في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خطوة وصفها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأنها "ثورة استيطانية" للسيطرة على أراضي الضفة الغربية المحتلة، واعتبرتها السلطة الفلسطينية وحركة حماس تصعيدا خطِرا وسرقة علنية، أقرت الحكومة الإسرائيلية، اليوم الأحد، بدء عملية تسوية وتسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة باعتبارها "أراضي دولة"، وهي سابقة لم تحدث منذ احتلال الضفة عام 1967.
ما جوهر القرار؟
صدّقت الحكومة الإسرائيلية على مشروع قرار يجيز تسجيل أراض في الضفة الغربية باعتبارها "أراضي دولة"، في خطوة تفتح الباب أمام تحويل ملكية هذه الأراضي رسميا إلى السلطات الإسرائيلية.
ويمكّن القرار الحكومة الإسرائيلية من تخصيص هذه الأراضي للمستوطنين، وتمليكها للجيش الإسرائيلي وغيره من الأجهزة والمؤسسات الإسرائيلية، وهو تطور لم يكن ممكنا خلال السنوات الماضية نتيجة غياب مسار تسجيل رسمي شامل في الضفة منذ عام 1967.
ماذا يعني القرار الجديد؟
* تفويض "سلطة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية" في وزارة العدل الإسرائيلية للعمل داخل الضفة المحتلة.
* تثبيت ملكية مساحات شاسعة من الضفة الغربية باسم "دولة إسرائيل" في سجلات رسمية (طابو إسرائيلي).
* تخصيص ميزانيات وكوادر بشرية ضخمة لإنهاء "النزاعات القانونية" حول ملكية الأرض لصالح التوسع الاستيطاني.
لماذا الآن؟
يأتي هذا القرار كجزء من حزمة تشريعات وإجراءات أقرها المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنة (الكابينت) في 8 فبراير/شباط الجاري، تهدف إلى قلب الواقع القانوني في الضفة من خلال:
*
إنهاء عوائق الاستيطان: غياب التسجيل الرسمي كان يعرقل صفقات بيع الأراضي وتطوير البنية التحتية للمستوطنات بسبب الملاحقات القضائية في المحاكم.
*
تغيير قوانين الملكية: تم إلغاء القانون الأردني الذي كان يمنع الأجانب (المستوطنين) من شراء الأراضي مباشرة، وأصبح بإمكان المستوطن الشراء مباشرة دون الحاجة لشركات وسيطة.
القرار وفق القانون الدولي
وفقا للقانون الدولي، وقرار مجلس الأمن 2334، الصادر بتاريخ 23 ديسمبر/كانون الأول 2016 بأغلبية ساحقة، تعتبر هذه الإجراءات باطلة لأن "القوة القائمة بالاحتلال" لا تملك حق تغيير القوانين السارية في الأرض المحتلة أو نقل ملكية الأراضي العامة لصالح مواطنيها.
وأكد القرار عدم شرعية إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ويعد إنشاء المستوطنات انتهاكا صارخا بموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل.
تداعيات القرار: من "الضم الزاحف" إلى "الضم القانوني"
يمكن تلخيص التداعيات لهذا القرار في 4 محاور رئيسية:
*
السيادة القانونية (تجاوز الإدارة العسكرية): بإسناد المهمة لوزارة العدل الإسرائيلية بدلا من الإدارة المدنية التابعة للجيش، تخطو إسرائيل خطوة واسعة نحو معاملة الضفة الغربية كجزء سيادي من "دولة إسرائيل" وليس أرضا محتلة تدار عسكريا.
*
السيطرة الميدانية في مناطق (أ) و(ب): لم يقتصر الأمر على مناطق (ج)، بل شمل القرار توسيع صلاحيات الهدم والرقابة الإسرائيلية لتشمل مناطق (أ) و(ب) الخاضعة إداريا للسلطة بذريعة حماية الآثار والمياه والبيئة.
*
تصفية "بروتوكول الخليل": سحب صلاحيات الترخيص والبناء من بلدية الخليل في منطقة الحرم الإبراهيمي والمستوطنة المحيطة به، مما يعني إلغاء عمليا للاتفاقات الموقعة عام 1997 وتقويضا لولاية المؤسسات الفلسطينية. ويقسّم اتفاق الخليل -الذي أبرم في 17 يناير/كانون الثاني 1997- المدينة إلى قسمين: "الخليل 1″ ويتبع للسيادة الفلسطينية، و"الخليل 2" ويخضع للسيطرة الإسرائيلية ويضم أجزاء واسعة من جنوب وشرق المدينة.
*
تسهيل الاستيلاء والتهويد: فتح سجلات الأراضي للاطلاع العام يسهل على الجمعيات الاستيطانية تحديد الثغرات القانونية في ملكية الأراضي الفلسطينية (خاصة لأملاك الغائبين) والسيطرة عليها عبر صفقات "مباشرة" أو "ملتوية".
ما خطورة القرار الأخير؟
المحلل السياسي المختص بالشأن الفلسطيني سليمان بشارات حذر من أن القرارات الإسرائيلية تمثل مرحلة جديدة في مشروع الفصل بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، وهو -بحسب وصفه- "جوهر المشروع الاحتلالي الاستيطاني القائم على الإحلال وإعادة تشكيل العلاقة مع الأرض لصالح المستوطن".
وقال بشارات للجزيرة نت إن هذه المقاربة تُعزّز خطاب قادة المستوطنين القائل بأن "الأرض تعود إلى أصحابها"، وهو ما يصفه بجزء أصيل من الفكر الإحلالي الذي ترتكز عليه العقيدة الاستيطانية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن إسرائيل تسعى اليوم إلى محو المعادلة التاريخية واستبدالها بمعادلة جديدة تقوم على تصوير الفلسطيني كطرف غير مرتبط بأرضه، في حين يُقدَّم المستوطن بوصفه صاحب الحق الحصري فيها.
أي المناطق مرشحة أولا للتسجيل؟
في ما يتعلق بالميدان، أكد بشارات أن منطقة الخليل تأتي على رأس المناطق المستهدفة وفق القرارات الإسرائيلية الأخيرة، مشيرا إلى أن الحكومة الإسرائيلية تحاول إطلاق نموذج أولي هناك يمكن تطبيقه لاحقا على مختلف مناطق الضفة الغربية.
وقال إن إسرائيل تعمل -كما حدث في القدس- على نمذجة جديدة للواقع الميداني تهدف إلى إحلال هوية جديدة على حساب الهوية الفلسطينية العربية الإسلامية، وأوضح أن الاحتلال نفّذ في القدس "عملية إحلال كاملة للهوية الوجودية للمدينة"، واستبدلها بهوية يهودية استعمارية، وهو النموذج الذي تسعى إسرائيل -بحسب قوله- إلى تعميمه من الخليل وصولا إلى بقية مناطق الضفة الغربية.
ما أبعاد القرار؟
*
بعد إجرائي إداري: يرى بشارات أن قرار الاحتلال إجرائي إداري، يستهدف إعادة تنظيم الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية عبر إنشاء إدارات محلية وربط التجمعات الاستيطانية ببعضها البعض، بما يحوّلها من نقاط متفرقة إلى تكتلات منظمة ومدعومة ببنية تحتية وموارد وميزانيات كاملة.
*
بعد سياسي: أوضح بشارات أن البعد الثاني ذو طبيعة سياسية، ويهدف إلى قتل أي إمكانية لوجود مظلة سياسية فلسطينية في الضفة الغربية، مقابل تعزيز كينونة سياسية يهودية استيطانية تُشكّل نواة ما يسمى بـ"دولة المستوطنين".
*
بعد قانوني: يتمثل -وفق بشارات- في السعي إلى شطب القوانين التي كانت تحمي الحق الفلسطيني بالأرض، وعلى رأسها القانونان العثماني والأردني وسجلاتهما الرسمية، اللذان شكّلا لعقود أساس إثبات الملكية الفلسطينية.
وأشار إلى أن فتح السجلات القديمة وتغيير منظومة القوانين يمثل محاولة لإحلال القانون الإسرائيلي مكانها، بما يؤدي إلى إعادة تعريف العلاقة بين الفلسطيني وأرضه، وتوفير أدوات قانونية جديدة لنقل الملكيات إلى المستوطنين وسحب الصفة القانونية عن حق الفلسطينيين فيها.
المواقف وردود الفعل
*
الحكومة الإسرائيلية: أكد وزراء الدفاع والمالية والعدل في الحكومة الإسرائيلية أن استئناف تسوية وتسجيل الأراضي في الضفة يشكل خطوة سيادية وأمنية تهدف لترسيخ السيطرة الإسرائيلية ومنع ما وصفوه بـ"الاستيلاء غير القانوني"، وتعزيز ما أسموه بـ"ثورة الاستيطان". وشددوا على أن القرار يعمّق إدارة الدولة للأراضي ويخلق يقينا قانونيا يمكّن من تطويرها وترسيخ سيادة إسرائيل عليها.
*
السلطة الفلسطينية: اعتبرت القرار تصعيدا خطِرا وضما فعليا للضفة الغربية، وانتهاكا للقرار الأممي 2334، ومحاولة لتغيير الوضع القانوني للأرض المحتلة وفرض وقائع لا يمكن الرجوع عنها، وقالت إن هذه الإجراءات لن تغيّر من الحقيقة القانونية والتاريخية بأن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، هي أرض فلسطينية محتلة وفق القانون الدولي والشرعية الدولية.
*
حماس: اعتبرت القرار سرقة علنية واستمرارا لسياسة التغول الاستيطاني، ودعت لمواجهة هذه المخططات، وقالت إن إرادة الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه وحقوقه الثابتة ستبقى "السد المنيع" في مواجهة سياسات الاحتلال ومخططاته التوسعية.
ما الذي سيتغير غدا؟
ينهي هذا القرار حالة "المنع القانوني" التي كانت تحكم أراضي الضفة الغربية المحتلة وتمنع المستوطنين من التملّك فيها، ومن المتوقع في المرحلة المقبلة:
*
تسارع وتيرة بناء المستوطنات: حيث ستصبح الأراضي "متاحة قانونيا" وجاهزة للتسويق كعقارات رسمية، وفقا للقرار الإسرائيلي.
*
تصادم ميداني في مناطق (أ) و(ب): مع بدء دخول طواقم الرقابة الإسرائيلية للهدم والإنفاذ داخل عمق المدن الفلسطينية.
*
تآكل أكثر لمشروع حل الدولتين: فالقرار يغلق الثغرات الجغرافية التي كان يمكن أن تشكل قوام دولة فلسطينية متصلة، وهو ما يسعى له اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية.