوهر باريكار" (Manohar Parrikar) للدراسات والتحليلات الدفاعية، ومؤسسة أوبزرفر للأبحاث (ORF)، إلى أن موقع أرض الصومال، وبالتحديد ميناء بربرة، يتيح للهند إنشاء ترتيبات بحرية ولوجستية تمنحها قدرة أفضل على مراقبة خليج عدن وممرات البحر الأحمر، مما يساعدها في موازنة النفوذ الصيني، وبالأخص في ظل اعتراف أرض الصومال بتايوان منذ عام 2020، وإعلان الجانبين إقامة علاقات رسمية، وهي خطوة تراها بكين تهديدا لها ولمصالحها في المنطقة.
يتعزز هذا البعد مع استثمار دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي حليف مقرب للهند في توسيع ميناء بربرة والمنطقة الحرة في أرض الصومال، إضافة إلى تطوير ممر "بربرة – أديس أبابا"، بما يحول الميناء إلى عقدة لوجستية تخدم دولة حبيسة بحجم إثيوبيا، وتعمل في الوقت نفسه بمثابة نقطة ارتكاز لبناء نفوذ هندي على طول الساحل الشرقي لأفريقيا، جامعة بين المصالح الاقتصادية والترتيبات الأمنية في مواجهة التمدد الصيني.
كما أن العلاقات التجارية القائمة بين الهند وأرض الصومال، التي تشمل استيراد الإقليم غير المعترف به دوليا لسلع هندية متنوعة تشمل المواد الغذائية والملابس والسيارات، تجعل الهند من أبرز الشركاء من حيث حجم الشحن بالحاويات، مما يوفر أساسا اقتصاديا للتقارب بين الجانبين، وقابلية للاندماج في شبكة الشراكات التي تربط نيودلهي بكل من أبوظبي وأديس أبابا، وهما فاعلان انضما عام 2023 إلى مجموعة "بريكس" (BRICS)، وشريكان مهمان للهند على العديد من الأصعدة.
بعيدا عن الساحل الشرقي الأفريقي، يتبلور التقارب الهندي-اليوناني قرب البحر المتوسط، مع إدماج نيودلهي لأثينا في رؤيتها للأمن البحري وسلاسل الإمداد. وقد تعززت العلاقات بين البلدين عقب زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي إلى أثينا عام 2023، وهي الأولى لرئيس وزراء هندي إلى اليونان منذ 40 عاما. ويرتكز أساس الشراكة بين البلدين على تفاهمات سياسية متبادلة حول كشمير وقضية قبرص في مواجهة كل من تركيا وباكستان.
تحقق هذه العلاقة فوائد متبادلة للبلدين، فمن ناحية، تمنح أثينا نيودلهي قناة تأثير داخل منظومات صنع القرار الأوروبية، وفي المقابل تكسب اليونان شريكا آسيويا يوازن علاقاتها مع القوى الكبرى، فضلا عن التعاون بينهما في الأنشطة البحرية والتجارة. فاليونان -التي انضمت إلى مبادرة الهند للمحيطين الهندي والهادئ- يمنح موقعها كبوابة لأسواق الاتحاد الأوروبي عبر ميناء بيرايوس منفذا لوجستيا مباشرا للهند إلى أوروبا. كما تندرج اليونان ضمن الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي السابق بايدن عام 2023.
أمنيا، وقعت الهند مع اليونان مذكرة تفاهم بشأن التعاون الدفاعي عام 1998، وقد شاركتا معا في مناورات بحرية مشتركة في البحر المتوسط. أما لوجستيا، فيكتسب المحور الهندي اليوناني وزنا إضافيا من موقع اليونان في الشحن العالمي، حيث تسيطر خمس دول تشمل اليونان واليابان والصين وسنغافورة وهونغ كونغ على 53% من حمولة السفن عالميا، وتخدم السفن اليونانية أكثر من 22% من واردات وصادرات الولايات المتحدة، وأكثر من 20% من التجارة الأوروبية، و32% من التجارة الآسيوية.
في المقابل، تسعى الهند إلى تعزيز قاعدتها الصناعية وسلاسل توريدها، مما يفتح مجالا لتعاون البلدين في بناء السفن وصيانتها، وتدريب البحارة، وتطوير البنية التحتية الداعمة للشحن. ويكتسب هذا التعاون بعدا تنافسيا في مواجهة توسع الصين في إدارة موانئ في أكثر من 43 دولة حول العالم، مما يمكنها من الهيمنة على سلسلة التوريد العالمية.
يقوم محور نيودلهي-أثينا إذن على تقاطع المصالح البحرية والتجارية والأمنية، ويُدرج الهند كفاعل ممتد من المحيط الهندي إلى شرق المتوسط، ما يمنح الطرفين مساحة حركة أكبر في بيئة تنافسية، تواجه فيها أثينا منافسة تركيا، وتواجه فيها دلهي منافسة الصين، وكل ذلك في خضم إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والأمن البحري بطول أوراسيا والمحيط الهندي والبحرين الأحمر والمتوسط.
مصدر الصورة
الطريق بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط (الجزيرة)
يأتي تحالف الهند مع أرمينيا مكملا لتحالفها مع اليونان. اندفعت الهند إلى تعميق تقاربها مع كلا البلدين في مواجهة تكتل "الإخوة الثلاثة" المشكل من تركيا وباكستان وأذربيجان. ففي ظل تدهور العلاقات بين أرمينيا وروسيا، رأت يريفان أن عضويتها في منظمة الأمن الجماعي بقيادة روسيا لم تترجم إلى ضمانات فعلية أثناء حرب قره باغ، مما دفع القيادة الأرمنية إلى تعليق مساهماتها المالية وتجميد عضويتها في المنظمة، والبحث عن شركاء آخرين.
برزت الهند بوصفها موردا دفاعيا بديلا لأرمينيا مكان روسيا، رغم أن أرمينيا تقع على الجهة المضادة لتحالفات إسرائيل في منطقة جنوب القوقاز نتيجة التحالف الوثيق بين الدولة العبرية، وبين أذربيجان الخصم اللدود لأرمينيا. ومنذ 2022، تحولت أرمينيا إلى أكبر سوق للصادرات الدفاعية الهندية، مع تبادل تعيين ملحقين عسكريين في كلا البلدين عامي 2023 و2024، وتوقيع صفقات أسلحة نوعية شملت أنظمة رادار وراجمات صواريخ ومدافع عيار 155 ملليمتر وأنظمة دفاع جوي ومنظومات مضادة للمسيرات، وهو ما تقاطع مع دعم أرمني سياسي للموقف الهندي في كشمير، في مقابل دعم أذربيجاني لباكستان صاحبة العلاقات القوية بتركيا.
يتقاطع التقارب الهندي–الأرمني بشكل وثيق مع مصالح إيران في منطقة القوقاز، وهي حليف آخر قديم للهند. وقد اقترحت الهند ممرا دوليا يدعى ممر "الشمال–الجنوب" يمتد من إيران عبر أرمينيا وجورجيا إلى روسيا. ويمنح هذا الممر أرمينيا وصولا إلى موانئ تشابهار وبندر عباس في إيران لتعزيز التجارة مع الهند. كما تتكامل هذه الصيغة مع تعاون دفاعي أرمني متزايد مع فرنسا، مما فتح المجال أمام تنسيق رباعي يضم الهند واليونان وفرنسا وأرمينيا.
في المقابل، عزز محور تركيا–باكستان–أذربيجان تفوقه أثناء حرب قره باغ الثانية بما أعاد رسم ميزان القوى الميداني. وهكذا تحولت منطقة جنوب القوقاز إلى ميدان لصراعات أكبر تتجاوز الإقليم، ومنح الهند فرصة لتعزيز حضورها عبر تصدير السلاح، وشراكات الربط اللوجستي، والتنسيق السياسي ضد خصمها اللدود باكستان.
بالعودة مجددا إلى إسرائيل، تطورت العلاقات الهندية الإسرائيلية بوتيرة متسارعة منذ تأسيسها رسميا عام 1992. ففي المجال العسكري، أصبحت الهند أكبر سوق لصادرات السلاح الإسرائيلي في الفترة بين عامي 2020–2024 وفقا لبيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI)، مستحوذة على نحو 34% من صادرات الأسلحة الإسرائيلية، مقابل تغطية إسرائيل قرابة 13% من واردات الهند العسكرية، مما يعكس درجة عالية من الاعتماد الهندي على إسرائيل في مجالات التكنولوجيا العسكرية، ولا سيما الطائرات المسيرة، وأنظمة المراقبة، والدفاع الجوي، ومكافحة الإرهاب.
هذا التقارب في صفقات التسليح تطور إلى تعاون عملياتي، وتجلى في مشاركة القوات الجوية الهندية لأول مرة في تمرين "العلم الأزرق 2017" على الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب الولايات المتحدة ودول أوروبية. وقد وفر هذا التمرين منصة لدمج الخبرات الإسرائيلية في القتال الجوي ضمن العقيدة الجوية الهندية، في وقت تسعى فيه نيودلهي إلى تحديث قدراتها لمواجهة التهديدات على حدودها مع الصين وباكستان.
على المستوى الجيوسياسي، اكتسبت العلاقة بعدا إضافيا مع دخول الهند ترتيبات إقليمية تشارك فيها إسرائيل، أبرزها مجموعة "I2U2" التي تأسست عام 2022 وتضم معهما الولايات المتحدة والإمارات. وتتيح هذه المجموعة للهند الاستفادة من جغرافيا الأراضي المحتلة كبوابة لشرق المتوسط، سواء في مشاريع البنية التحتية أو في المبادرات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا، بينما يمنح "الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" أو "ممر بايدن" إسرائيل دور نقطة الارتكاز في الربط بين مومباي وأوروبا عبر ميناء حيفا، ويعزز مكانتها شريكا لوجستيا للهند.
اقتصاديا وأمنيا، مثل حصول شركة "أداني" الهندية على عقد إدارة محطة في ميناء حيفا، بدلا من شركات صينية، مؤشرا على تلاقي المصالح الهندية الإسرائيلية مع التحفظات الأمريكية تجاه الحضور الصيني في البنى التحتية الحساسة. وقد عكس هذا التطور انتقال العلاقة الهندية الإسرائيلية من طور تبادل المصالح الثنائية إلى التموضع المشترك داخل شبكة الترتيبات التي تقودها واشنطن، دون أن تفقد الهند هامش الاستقلال الاستراتيجي الذي يؤطر سياستها الخارجية.
تكشف التحركات الهندية الممتدة من القرن الإفريقي إلى شرق المتوسط وجنوب القوقاز عن إعادة تموضع تتجاوز منطق الشراكات الثنائية، وتتجه نحو بناء شبكة نفوذ تقوم على الربط بين الأمن البحري وسلاسل الإمداد والتعاون الدفاعي والتموضع اللوجستي، وذلك لتحقيق عدة أهداف، في مقدمتها موازنة التمدد الصيني خاصة في المحيط الهندي، وتجاوز باكستان والوصول إلى روسيا وآسيا الوسطى عبر إيران، وتوسيع نطاق الحضور الهندي غربا بوصفها قوة بحرية قادرة على التأثير في ممرات التجارة والطاقة التي تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا.
ومن ثم، تتقاطع الرؤية الهندية مع مصالح عدة أطراف، من إسرائيل واليونان إلى إثيوبيا وأرمينيا. ولكن هذا التوسع يضع الهند في تماس مباشر مع حساسيات جيوسياسية لدول أخرى، كما يدفعها نحو ساحات تنافس معقدة تشهد صراعات تكسير عظام.
إن انتقال نيودلهي من قوة قارية منشغلة بحدودها البرية إلى فاعل بحري يسعى إلى إعادة تشكيل بيئة الأمن والربط الاقتصادي عبر أوراسيا، ستكون له تداعيات مباشرة على توازنات القوى الإقليمية، وعلى أمن العالمين العربي والإسلامي، وربما يدفع الهند للانخراط في صراعات محاور تضع سياسة الاستقلال الاستراتيجي الهندي تحت ضغوط شديدة، خاصة في ظل تهديدات بضربة أمريكية على إيران، الصديقة القديمة والمستقرة للهند، بدعم من إسرائيل، صديقتها الجديدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة