لطالما قدم الغرب نفسه كحارس كوني أمين للقيم الحديثة، وللحداثة بأنوارها التي شكلت موجها أحاديا للتاريخ الحديث والمعاصر، والمتمثلة في سيادة القانون، وحقوق الإنسان، وكرامة الفرد، وحماية المرأة والطفولة، وحرية التعبير، وصيانة الكرامة الإنسانية، إلى الحد الذي ادعى احتكاره أخلاق العناية، كتجاوز لكل ضيق أخلاقي مرتبط بالليبرالية الكلاسيكية، مقابل تبعية باقي العالم، الذي لم يصل بعد أن يكون فاعلا حضاريا مستقلا.
غير أن العقود الأخيرة، ومعها انفجار ملفات شديدة الحساسية، وعلى رأسها ملفات "إبستين"، و"ديدي"، و"صيد البشر"، و"غوانتانامو" كشفت فجوة عميقة بين الخطاب القيمي والممارسة الواقعية، بل أسقطت كل أقنعة التنكر والزيف التي ما فتئ الغرب يجددها باستمرار بمساحيق نهاية التاريخ وصراع الحضارات، وما إلى ذلك من مفاهيم وأطر أيديولوجية للمعرفة. كانت ولا تزال تجليا صارخا من تجليات الرأسمالية الاحتكارية التي تأسست على النهب والاستغلال والابتزاز في فصل مطلق عن الأخلاق.
إننا أمام حالة كاشفة تظهر كيف تتحول الحرية الفردية إلى غطاء لانتهاكات ممنهجة، حين تتشابك الشهرة بالثروة والنفوذ، وهو ما يترجم منطق الاستغلال الثاوي في أعماق الرأسمالية الاحتكارية من تسليع للجسد، وخصوصا المرأة، التي باسمها يبتز الغرب العالم العربي والإسلامي وعموم بلدان الجنوب
إن قضية إبستين ليست حادثا معزولا، بل مرآة عاكسة لبنية سلطوية-اقتصادية أتاحت الإفلات من العقاب، وشرعنت انتهاك القانون حين يمس النخب.
ولذلك، فهي تتجاوز الأبعاد الجنائية المتعلقة بالاتجار بالبشر واستغلال الأطفال، وما ارتبط بها من ممارسات شعوذية شيطانية تطعن في كل الأديان، بما فيها اليهودية والمسيحية اللتان تدعي هذه النخبة انتماءها إليهما، لتكشف عن شبكة معقدة من النفوذ السياسي العابر للحدود الذي يربط بين نخب واشنطن، ولندن، وتل أبيب، وعدد من العواصم الدولية.
حيث أظهرت الوثائق المفرج عنها مؤخرا أن إبستين لم يكن مجرد رجل أعمال فاسد، بل كان عميلا لعب دور الوسيط الخفي في ملفات جيوسياسية حساسة بأمريكا، وبريطانيا، وأوروبا، والشرق الأوسط، وعموم العالم العربي، مستغلا شبكة علاقاته لتعزيز مصالح استخباراتية وتجارية، تقوم على أساس الابتزاز والاستغلال بما يخدم التمكين الرأسمالي الاحتكاري الذي يصب في تكريس استغلال الشعوب المستضعفة في العالم، وعلى رأسها شعوب العالم العربي والإسلامي وعموم الشرق وأفريقيا، من خلال استهداف نخبها السياسية والاقتصادية، وجعلها رهينة ابتزاز هذه الشبكة المعقدة التي اتخذت من الجزيرة المعلومة مقرها التأسيسي لحكومة العالم الخفية.
إن تحليل محتوى ملفات إبستين، التي تتجاوز ثلاثة ملايين ونصف المليون صفحة، من صور ومراسلات ذات طبيعة استخباراتية، وأخرى شخصية تهم أكثر من زعيم سياسي من رؤساء دول وحكومات ورجال أعمال وعلماء وفنانين، يكشف انهيار ما سماه الغرب بالتفوق الأخلاقي، خاصة أمام عجز العدالة في أمريكا وباقي بلدان الغرب عن الوصول إلى كل الجناة والقصاص منهم باسم العدالة الجنائية ودولة الحق والقانون وحقوق الإنسان، مما يشكل ضربة قوية لصورة العدالة الغربية، حيث كشفت عن نظام من الحصانة سمح له بالتحرك بحرية لعقود رغم إدانته السابقة، منذ 2008 تاريخ انكشاف هذا الملف قضائيا وإعلاميا قبل ذلك بكثير.
لقد كانت شبكة إبستين التي تشتغل كآلة نفوذ ثلاثية الأبعاد (مال، سياسة، جنس) تهدف منذ تأسيسها في بداية الثمانينيات إلى إيقاع النخب في فخاخ الابتزاز؛ لضمان السيطرة عليهم وتوجيه قراراتهم السياسية.
وهكذا، صارت هذه الشبكة توظف كل شيء، باستثناء الأخلاق، كأوراق ضغط سياسية، وهو ما يتضح من خلال المسار الشخصي لإبستين، الذي كان مجرد أستاذ للرياضيات في الثانوي، سرعان ما تم فصله، ليجد نفسه بين ليلة وضحاها رجل أعمال كبيرا ومستشارا ماليا واقتصاديا لكبرى العائلات الصهيونية.
إذ تكشف الوثائق حسب الصحافة الدولية، أنه توسط، بل وقاد عددا من العمليات الاقتصادية والسياسية في كل من الخليج والشرق الأوسط، وفي الملف السوري الروسي، والملف الليبي، وغيرها كثير، حيث تكشف المراسلات كيف كان يسعى لاستغلال هذه المناطق المعروفة بمناطق التوتر لاستغلالها ماديا وتجاريا وسياسيا تارة بدعوى السلام، وتارة أخرى بدعوى إعادة الإعمار. وفي كل ذلك، كانت علاقته وطيدة بالاستخبارات الإسرائيلية.
ينكشف تآكل التفوق الأخلاقي والحضاري للغرب من خلال ثلاثة مستويات:
وفي ارتباط بالزمن، فالعطب مزمن ومستدام وليس عابرا أو طارئا، ما دامت الشبكة قد تأسست منذ الثمانينيات وليست وليدة اللحظة، بشكل يجعل العطب الأخلاقي والحضاري الغربي بنيويا، وليس مجرد فضيحة أخلاقية فردية عابرة، خاصة أنها تكشف التواطؤ السياسي المؤسساتي، من خلال تسويات قضائية، وحماية غير مباشرة لشبكات النفوذ، وتأخير العدالة لسنوات.
وهو ما كان، ولا يزال، في عدد من القضايا اللاأخلاقية واللاإنسانية منذ بشاعة حرب فيتنام إلى اليوم، مرورا برحلات الصيد البشري للبوسنيين في حرب يوغسلافيا، وغزو العراق، وفداحة سجن أبو غريب، وليس انتهاء بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي للفلسطينيين… إلخ.
لقد كشفت ملفات إبستين كيف تم تحويل القاصرين إلى سلع داخل شبكات استغلال، بما يناقض جوهر الخطاب الليبرالي حول الكرامة.
إن قضية إبستين ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، فقبلها، كشفت قضية المغني والمنتج الأمريكي "شون جون كومبس" الملقب بـ"ديدي" عن العلاقة اللاأخلاقية بين السلطة والجسد والمال والفن داخل منظومة الترفيه الغربية، حيث لا تكمن أهمية هذه القضية في شخص ديدي بقدر ما تكمن في البنية التي سمحت بالتجاوز، والتستر، واستدامة الإفلات من المحاسبة لعقود.
إننا أمام حالة كاشفة تظهر كيف تتحول الحرية الفردية إلى غطاء لانتهاكات ممنهجة، حين تتشابك الشهرة بالثروة والنفوذ، وهو ما يترجم منطق الاستغلال الثاوي في أعماق الرأسمالية الاحتكارية من تسليع للجسد، وخصوصا المرأة، التي باسمها يبتز الغرب العالم العربي والإسلامي وعموم بلدان الجنوب.
في حين يكشف الواقع المر في الغرب أن المرأة أهم موضوع في سوق المتعة والفرجة سواء في تجارة البشر، أم في إنتاج أفلام البورنوغرافيا، أم في الدعارة العابرة للقارات، أم في سوق التجميل وصناعة الجسد.
وهو ما يترجم في العمق كيف تمت إزاحة الأخلاق لصالح الربح، وتشيِيء العلاقات وتحويلها إلى أدوات تفاوض مهني، حيث لا تكون الانتهاكات انحرافا فرديا، بل نتاج منظومة تكافئ القوة وتعاقب الضعف.
إن التمعن في العديد من الملفات الحقوقية والسياسية التي انفجر بعضها إعلاميا من خلال الصحافة الاستقصائية، أو من خلال تصفية الحسابات بين الخصوم السياسيين، يبرهن بما لا يترك مجالا للشك عن ازدواجية وتناقض الخطاب الغربي، فهو يصدَّر لباقي العالم كخطاب ترافعي عن حقوق المرأة، لكنه في واقعه العملي يعتبرها مجرد سلعة وأداة للفرجة والمتعة والغريزة التي بلغت درجات من الحيوانية غير مسبوقة، وهو تناقض يعيد طرح سؤال المعيارية الأخلاقية، وهو ما ينطبق أيضا على حقوق الطفل، التي تحولت إلى مدونة لطقوس شيطانية مغرقة في البربرية.
في سياق تهافت أخلاق العناية، تبرز العلاقات الدولية كمجال فسيح لتناقضات المركزية الغربية والتعالي الحضاري، ذلك أن قضية جيفري إبستين تتجاوب وتتماشى منهجيا مع سجل طويل من الانتهاكات الممنهجة، منها الحروب غير الشرعية وانتهاك القانون الدولي.
ولنا في تجربة غزو العراق المريرة سنة 2003، خير مثال على ذلك، فبدون تفويض أممي، وبناء فقط على ذرائع ثبت بطلانها، وما ترتب عنها من تفكيك الدولة وملايين الضحايا والانتهاكات الحقوقية، ونهب ثرواته وذهبه وملايين اللُقى الأثرية والمخطوطات، صار العراق مجرد فصائل وعشائر وتوترات أهلية، بعد أن كان واحدا من أقوى الدول العربية، وصاحب تاريخ حضاري يمتد إلى آلاف السنين.
ناهيك عن التدخلات العسكرية بالوكالة التي أنتجت فوضى ممتدة (ليبيا، والسودان، والصومال، واليمن… إلخ)، مع إفلات شبه كامل من المحاسبة، خاصة فيما يتعلق بجرائم الحرب؛ بسبب توظيف المليشيات، وأحيانا تسليح أنظمة منتهِكة، وتجاهل جرائم حلفاء، مقابل خطاب أخلاقي انتقائي يستعمل أداةَ ضغط على الأنظمة الرافضة الغطرسة الغربية، لا مبدأ كونيا.
ولنا أيضا في سجن غوانتانامو دليل آخر على خرق القانون الدولي وأخلاق العناية والقيم الإنسانية التي يدعيها الغرب، حيث تم الاحتجاز لأجل غير مسمى، والتوقيف التعسفي والتعذيب، والمحاكمات الاستثنائية، في تعارض صريح مع اتفاقيات جنيف، دون أن ننسى عددا كبيرا من السجون السرية وبرامج التسليم الاستثنائي، خارج القوانين والمواثيق التي قوضت مبدأ عدم التعذيب.
وفي سياق التجليات السابقة للتآكل الأخلاقي والانهيار الحضاري الإنساني المزعوم للغرب، نستحضر للمثال لا الحصر أيضا، ما كشفت عنه الصحافة الاستقصائية منذ سنوات.
فخلال حروب تفكك يوغسلافيا (1992-1995)، لم يكن العنف مجرد نتيجة صراع عسكري أهلي، بل اتخذ أشكالا سادية منظمة، كشفت عن انهيار أخلاقي عميق داخل أوروبا وعموم الغرب.
فمن بين أكثر الروايات صدمة، ما كشفت عنه تحقيقات صحفية وشهادات حقوقية حول دفع أثرياء أوروبيين مبالغ مالية مقابل المشاركة أو التفرج على عمليات قتل، أو مطاردة مدنيين بوسنيين، فيما يشبه "رحلات صيد بشرية"، وهي أحداث سبق أن عرضها عدد من الأفلام السينمائية، وكنا نعتقد حينها أنها مجرد أحداث من وحي الخيال، فإذا هي أحداث واقعية مؤلمة جدا.
لقد خلفت الحضارة الغربية، التي ادعت أحقيتها في قيادة العالم، وراءها استعمارا فظيعا وتنكيلا بشعوب المستعمرات لعقود طويلة، وخلفت وراءها حربين عالميتين، وحروبا بالوكالة خلال الحرب الباردة، ولم تنتهِ بإبادة الشعب الفلسطيني، بل لا تزال مستمرة بإخضاع الإنسان للمراقبة الشاملة، بما في ذلك انتهاك خصوصيته وحياته الحميمية في الغرب كما في الشرق، في الشمال كما في الجنوب.
إذ تكشف التسريبات والصحافة الاستقصائية كيف تعمل برامج المراقبة الجماعية على التجسس على المواطنين خارج رقابة قضائية وحقوقية، بشكل يجعل المستضعفين والبسطاء في العالم ضحية حفنة من النخب الحاكمة التي تدعي الأخلاق والقيم والإنسانية.
إن ازدواجية معايير هذه الحضارة، لا تظهر فقط من خلال عجز العدالة عن القصاص من أمثال ديدي، وإبستين، ومن يجري مجرى شبكاتهما، وهي شبكات كبيرة ومتعددة تشمل الاقتصاد والسياسة والفن، بل في تحميل فشلهم ونتائج أعمالهم الإجرامية للبسطاء من المواطنين والشعوب المستضعفة.
ففي الأزمة المالية لسنة 2008، كما كان الحال في أزمة وول ستريت سنة 1929، تم التدخل لإنقاذ المصارف الكبرى بأموال عمومية، مقابل تحميل المجتمعات كلفة الانهيار، دون محاسبة حقيقية للمسؤولين. دون أن ننسى ما كتب حول نظرية المؤامرة بخصوص فيروس كورونا والأوبئة والجوائح التي تعزوها بعض الأقلام لفعل فاعل، بهدف الربح والتجارة في المآسي الإنسانية.
لم يظهر التعالي الحضاري للغرب معرفيا على باقي العالم نتيجة ما كشف من ملفات وفضائح أخلاقية طالت جوهر المركزية الغربية في العقود الأخيرة، بل تم كشفه منذ الستينيات من القرن الماضي، خاصة بعد أن حصلت بلدان الجنوب على استقلالها.
إذ بفضل مجهودات عدد من المفكرين والمثقفين تم تفكيك خطاب التفوق الأخلاقي والتعالي الحضاري، بشكل منهجي، وهو ما نتج عنه تيارات فكرية من قبيل الديكولونيالية (تفكيك الاستعمار)، والعصيان المعرفي من أجل الترافع عن حق الجنوب في المساهمة في البناء الحضاري للعالم، وعن قدرته على تقديم إصلاح حقيقي للحداثة، من منظور أخلاقي بعد أن تبين أن الغرب لم يعد قادرا على توجيه العالم وقيادته أخلاقيا. وهو ما أوضحته هذه التيارات من خلال كشف كيفية عمل واشتغال هذا التفوق المزعوم.
على المستوى المعرفي، يشتغل التعالي الحضاري الغربي بوصفه آلية خطابية، يقدم من خلالها الغرب معيارا أخلاقيا عاما، ثم يستثني ذاته منه باسم "الأمن القومي" أو "المصلحة العليا"، وهو ما تطبقه حرفيا الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أكثر من غيرهما من الدول الغربية، الشريكة في هذا التعالي الحضاري المزعوم، بعد أن صارت هذه الأخيرة بدورها موضوعا للاستغلال والابتزاز، كما كشفت عن ذلك وثائق إبستين، وكذلك تعامل الرئيس دونالد ترمب مع زعماء وقادة الاتحاد الأوروبي في قضايا جزيرة غرينلاند، والحرب الروسية الأوكرانية، وفي الرسوم الجمركية وحلف الناتو.
إن تحويل قيم وأخلاق العناية بشكل مزدوج ومتناقض إلى رأسمال رمزي يبرر التدخلات ويخفي اختلالات الداخل، يفصل في الحقيقة بين القيمة والمؤسسة، فيصبح الانتهاك خطأ فرديا لا اختلالا بنيويا، وهو ما يحدث عقب كل فضيحة أخلاقية مؤسساتية، سواء في جرائم الحرب، أو في باقي الملفات الأخلاقية-السياسية، وهو ما وجب تفكيكه وفضح ألاعيبه ونزع أقنعته.
في الحقيقة، ليست ملفات "إبستين"، و"ديدي"، و"غوانتانامو"، و"غزو العراق"، و"صيد البشر"… إلخ، سوى حلقات صغيرة في سلسلة طويلة كشفت أزمة أخلاقية عميقة في بنية الحداثة الغربية المعاصرة، وهي أزمة عدالة، ومساءلة، وأزمة تفوق وتعالٍ كاذبين.
ولذلك، فاستمرار فضح وكشف الزيف والأقنعة، يعني أننا سنكون أمام بداية نهاية نموذج تأسس على الدماء وأكل لحوم البشر نيئة ومطبوخة باسم الحداثة والحضارة.
ولعلنا نجد في تعليق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ملفات إبستين، ما يؤكد بشاعة هذا النموذج، وما يوحي بقرب نهايته، يقول بوتين: "النخب الغربية اعتادت على مدى قرون أن تملأ بطونها بلحم البشر وجيوبها بالمال. لكن عليها أن تفهم أن حفل مصاصي الدماء هذا يقترب من نهايته".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة