تكشف نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية الأسبوع الماضي عن أزمة سياسية عميقة في مفهوم القيادة والمساءلة، تمتد من الدول الهشة إلى الديمقراطيات الغربية التي طالما قدّمت نفسها نموذجا في الحوكمة الرشيدة.
المؤشر، الذي شمل 182 دولة وإقليما، واستند إلى 13مصدرا دوليا مستقلا، سجّل متوسطا عالميًا بلغ 42 نقطة من أصل 100، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقد. والأهم أن أكثر من ثلثي دول العالم باتت دون عتبة الـ50، ما يعني أن الفساد أصبح جزءا بنيويا من أنماط الحكم في عدد متزايد من الدول.
يتمثل التحول الأبرز في نتائج مؤشر 2025 في تسجيل الولايات المتحدة64 نقطة، في أدنى نتيجة لها منذ اعتماد المنهجية الحالية للمؤشر عام 2012.
ولا يعكس هذا التراجع، بحسب التقرير، نقصا في القوانين، بل خللا في التطبيق والمساءلة السياسية، في ظل استقطاب حاد، وتردد في ملاحقة قضايا فساد تطال مستويات عليا، ما يرسل إشارات سلبية للداخل والخارج على حد سواء.
ولا يقتصر الأمر على واشنطن. فقد استمرت المملكة المتحدة وفرنسا في التراجع، فيما فقدت نيوزيلندا موقعها المتقدم الذي حافظت عليه لسنوات طويلة. أما ألمانيا، فبقي أداؤها ثابتا نسبيا، لكن من دون أي تقدم يُذكر.
وتشير منظمة الشفافية الدولية إلى أن عدد الدول التي تتجاوز 80 نقطة تقلّص إلى خمس فقط، مقارنة بـ12 دولة قبل عقد، في مؤشر واضح على تآكل تدريجي لمعايير النزاهة حتى داخل الأنظمة الديمقراطية.
ويبدو أن المشكلة لم تعد تقنية بقدر ما هي سياسية بامتياز، يقول أركان السبلاني، كبير مستشاري برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة في البلدان العربية، في مقابلة خاصة مع “الحرة”.
”انخفاض المتوسط العالمي إلى 42 نقطة لا يعكس نقصا في المعرفة أو الأدوات، بل يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية. كثير من الدول تمتلك القوانين، لكنها لا تمتلك الشجاعة لتطبيقها عندما تطال المساءلة مراكز النفوذ”.
ويضيف أن مؤشر مدركات الفساد، رغم كونه مؤشر تصورات، يلتقط بدقة مزاج النخب الاقتصادية والخبراء تجاه أداء الحكومات، “حين تتراجع المحاسبة، ويُضعف القضاء، ويُقيد الإعلام، فإن ذلك ينعكس مباشرة في تقييمات المؤشر”.
في المنطقة العربية، لا تبدو النتائج صادمة، فبحسب السبلاني، شهدت دول مثل المغرب والعراق والأردن تحسّنا طفيفا، مقابل تراجعات محدودة في بعض دول الخليج، فيما بقيت غالبية الدول في مواقعها السابقة.
“هذا يعني أن هناك جهودا، لكن هذه الجهود ما زالت محكومة بسقف سياسي منخفض، لا يسمح بإحداث اختراق حقيقي في بنية الحكم أو في علاقة السلطة بالمحاسبة”.
ويحذّر السبلاني من الاكتفاء بالإصلاحات الشكلية، فـ”المؤشر لا يقيس النصوص القانونية بقدر ما يقيس إدارة السلطة والمال العام فعليا”.
اللافت في نتائج 2025 هو التراجع الطفيف في عدد من دول الخليج. ورغم الإمكانات المالية والمؤسسية المتاحة، سجّلت دول مثل السعودية، وعُمان، والبحرين وقطر انخفاضا، وإن كان محدودا، في درجاتها مقارنة بالعام السابق.
ويعلّق السبلاني على هذه المفارقة بالقول إن “الثراء لا يحصّن الدول تلقائيًا من الفساد. هناك دول غنية فيها فساد، ودول أقل دخلًا استطاعت أن تضبطه نسبيا. المسألة لا تتعلق بالثراء، وإنما بالحوكمة والشفافية واستقلال مؤسسات”.
وأنشأت بعض الدول الخليجية هيئات متخصصة لمكافحة الفساد. يقول السهلاني “هذا تطور مهم، لكنه لا يكون كافيا إذا لم يُواكب بتوسيع هامش المساءلة وحرية الوصول إلى المعلومات”.
في الدول العربية التي تعاني من نزاعات أو أزمات مزمنة، يعكس المؤشر مستويات متدنية من النزاهة، لكن السبلاني يحذّر من القراءة السطحية لهذه النتائج. “الفساد في الدول غير المستقرة ليس مجرد نتيجة للحرب، بل هو أيضا أحد أسباب استمرارها. الفساد يولّد الفقر، والفقر يولّد هشاشة، والهشاشة تعيد إنتاج الفساد”.
ويؤكد أن هذه الدول غالبا ما تقع في حلقة مفرغة، “غياب الاستقرار يزيد من الفساد، والفساد بدوره يقوّض أي فرصة لبناء دولة أو مؤسسات فاعلة”.
في المقابل يرفض السبلاني فكرة أن تكون المجتمعات العربية محكومة بالفساد بحكم الواقع السياسي أو الاقتصادي، “الفساد ليس قدرا محتوما، لا على الفقراء ولا على ضحايا الحروب. وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة ‘الفساد خيار، ويمكن تغييره’”.
ويعترف السبلاني بوجود تطورات إيجابية في عدد من الدول العربية خلال العقد الماضي من خلال إنشاء هيئات وطنية لمكافحة الفساد، واعتماد استراتيجيات وطنية وخطط عمل، إضافة إلى خطوات متقدمة في الرقمنة في دول مثل المغرب، وبعض أشكال المحاسبة القضائية لكبار المسؤولين.
لكنّه يضيف أن “تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد هو الحد الأدنى المطلوب، وليس سقف الطموح. المشكلة أن كثيرا من هذه الإصلاحات بقي في الإطار الإداري، ولم ينتقل إلى المستوى السياسي البنيوي”.
بحسب السبلاني، تكمن المشكلة الجوهرية في ثلاث نقاط تتكرر في معظم الدول العربية، أولها محدودية الشفافية في إدارة المال العام، وضعف استقلال القضاء والأجهزة الرقابية، وصولا إلى تشريعات معقّدة تخلق ثغرات بدل أن تسدّها. “هذه العوامل تخلق ضبابية تسمح للفساد بالتمدد، وتنعكس مباشرة في تقييمات الخبراء ورجال الأعمال الذين تُبنى عليهم نتائج المؤشر”>
في خلاصة حديثه، يوجّه السبلاني رسالة سياسية مباشرة إلى صناع القرار في المنطقة، “شعوب المنطقة تتطلع إلى الاستقرار وحياة كريمة. هذه الحياة لا يمكن أن تتحقق فقط بالمساعدات أو بالإجراءات التجميلية، لا تنمية بلا نزاهة، ولا نزاهة بلا شجاعة في اتخاذ القرار”.
المصدر:
الحرة