مع قرب حلول شهر رمضان المبارك، الأربعاء أو الخميس المقبل، تعود مدينة القدس والمسجد الأقصى من جديد إلى واجهة الأحداث، إذ تشهد احتقانا متصاعدا، بسبب الإجراءات الاحتلالية التي تُفرض قبيل الشهر الكريم وخلاله على الوافدين لإحيائه داخل أولى القبلتين.
وتتضمن خطة رمضان التي أعدتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ووافق عليها وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس:
في محاولة لفهم الأبعاد السياسية والاجتماعية للإجراءات الإسرائيلية، توجهت الجزيرة نت إلى الكاتب والباحث الأكاديمي ساهر غزّاوي بـ3 أسئلة لتفكيك السياق العام واستشراف ما قد تحمله الأيام المقبلة للقدس والمسجد الأقصى:
يمكن قراءتها ضمن سياق سياسي وأمني أوسع يتكرر سنويا، لكنه يظهر هذه المرة بدرجة أعلى من التصعيد والتنظيم، فالمشهد الذي يسبق رمضان عادة ما يترافق مع حالة شحن للأجواء عبر التصريحات الرسمية والتحذيرات الأمنية، بحيث يُقدم الشهر المبارك مسبقا بوصفه فترة توتر محتملة، الأمر الذي يساهم في تهيئة الرأي العام لتقبل إجراءات استثنائية لاحقة باعتبارها ردا على "تصعيد متوقع".
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل حملة الإبعادات الواسعة التي طالت أكثر من ألف فلسطيني من القدس والداخل الفلسطيني، إلى جانب القيود المفروضة على الوصول إلى المسجد، عن سياسة استباقية تحمل أبعادا أمنية وسياسية معا، تهدف إلى ضبط الفضاء الديني والوطني في القدس خلال فترة يشهد فيها المسجد حضورا جماهيريا واسعا.
كما أن اعتقال شاب من مدينة أم الفحم وإبعاده عن المسجد الأقصى لمجرد دعوته عبر منصات التواصل إلى الاعتكاف في رمضان يعكس مستوى الحساسية الأمنية تجاه أي دعوة لتعزيز الحضور الديني في المسجد، ويؤشر إلى محاولة ضبط هذا الحضور مسبقا ضمن اعتبارات تتجاوز البعد الأمني إلى إدارة سياسية للمكان ومحيطه.
من المتوقع أن تنعكس هذه الإجراءات على البنية الاجتماعية والدينية في القدس بصورة مباشرة، إذ لا تقتصر آثارها على تقييد الوصول إلى الأقصى فحسب، بل تمتد إلى الحياة اليومية في البلدة القديمة والأحياء المحيطة به، التي تعاني أصلا وضعا اقتصاديا صعبا في ظل القيود والتضييقات المتواصلة.
فشهر رمضان يشكل -عادة- موسما دينيا واجتماعيا واقتصاديا حيويا للقدس وأسواقها، ومع تقييد حركة المصلين وتراجع أعداد الوافدين تتأثر الحركة التجارية وتتقلص مساحات التفاعل الاجتماعي المرتبطة بالمسجد الأقصى، بما ينعكس على أنماط الحضور الديني والجماعي ويضعف الدور الطبيعي للمسجد بوصفه مركزا جامعا للحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية في المدينة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية دور الفلسطينيين من أهالي الداخل، بحكم دورهم التاريخي في رفد المسجد الأقصى بالمصلين وإعماره بالوافدين، ودعم الاقتصاد المقدسي من خلال مشاريع شد الرحال والرباط والاعتكاف بمختلف أشكالها، سواء على المستوى الجماعي أو الفردي، بما يسهم في الحفاظ على الحضور الديني والاجتماعي في المسجد ومحيطه.
انطلاقا من هذا الواقع، تشير التجارب السابقة خلال المواسم الدينية إلى أن شهر رمضان يتحول غالبا إلى ساحة اختبار لحدود الإجراءات المفروضة في الأقصى، بحيث تتحدد ملامح المرحلة وفق حجم القيود الميدانية وطبيعة تطبيقها.
فاستمرار حملات الإبعاد التي تجاوزت ألف مبعد فلسطيني، إلى جانب حالات الاعتقال والإبعاد المرتبطة بالدعوة إلى الاعتكاف، كما في حالة الشاب من أم الفحم، يعكس توجها نحو ضبط الحضور الديني مسبقا، وهو ما قد يؤدي إلى احتكاكات موضعية خلال الشهر، خاصة إذا جرى توسيع القيود أو المساس بأنماط العبادة الجماعية المعتادة.
في المقابل، تبقى التهدئة ممكنة إذا جرى الحفاظ على الوضع القائم والسماح بالحضور الطبيعي للمصلين، إذ تشير التجارب السابقة إلى أن شهر رمضان بحد ذاته لم يكن سببا للتصعيد، بل إن مستوى التوتر ارتبط دائما بطبيعة السياسات والإجراءات المفروضة على المسجد الأقصى ومحيطه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة