بعدما هددت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستيلاء على أراضي دولة عضو في حلف الناتو (الدنمارك)، وخفضت دعمها العسكري لأوكرانيا، وفرضت تعريفات جمركية باهظة على حلفائها الأوروبيين، ودعت، في استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، إلى "مقاومة المسار الحالي لأوروبا". باتت رسالة واشنطن واضحة لا لبس فيها: لم يعد بإمكان القارة الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها. ولأول مرة منذ ثمانية عقود، تقف أوروبا وحيدة في مواجهة المخاطر.
وفي تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية قال المحلل السياسي ماكس بيرغمان مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الدول الأوروبية تجد نفسها اليوم عرضة للعدوان الروسي. وينبغي لهذا الخطر أن يُحفز القادة الأوروبيين على تبني مسار عمل جديد وجريء لتعزيز دفاعاتهم، لكن لم تشهد الشؤون العسكرية الأوروبية أي ثورة من هذا القبيل. فرغم اتفاق دول حلف شمال الأطلسي على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، لن يكفي الإنفاق وحده لتحقيق الأمن. فالمشكلة هيكلية وليست مالية. فالجيوش الأوروبية لا تملك القدرة على الدفاع عن القارة دون الولايات المتحدة.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وجدت واشنطن نفسها في مأزق، حيث كانت أولويتها القصوى إعادة القوات الأمريكية إلى أراضيها، لكن دول أوروبا الغربية كانت لا تزال أضعف من أن تدافع عن نفسها، وكان التهديد السوفيتي شديدا للغاية بحيث لا يمكن للأمريكيين الانسحاب دون المخاطرة بسقوط القارة تحت الحكم الشيوعي. لم يكن حلف الناتو الذي تم تشكيله هو المفضل لواشنطن حيث اعتبره المسؤولون الأمريكيون، وفقًا للمؤرخ ستين رينينغ، "إجراء مؤقتا ريثما تتحسن أوضاع أوروبا". فقد كان الهدف الأسمى هو بناء أوروبا موحدة لتصبح "قوة ثالثة" قادرة على مواجهة الاتحاد السوفيتي دون الحاجة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة.
في الوقت نفسه ومع وجود الناتو لم تشعر أوروبا بالحاجة إلى توحيد صفوفها عسكريا، حيث منح الحلف الدول الأوروبية الشعور الكاذب بالسيادة على الدفاع الوطني. فمن الناحية الرسمية لكل دولة في الناتو رأي متساو في مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة المسؤولة عن اتخاذ القرارات للحلف، واحتفظت كل منها بجيوشها المستقلة. لكن الولايات المتحدة كانت هي صاحبة القرار النهائي. فإذا ما اندلعت حرب، كان كل قادة أوروبا يدركون أن أمريكا هي من ستقود الحرب.
وفي العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين عادت أوروبا إلى وضعها في أوائل الخمسينيات، حيث تواجه روسيا العدوانية بينما تسعى الولايات المتحدة جاهدة للانسحاب من القارة الأوروبية. وبات لزاما على أوروبا الآن افتراض أنها مضطرة للدفاع عن نفسها دون دعم أمريكي. وبالطبع يمكن لأوروبا التغلب على هذا التحدي، لكنها تحتاج أكثر من مجرد زيادة ميزانيات الدفاع، التي تضم نحو 30 جيشا مختلفا، بمستويات متفاوتة من الجاهزية والقدرة، وتستخدم معداتها الخاصة. إذا حشدت روسيا قواتها على حدود إحدى دول البلطيق، فسيتعين على جميع القوات الأوروبية المتفرقة الانتشار بسرعة والقتال معا.
وفي حين يتولى حلف الناتو تنسيق هذه العمليات من الناحية النظرية، فإنه بدون الولايات المتحدة سيكون مجرد هيكل فارغ. فعندما حشد الحلف قواته الأوروبية في أفغانستان والبلقان وليبيا، على سبيل المثال، غطت البراعة العسكرية الأمريكية على أوجه القصور في تلك المهام الأوروبية. كما أن جيوش أوروبا تفتقر إلى المعدات الكافية، مثل طائرات التزود بالوقود جوا، وطائرات النقل الجوي، وتقنيات المراقبة والاستهداف المتقدمة. فقد صُممت الجيوش الأوروبية لتكون بمثابة قوات مساعدة في جهد حربي تقوده الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو.
إن تراجع الولايات المتحدة يثير قلق الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا بشكل خاص، وهذا أمر مفهوم. فقد ناشدت دول المواجهة، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، الدول الأوروبية الأخرى زيادة إنفاقها الدفاعي، إلا أن الزيادات الطفيفة في الإنفاق الدفاعي لن تحول جيوشها إلى قوة قتالية متماسكة. ومن غير المرجح أيضا أن تفي معظم الدول الأوروبية بتعهد زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لأن مثل هذه السياسات غالبا ما تكون غير شعبية محليا.
في الوقت نفسه لا تستطيع أي من القوى الأوروبية التقليدية التصدي بفعالية لأي عدوان روسي بمفردها. ففرنسا وبريطانيا تعانيان من عجز كبير في الميزانية، مما يحد من مواردهما المالية اللازمة لتعزيز جيوشهما المنهكة أصلاً. علاوة على ذلك، أدت سنوات التقشف إلى إضعاف الجيش البريطاني، إذ يصعب على بريطانيا اليوم نشر حتى 25 ألف جندي في شرق أوروبا. في المقابل بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضخ تمويلات ضخمة في الدفاع، وتملك برلين القدرة على أن تكون بمثابة العمود الفقري العسكري لأوروبا، لكن تاريخ البلاد ما بعد الحرب من نزعة سلمية ونفور من القوة العسكرية يجعل الاعتماد على نهضة عسكرية ألمانية رهانا محفوفا بالمخاطر.
وفي حين يمتلك الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 450 مليون نسمة واقتصادا بحجم اقتصاد الصين تقريبا من الثروة والقدرات المادية ما يكفي للدفاع عن نفسه، لكنه يقصر في استغلال تلك المزايا. ويحتاج الأوروبيون إلى التخلي عن أولوية السيادة الوطنية وتوحيد جهودهم في كيان عسكري موحد يتولى الدفاع عن الأمن الأوروبي ككل، في إطار الاتحاد الأوروبي نفسه. فعلى عكس حكومات الدول الفردية، يركز الاتحاد الأوروبي على تعزيز المصالح المشتركة بدلًا من المصالح الوطنية فقط.
إن تمكين الاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع لن يعني نهاية حلف الناتو أو الجيوش الوطنية. وسينصب تركيز الاتحاد الأوروبي على تمويل وتنظيم القوات الأوروبية، أي العمل كمركز قيادة أوروبي. ستدمج بروكسل العديد من وظائف مكاتب المشتريات الوطنية وتدير عمليات الاستحواذ الكبرى، بالإضافة إلى دمج وتنظيم قطاعات الصناعات الدفاعية في الدول الأعضاء الـ 27.
من الناحية المثالية، سيظل حلف الناتو القيادة القتالية لأوروبا، منسقا ومنفذا للمهام. ومع ذلك، ينبغي تعزيز الطابع الأوروبي للحلف، خاصة مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالحلف، وينبغي على الأوروبيين اقتراح تولي المناصب العليا، بما في ذلك منصب القائد الأعلى للحلف، الذي شغله أغلب الوقت أمريكي. ستظل الجيوش الوطنية، وخاصة جيوش دول المواجهة والقوى العسكرية التقليدية، بمثابة حجر الزاوية في الدفاع الأوروبي. لكن هذه القوات ستخضع لعملية تعزيز أوروبية من قبل الاتحاد الأوروبي.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW