في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أنقرة – تشهد الأوساط السياسية في تركيا حراكا لتشكيل تحالف جديد يحمل طموح كسر الثنائية التقليدية، وفتح أفق ثالث في المعادلة السياسية.
وشرعت قوى محافظة معارضة، على رأسها حزبا السعادة و الرفاه الجديد، في تحركات نشطة لإطلاق ما يُعرَف بـ"الطريق الثالث"، عبر تنسيق مع أحزاب أخرى من التيار المحافظ الديمقراطي، أبرزها حزب المستقبل بزعامة أحمد داود أوغلو، و حزب الديمقراطية والتقدم بقيادة علي باباجان.
وتشير التحركات الجارية إلى بحث صيغة تنظيمية قد تتدرج من تنسيق انتخابي واسع إلى اندماج حزبي شامل، مع احتمال انضمام حزب الجيد القومي المعارض لتوسيع القاعدة السياسية للتحالف الناشئ.
وتأتي هذه المساعي في توقيت حساس مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ومحاولة هذه الكتلة الناشئة استقطاب شريحة واسعة من الناخبين المترددين الباحثين عن بديل محافظ ديمقراطي خارج الاستقطاب التقليدي.
تسارعت وتيرة الحديث عن "الطريق الثالث" في السياسة التركية بعد إعلان فاتح أربكان، زعيم حزب الرفاه الجديد، نيته خوض الانتخابات الرئاسية المقررة في 2028، مقرنا ذلك بدعوة صريحة لتشكيل تحالف محافظ واسع يُعيد إحياء مبادئ تيار "الرؤية الوطنية" الذي أسسه والده نجم الدين أربكان.
وفي خطاب جماهيري مؤخرا، أكد أربكان أن "قطاعات واسعة من المجتمع التركي تبحث عن أمل جديد خارج ثنائية العدالة والتنمية و الشعب الجمهوري"، معتبرا أن تحالفا متناغما بين القوى المحافظة ذات الخطاب المشترك "كفيل بتقديم بديل جاد يستجيب لتطلعات الناخبين الذين لم تعد تعبّر عنهم الكتل السياسية التقليدية".
وبحسب ما كشفه أربكان، تظهر دراسات داخلية لحزبه أن نحو 30 إلى 35% من الناخبين الأتراك يقفون اليوم في خانة "المترددين"، وهي كتلة تبحث عن طريق ثالث يتجاوز الاستقطاب القائم بين الحكم والمعارضة.
ولم تبقَ مبادرته في إطار التصريحات، بل تُرجمت إلى مشاورات فعلية مع عدد من الأحزاب المحافظة، فقد أكدت مصادر قيادية في الرفاه الجديد أن اتصالات جارية منذ أسابيع مع كل من حزبي السعادة بقيادة محمود أركان، والديمقراطية والتقدم برئاسة علي باباجان، والمستقبل بقيادة أحمد داود أوغلو، بهدف تأسيس تحالف سياسي موحّد تحت مسمى مقترح هو "تحالف الطريق الثالث"، لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة برؤية موحّدة.
وتعزز هذه التحركات واقعا برلمانيا قائما، إذ إن الأحزاب الثلاثة تعمل حاليا ضمن كتلة مشتركة في البرلمان التركي تُعرَف باسم "الطريق الجديد"، تأسست عقب انتخابات 2023 بهدف تنسيق الجهود التشريعية، وقد جمعت الكتلة 21 نائبا، وهو العدد الذي خولها تشكيل فريق برلماني رسمي، مما أتاح لها هامش تأثير أوسع في الحياة النيابية.
وأكد حزب السعادة، في تصريحات خاصة للجزيرة نت، أن الجهود المبذولة لتشكيل تحالف "الطريق الثالث" تتجاوز كونها اتصالات انتخابية ظرفية، وتمثل مسارا تشاوريا واسعا لبناء فهم سياسي جديد في تركيا، يستجيب لتحديات المرحلة ويكسر الجمود الثنائي بين كتلتي الحكم والمعارضة.
وأوضح الحزب أنه أجرى خلال الفترة الماضية سلسلة لقاءات مع قادة وزعماء أحزاب سياسية تتقاطع في حساسياتها المجتمعية، شملت مناقشة ملفات مركزية مثل دولة القانون، والاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، والسلم المجتمعي، والحوكمة الديمقراطية، وتهدف إلى تجاوز الخلافات الأيديولوجية وترسيخ إرادة مشتركة لمعالجة القضايا الجوهرية التي تهم المواطنين.
كما أشار إلى أنه تم تنظيم اجتماعات تقنية متخصصة بمشاركة ممثلين وخبراء من الأطراف المنخرطة في المسار، جرى خلالها تشكيل مجموعات عمل في مجالات مثل الاقتصاد، والعدالة، والسياسات الاجتماعية، والتعليم، والشباب والسياسة الخارجية، بهدف إنتاج تصورات وبرامج مشتركة قابلة للتطبيق.
واعتبر الحزب أن هذا المسعى يمثل فرصة لإعادة التوازن إلى مشهد سياسي مأزوم باستقطاب ثنائي طويل الأمد، "ترك شريحة واسعة من المجتمع خارج التمثيل الحقيقي".
وفي ما يتعلق بمضامين البرنامج المرتقب، أكد حزب السعادة أن هناك تقاطعا واضحا بين القوى المشاركة في التحالف بشأن أولويات المرحلة، وفي مقدمتها التخفيف من أعباء الأزمة الاقتصادية، ومواجهة بطالة الشباب، واستعادة الثقة في منظومة العدالة، وتعزيز الشفافية والتوازن في السياسة الخارجية.
وشدد على أن إحدى أولويات "الطريق الثالث" أيضا هي تغيير اللغة السائدة في الخطاب السياسي، وخلق بيئة أكثر مرونة تسمح بتعاون القوى المختلفة وتعيد بناء الجسور بين الدولة والمجتمع. وأكد على أن المشروع لا يُختزَل في ترتيبات انتخابية قصيرة المدى، بل يُنظر إليه كمسار طويل النفس يعزز الثقافة الديمقراطية، ويبحث عن حلول جذرية لمشكلات البلاد المزمنة.
في السياق، يرى المحلل السياسي ليفنت إرسين أوراللي أن مساعي تشكيل تحالف محافظ جديد في تركيا تواجه تحديات بنيوية عميقة تقلل فرص تحوّله إلى قوة سياسية مؤثرة. ووفقا له، تبدو هذه المبادرة من الخارج محاولة لسد فراغ في المشهد السياسي، لكنها تصطدم بواقع معقّد تحكمه سلوكيات تصويتية متجذرة، وثقل الهوية السياسية، وهيمنة خطاب السلطة الحالية.
وفي حديثه للجزيرة نت، أشار أوراللي إلى أن الناخب المحافظ واليميني في تركيا لا يتحرك بدافع القرب الأيديولوجي فحسب، بل يعلي من شأن الاستقرار والقيادة القوية وقدرة الدولة، وهي عناصر يراها كثيرون مجسّدة في الرئيس رجب طيب أردوغان، لهذا، فإن البدائل الجديدة تعتبر بالنسبة لهذا الجمهور رهانات غير مضمونة وربما محفوفة بالمخاطر.
وأضاف أوراللي أن النجاح في اختراق هذا المزاج الانتخابي المحافظ يتطلب أكثر من خطاب نقدي للسلطة، بل يحتاج إلى بناء هيمنة خطابية مضادة قادرة على جذب القواعد الاجتماعية نفسها. لكنّ هذا تحدٍّ بالغ الصعوبة في ظل قدرة السلطة الحالية على توظيف السرديات التاريخية والدينية والرمزية التي تجد صدى واسعا لدى جمهورها.
وحذّر من أن الاستقطاب العميق في تركيا، القائم على ثنائية الحكم والمعارضة، لا يترك حيزا واسعا لنشوء قوة ثالثة مستقلة، إلا في حال شهدت البلاد أزمة تمثيل حادة أو تحولات بنيوية في سلوك الناخبين.
كما لفت إلى أن افتقار المبادرات الجديدة إلى قيادة كاريزمية جامعة يُعَد عقبة كبرى، خاصة في مشهد سياسي تركي يتمحور تاريخيا حول شخصيات قيادية قوية. ويرى أن شخصنة القيادة في حالة أردوغان تجعل من الصعب على أي تحالف جماعي أو مشتت أن يخلق تأثيرا مماثلا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة