في وقت تحاول فيه السلطات الإيرانية إظهار عودة تدريجية للحياة الطبيعية تكشف أرقاما صادمة عن كلفة بشرية باهظة للاحتجاجات التي اجتاحت البلاد خلال الأسابيع الماضية.
فبينما تتحدث مصادر إيرانية عن مقتل نحو 5 آلاف شخص وتأكيدها على أن أعنف المواجهات تركزت في المناطق الكردية، تبدأ المدارس بإعادة فتح أبوابها سعيا لاحتواء الغضب الشعبي واستعادة السيطرة.
تطورات تعكس عمق الأزمة التي تمر بها إيران بعد أن تحولت التظاهرات التي خرجت ضد تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار إلى مواجهات عنيفة هددت الاستقرار الداخلي ووضعت السلطات الإيرانية أمام اختبار صعب بين فرض الأمن والاستجابة للمطالب الشعبية.
وفي هذا السياق، قال مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية محمد صالح صدقيان في حديث لـ"سكاي نيوز عربية" إن "التظاهرة المليونية التي شهدتها طهران وعدد من المدن الإيرانية منذ يوم الإثنين الماضي، على الرغم من حجمها، ترافقت مع سيطرة نسبية لقوات الأمن والشرطة على مختلف المناطق، الأمر الذي أسهم في احتواء المشهد ومنع انزلاقه نحو مزيد من التصعيد".
ويشير إلى أن المؤشرات التي أعقبت ذلك اليوم أظهرت اتجاهاً واضحاً نحو التهدئة، حيث لم تُسجّل استجابات تُذكر للدعوات اللاحقة للتظاهر، سواء تلك التي أُطلقت يوم السبت أو الدعوات التي تكررت في اليومين التاليين.
فشل دعوات التصعيد
يلفت صدقيان إلى أن الدعوات التي وجّهها رضا بهلوي للتظاهر في طهران ومدن أخرى لم تلقَ تجاوباً من الشارع الإيراني، حتى من قبل أولئك الذين شاركوا في تحركات سابقة.
ويُبرز أن يوم السبت كان عطلة رسمية في طهران، في حين فُتحت المدارس في اليوم التالي بشكل طبيعي، ما يعكس – وفق توصيفه – عودة الحياة إلى مسارها المعتاد.
ويرى أن هذه العودة لا يمكن فصلها عن بسط قوات الأمن سيطرتها على المناطق التي شهدت توتراً، وهو ما شكّل عاملاً حاسماً في استعادة الهدوء النسبي.
"رمزية المرشد وحدود التهديد"
وبالنسبة للتهديدات الإسرائيلية باستهداف المرشد الإيراني علي خامنئي، قال صدقيان أن "الحكومة الإيرانية، وكذلك رئيسها مسعود بزشكيان، لا يمكنهما التعامل مع مثل هذه التهديدات ببرود أو تجاهل، نظراً لما قد يترتب على ذلك من انتقادات صادرة عن الحوزات العلمية والوسط الديني الشيعي داخل إيران وخارجها".
ويرى أن رئيس الحكومة كان مضطراً إلى اتخاذ موقف واضح دفاعاً عن هذه الرمزية الدينية والسياسية، خصوصاً في ظل تذكير بتهديدات سابقة خلال حرب استمرت 12 يوماً، حين طُرحت مسألة استهداف المرشد قبل أن تتوقف الحرب.
الاقتصاد أصل الأزمة
على الصعيد الاقتصادي، يؤكد صدقيان أن الاحتجاجات انطلقت أساساً بدوافع معيشية، وأن الإجراءات الحكومية المتخذة حتى الآن لم تنجح في إقناع المواطنين بقدرتها على معالجة الأزمات المتراكمة.
ويشير إلى أن وقف تدهور العملة، والحد من التضخم، و تحسين القدرة الشرائية، لا تزال مطالب قائمة لم يلمس المواطن الإيراني نتائجها بشكل ملموس.
المفاوضات والفساد
في هذا السياق، يلفت صدقيان إلى استعداد طهران للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الإدارة الأميركية بهدف رفع العقوبات الاقتصادية، معتبراً أن ذلك يأتي في إطار البحث عن حلول للأزمة الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، يضع محاصرة الفساد المالي الكبير واستنزاف الميزانية العامة في صلب التحديات التي تواجه الحكومة، مشيراً إلى أن الرأي العام الإيراني يترقب خطوات حقيقية لمعالجة هذه الملفات.
دور المرشد وحدود الصلاحيات
ويؤكد صدقيان خلال تحليله على أن صلاحيات المرشد لا تتجه نحو التدخل التنفيذي المباشر، لكنه قد يمارس ضغوطاً على الحكومة لدفعها نحو إصلاحات تطالب بها مؤسسات سياسية ودينية وتجارية.
ويرى أن هذا الضغط المحتمل يندرج ضمن السعي للاستجابة لتطلعات الشارع الإيراني، الذي يراقب أداء الحكومة بترقب واهتمام في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
المصدر:
سكاي نيوز