وسط تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الماضية على وقع التحشيد الأمريكي في المنطقة، تتزايد مؤشرات تحرك دبلوماسي غير معلن قد يفضي إلى لقاء قريب بين الطرفين.
ففي خضم خليط من الوساطات الإقليمية الجادة والضغوط العسكرية الأمريكية، تبدو جميع العيون متجهة إلى العاصمة التركية أنقرة التي يبدو أنها ستكون من يحتضن أول محادثات مباشرة بين الخصمين اللدودين.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتصاعد فيه التكهنات حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، بالتوازي مع مخاطر أي تصعيد محتمل قد يشمل الجانب العسكري.
في السياق، كشفت وكالة تسنيم الإيرانية اليوم الاثنين -نقلا عن مصدر مطّلع- عن تأكيد احتمال بدء مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام المقبلة، بمشاركة مسؤولين رفيعي المستوى من البلدين، في مؤشر هو الأوضح حتى الآن على تحرك دبلوماسي جديد بين الطرفين بعد فترة طويلة من التوتر والتصعيد.
وأوضح المصدر أن الزمان والمكان النهائيين لهذه المفاوضات لم يُحسما بعد، لكنه أشار إلى أن المحادثات المحتملة قد تُعقد على مستوى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، مما يعكس جدية محتملة في مستوى التمثيل السياسي.
ومن جهتها، نقلت وكالة "إيسنا" شبه الرسمية عن مصادر دبلوماسية إيرانية أنه في ضوء زيارة عراقجي لتركيا الجمعة، ومساعي أنقرة لاستضافة المحادثات، هناك احتمال أن تُعقد هذه المشاورات في تركيا، وفي هذا الإطار قد يشارك فيها أيضا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
ومن جهتها، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي والقناة الـ13 -اليوم الاثنين- بأن ويتكوف سيتوجه غدا إلى الأراضي المحتلة.
ومن المقرر أن يلتقي ويتكوف خلال هذه الزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعددا من كبار المسؤولين العسكريين في تل أبيب، من بينهم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، لإجراء مباحثات بشأن التطورات الإقليمية والمسائل الأمنية ذات الاهتمام المشترك.
وفي تأكيد رسمي غير مباشر، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران تدرس حاليا تفاصيل المسارات الدبلوماسية المطروحة، معربا عن أمله في التوصل إلى نتائج خلال الأيام المقبلة، لكنه نفى في الوقت ذاته صحة ما تردد عن وجود مهلة زمنية أو "إنذار" أمريكي موجه إلى إيران.
وأضاف المتحدث أن نطاق القضايا التي يمكن بحثها وتبادل التنازلات بشأنها واضح لكل من طهران وواشنطن، في إشارة إلى وجود أرضية تفاوضية معروفة لدى الطرفين، مؤكدا أن رفع العقوبات يمثل أولوية أساسية في أي تفاعل أو مسار تفاوضي محتمل.
وفي ما يتعلق بمستوى الاتصالات السياسية، شدد متحدث الخارجية الإيرانية على أن ما يُتداول عن حوار مباشر بين رئيسي إيران والولايات المتحدة لا يتجاوز كونه تكهنات إعلامية، داعيا في الوقت ذاته إلى عدم القلق من سيناريو اندلاع حرب. كما أشار إلى أن ملف المواد النووية المخصبة يُعد أحد الموضوعات التي سيجري حسمها في أي مفاوضات مقبلة.
ونقلت رويترز عن مصادر إيرانية أن طهران قد ترسل مخزونها من اليورانيوم المُخصَّب إلى خارج البلاد، شريطة أن يتضمن أي اتفاق مع الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية.
بالتوازي مع ذلك، نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مسؤول أمريكي رفيع أن إدارة الرئيس دونالد ترمب أبلغت إيران باستعدادها لعقد لقاء والدخول في مفاوضات للتوصل إلى اتفاق، في خطوة تُعد أول إشارة أمريكية واضحة إلى القبول بمسار تفاوضي مباشر في هذه المرحلة.
وأضاف المسؤول أن كلًّا من تركيا ومصر وقطر تعمل على تنظيم لقاء في أنقرة، أواخر هذا الأسبوع، بين ويتكوف ومسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، في إطار وساطة إقليمية متعددة الأطراف تهدف إلى تهيئة الظروف لانطلاق المحادثات.
وكان أكسيوس قد أشار -في تقرير سابق- إلى أن احتمال عقد لقاء بين الولايات المتحدة وإيران هذا الأسبوع في تركيا لا يزال قائما، مما يعزز التكهنات بأن أنقرة قد تتحول إلى منصة انطلاق أولية لهذا المسار الدبلوماسي، في ظل علاقاتها المتوازنة مع الطرفين.
في المقابل، لا تنفصل هذه التحركات الدبلوماسية عن سياق ضاغط على الأرض. فقد كشفت صحيفة واشنطن بوست -نقلا عن مسؤولين غربيين- عن أن دولا خليجية حذّرت مسؤولين أمريكيين من أن البرنامج الصاروخي الإيراني لا يزال يمتلك القدرة على إلحاق أضرار كبيرة بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وذلك في وقت تمارس فيه إدارة ترمب ضغوطا متزايدة على طهران بانتشار عسكري واسع في الإقليم.
وتعكس هذه التحذيرات، وفق الصحيفة، مخاوف إقليمية من أن أي تصعيد عسكري غير محسوب قد يقود إلى مواجهة أوسع، في ظل استمرار القدرات الصاروخية الإيرانية رغم سنوات من العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية.
وعلى المستوى السياسي، عبّر ترمب عن أمله في التوصل إلى اتفاق مع إيران، معتبرا أن الوصول إلى اتفاق مُرضٍ عبر المفاوضات، يضمن عدم امتلاك طهران سلاحا نوويا، سيكون الخيار الأفضل إذا كان ذلك ممكنا، مقارنة بالبدائل الأخرى.
في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني إمكانية التوصل إلى "اتفاق عادل ومنصف" يضمن عدم وجود سلاح نووي، معتبرا أن هذا السيناريو مفيد للطرفين وقابل للتحقق خلال فترة زمنية قصيرة. لكنه حذّر في الوقت ذاته من احتمال حدوث سوء تقدير أو حتى "عدوان"، مؤكدا في منشور على منصة "إكس" أن إيران مستعدة لمثل هذا السيناريو بالقدر نفسه.
ويعكس هذا التوازي في الخطاب مشهدا معقّدا تتداخل فيه مسارات الدبلوماسية والردع، إذ تُبدي الأطراف استعدادا للتفاوض من جهة، وتحرص في الوقت ذاته على إرسال رسائل قوة تحسبا لفشل المسار السياسي.
وبينما تتكثف الوساطات الإقليمية وتزداد التسريبات الإعلامية عن مكان وزمان المفاوضات المحتملة، تبقى الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه المؤشرات ستُترجم إلى محادثات فعلية تفتح باب التهدئة وإعادة ترتيب الملفات الخلافية، وعلى رأسها البرنامج النووي والعقوبات، أم أنها ستظل في إطار إدارة الأزمة وتبادل الرسائل السياسية تحت سقف التصعيد المحسوب.
المصدر:
الجزيرة