تتسارع مؤشرات التصعيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، في ظل التقارير عن حشد جوي واسع ونشر قدرات متقدمة للإنذار المبكر وإدارة المعارك.
وكشف موقع "ذا وور زون" المتخصص في الشؤون العسكرية أن إرسال نحو 40% من أسطول طائرات "إي-3 سنتري" للإنذار المبكر والتحكم الجوي يُعدّ من أوضح الإشارات إلى أن القطع الأخيرة لحملة جوية محتملة ضد إيران بدأت تأخذ مواقعها العملياتية.
وبالتوازي، أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن صور أقمار صناعية وبيانات تتبع رحلات جوية أظهرت نقل عشرات الطائرات المقاتلة الأميركية إلى قاعدة موفق السلطي في الأردن، في تحرك يعكس مستوى استعداد عملياتي متقدم. ويأتي نشر طائرات "إي-3"، التي توصف بأنها "غرفة عمليات طائرة" تدير المعركة من الجو، ليمنح هذا الحشد بعدا تنظيميا وقياديا يتجاوز مجرد تعزيزات قتالية تقليدية.
بحسب "ذا وور زون"، فإن نشر ست طائرات من أصل 16 طائرة "إي-3" متبقية في الخدمة يمثل 37.5 في المئة من إجمالي الأسطول، وهي نسبة مرتفعة للغاية في أي قوة جوية. غير أن الأهمية لا تكمن فقط في النسبة الحسابية، بل في واقع أن الأسطول يعاني من انخفاض الجاهزية التشغيلية.
فخلال السنة المالية 2024، بلغ متوسط معدل الجاهزية التشغيلية لطائرات "إي-3" نحو 55.6 في المئة فقط، ما يعني أن عدد الطائرات القابلة فعليا للمهام في أي وقت أقل بكثير من الرقم الإجمالي. وبذلك، فإن نشر ست طائرات إلى خارج الولايات المتحدة يمثل نسبة أعلى بكثير من القوة المتاحة فعليا للعمليات.
ويأتي هذا في ظل تقلص الأسطول من 31 طائرة بين عامي 2023 و2024 إلى 16 فقط حاليا، في محاولة لتحسين الجاهزية عبر تقليص العدد. كما تواجه الطائرات تحديات صيانة كبيرة، نظرا لاعتمادها على هيكل طائرة بوينغ 707 القديمة ومحركات TF33 التي خرجت من الإنتاج منذ عقود، ما يجعل تأمين قطع الغيار والدعم اللوجستي أكثر تعقيدا.
ويرى التقرير أن هذا الانتشار يضع ضغطا إضافيا على تغطية مناطق حساسة مثل ألاسكا، وكذلك في حال اندلاع أزمة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تفرض المسافات الشاسعة تحديات كبرى على القدرة على التغطية المستمرة.
تعرف طائرة "إي-3 سنتري" بأنها محطة رادار طائرة مزودة بقبة دوارة بمدى يتجاوز 375 كيلومترا، تتيح تتبع التحركات الجوية والبحرية عبر مساحة واسعة من ساحة العمليات.
وتتميز بقدرتها على رصد التهديدات منخفضة الارتفاع، مثل الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز، وهي من أبرز أدوات الرد الإيراني المحتملة. كما تستطيع رصد الصواريخ الباليستية في مراحل معينة، ما يجعلها عنصرا محوريا في أي سيناريو تصعيد إقليمي.
غير أن دورها لا يقتصر على الرصد، إذ تضم أنظمة استشعار سلبية ومنظومة اتصالات متقدمة، وتمثل عقدة مركزية لإدارة المعركة. فهي تنسق بين الطائرات المقاتلة، وطائرات التزود بالوقود، ومنصات الاستطلاع، والقوات البحرية، وتوفر صورة عملياتية مشتركة للقادة في الجو وعلى الأرض.
ويضم طاقمها أربعة أفراد للقيادة، إضافة إلى ما بين 13 و19 مختصا في المهام، يعملون على تحليل البيانات وتوجيه المقاتلات وإدارة المجال الجوي. ويمكنها تنفيذ مهام تمتد ثماني ساعات دون التزود بالوقود، مع إمكانية إطالة زمن بقائها عبر التزود الجوي.
ووفقا لبيانات تتبع الرحلات الجوية، وصلت طائرتان من طراز "إي-3" إلى قاعدة سلاح الجو الملكي ميلدنهال في المملكة المتحدة قادمتين من قاعدة إلمندورف في ألاسكا، فيما حطت أربع طائرات أخرى في قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا بعد إقلاعها من قاعدة تينكر في أوكلاهوما.
وتظهر البيانات أن الطائرتين اللتين وصلتا إلى ميلدنهال غادرتا لاحقا باتجاه الشرق الأوسط، وسط توقعات واسعة بأن تلتحق بهما بقية الطائرات المنتشرة في أوروبا، مع ترجيحات بتمركزها في قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وهي إحدى أبرز القواعد التي تستخدمها القوات الأميركية في المنطقة.
ويمثل هذا المسار المرحلي للانتشار انتقالا مدروسا من العمق الأميركي إلى قواعد أوروبية، ثم إلى الخليج، ما يعكس ترتيبا عملياتيا منظما استعدادا لسيناريوهات محتملة.
اللافت أن ظهور طائرات الإنذار المبكر في مسارح توتر سياسي ليس حدثا تقنيا معزولا. فقد سبق أن رُصد نشاط مشابه لطائرات "إي-3" قبالة الساحل الفنزويلي في مرحلة تصاعد الضغط الأميركي على نظام الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو، قبل تحركات عسكرية أميركية بأيام.
آنذاك، أثار ظهور الطائرة على منصات تتبع الرحلات الجوية المفتوحة اهتمام محللي استخبارات المصادر المفتوحة، لأن هذا النوع من الطلعات لا يظهر عادة على تلك الأنظمة. واعتبر مراقبون أن السماح بظهورها علنا شكل جزءا من بيئة ضغط محسوبة، تمهيدا لخطوة أكبر.
ويرى محللون أن تكرار نشر طائرات "إي-3" في توقيت تصاعد التوتر مع إيران قد لا يكون مجرد تعزيز اعتيادي، بل رسالة عملياتية تعكس انتقال الاستعداد من مرحلة التخطيط النظري إلى الجاهزية التنفيذية.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع إشارات سياسية مباشرة من البيت الأبيض. فقد أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه يدرس توجيه ضربة عسكرية محدودة ضد إيران، بهدف الضغط عليها في ملفها النووي.
تصريحات ترمب جاءت في سياق حديثه عن الخيارات المتاحة، في إشارة إلى أن المسار العسكري بات جزءا من أدوات التفاوض، حتى وإن لم يصدر القرار النهائي بعد. كما تحدثت تقارير إعلامية عن أن التخطيط العسكري بلغ مستويات متقدمة، وأن السيناريوهات الموضوعة تشمل عمليات محدودة أو أوسع نطاقا.
ويشير تزامن الحشد الجوي مع هذه التصريحات إلى أن واشنطن تبقي خيار القوة مهيأ بالكامل، بانتظار القرار السياسي.
وسلط موقع "ذا وور زون" الضوء أيضا على الجدل داخل البنتاغون بشأن قرار إلغاء شراء طائرات "إي-7 ويدجتيل" التي كان يفترض أن تحل محل "إي-3". وقد تدخل الكونغرس لاحقا لإعادة البرنامج ومنع تقاعد المزيد من طائرات "إي-3" حتى نهاية السنة المالية 2026.
وكانت وزارة الحرب الاميركية قد بررت التراجع عن شراء "إي-7" بخيارات مؤقتة تشمل استخدام طائرات "إي-2 هوك آي" التابعة للبحرية، وبالتحول مستقبلا نحو قدرات إنذار مبكر فضائية. غير أن هذه القدرات لن تكون جاهزة قبل مطلع ثلاثينيات القرن الحالي، ما يثير مخاوف من فجوة تشغيلية خطيرة.
في موازاة ذلك، أفادت "نيويورك تايمز" بأن أكثر من 60 طائرة شوهدت مصطفة في قاعدة موفق السلطي في وسط الأردن، وهو عدد يزيد ثلاثة أضعاف عن الوجود المعتاد للطائرات الهجومية الأميركية في القاعدة.
وأوضحت الصحيفة أن ما لا يقل عن 68 طائرة شحن هبطت في القاعدة منذ يوم الأحد، كما شوهدت طائرات مسيرة ومروحيات، ورصدت أنظمة دفاع جوي جديدة، يرجح أنها تهدف إلى حماية القاعدة من ضربات إيرانية محتملة.
وأظهرت خريطة مباشرة لتحركات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، وجود عشرات المقاتلات من طرازي إف-35 وإف-15 في القاعدة حتى بعد ظهر السبت.
وبين نشر "غرفة العمليات الطائرة"، وتعزيز المقاتلات في الأردن، وتكثيف النقل الجوي الاستراتيجي، وتصاعد الإشارات السياسية من واشنطن، تتشكل صورة لتحرك عسكري واسع لا يقتصر على رسائل ردع تقليدية.
ويرى مراقبون أن البنية العملياتية اللازمة لأي حملة جوية محتملة باتت في موقعها، حتى وإن بقيت ساعة القرار النهائي بيد ترامب.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة