آخر الأخبار

السينما سلاحا لمواجهة الآخر.. من ينتصر في الحرب الأميركية الإيرانية؟

شارك

لا تقتصر الخصومة الدائمة بين الولايات المتحدة وإيران على الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية والتهديد بضربات عسكرية فحسب، بل يتجلى تأثيرها الأعمق في ميدان آخر، هو الأكثر قدرة على التأثير وفرض النفوذ، بل والتدمير أحيانًا، ألا وهو ميدان الصورة الذي يترسخ في الوعي العام لسنوات طوال.

تتحول الدول إلى شخصيات، وتُعاد صياغة التاريخ بما يخدم أهداف صناع العمل ويوافق قوانين الدراما. وهكذا، يخرج المنتج النهائي ساحرًا وجذابًا، كما يليق بفيلم سينمائي أُنتج بجدية، لكنه في الوقت ذاته يكون كاذبًا ومضللًا، كما يليق بمؤلف لحكاية لم تحدث في الواقع قط.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "خروج آمن" و"لمن يجرؤ" يشاركان في مهرجان برلين السينمائي
* list 2 of 2 فيلم "كولونيا".. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة end of list

في سياق الاشتباك السينمائي بين إيران والولايات المتحدة، يبرز فيلما "أرغو" (Argo) الذي صدر عام 2012، و"انفصال" (A Separation) الذي صدر عام 2011، بوصفهما رأس حربة لكل من المؤسستين: هوليود من جهة، والسينما الإيرانية من جهة أخرى، ويشكل هذان العملان معًا نموذجًا حيًا لما يمكن تسميته "حرب الأضواء والظلال".

لا يتناول "انفصال" و"أرغو" الموضوع نفسه، ولا ينطلقان من رؤية سياسية واحدة، لكنهما يلتقيان في نقطة جوهرية، فكل منهما يقدم رؤية مغايرة تمامًا لإيران، ويتبنى منهجًا مختلفًا في مقاربة مفهوم "الحقيقة" سينمائيًا.

فبينما يطلب "بن أفليك" من المشاهد أن يصدق أن الخطر الإيراني يمكن أن يتجلى عبر المطاردات والمعارك والمؤامرات، يسعى فيلم "انفصال" إلى إبقاء انتباه المشاهد مركزًا على رصد كيفية تحول الضغط الاجتماعي والاقتصادي والقانوني إلى صراع داخلي يفتت كيان الأسرة ويفضح المؤسسات.

وهكذا، يرسم العملان صورة صاخبة لـ"إيران" كخطر خارجي في الخيال الهوليوودي، وصورة أخرى لـ"إيران" كعالم تتصارع فيه القيم في مرآة امرأة إيرانية.

"أرغو": إيران المشهد والشخصية

يروي فيلم "أرغو"، الذي أخرجه وقام ببطولته بن أفليك قصة إنقاذ 6 دبلوماسيين أميركيين فروا من السفارة الأميركية خلال أزمة الرهائن في طهران، وذلك عبر عملية مخابراتية تم التستر عليها بمشروع فيلم خيال علمي وهمي.

إعلان

طُرح الفيلم للجمهور الأميركي في أكتوبر/تشرين الأول 2012، ليكتسح موسم الجوائز كقوة كاسحة، مجمعًا بذلك بين متطلبات الصناعة: قصة سياسية مشوقة، واحتفاءً بالسينما كقوة منقذة.

التزم "أرغو" بالإطار التاريخي الأساسي لعملية التهريب، إلا أنه ضمن هذا الإطار، مارس حريات درامية واسعة، لا سيما في فصله الأخير الذي بالغ في مشاهد المطاردات والتوترات بأسلوب أفلام الحركة، وهو ما أشار إليه تحليل أكاديمي صادر عن جامعة برمنغهام، واصفًا إياه بأنه جزء من "تفخيخ" النهاية بأحداث مصطنعة ومبالغ فيها.

كما أثار الفيلم جدلاً قديماً متجدداً بشأن توزيع الفضل، إذ كان للكنديين دور كبير فيها، وهو ما تجاهله صانعوه، ونسبوا الفضل في العملية بالكامل لوكالة المخابرات المركزية الأميركية.

وقد تجلى هذا الاعتراض بوضوح في التغطيات الصحافية الكندية والأميركية التي واكبت حفل الأوسكار الذي تلا ذلك.

ويصور الفيلم "إيران" كبيئة تهديد، حيث تكتظ الشوارع بالحشود، وتنتشر الشعارات والأسلحة، وتتربص العيون المتوجسة، مع إيقاع خطر يلاحق الأميركيين على وجه الخصوص. أما الشخصية الإيرانية، فتُحصر في أدوار درامية نمطية، كحارس أو محقق أو كتلة غضب جامحة لا تهدأ.

لقد ترك فيلم "أرغو" أثراً مزدوجاً: فعلى الصعيد الصناعي، حقق الفيلم نجاحاً تجارياً ملموساً، إذ بلغت إيراداته العالمية قرابة 232.3 مليون دولار، وفقاً لموقع بوكس أوفيس موجو. وعلى صعيد الجوائز، حسم موسم الأوسكار لصالحه، حيث توج بجائزة أفضل فيلم في حفل الأوسكار (الدورة 85)، بحسب السجل الرسمي للأكاديمية، إضافة إلى فوزه بجائزتي أفضل سيناريو مقتبس وأفضل مونتاج.

ولم تكن هذه الجوائز سوى بمثابة ختم مؤسسي يضفي على السرد الهوليودي قوة إضافية، مما يدفع الكثيرين للتعامل مع الفيلم كنسخة موثقة من التاريخ.

مصدر الصورة المخرج الإيراني جعفر بناهي (غيتي إيميجز)

"انفصال": سردية لا تحتاج إلى عدو خارجي

يبدو فيلم "انفصال" للوهلة الأولى بعيدًا عن السياسة الخارجية، إذ تدور أحداثه حول قصة زوجين على حافة الطلاق، وأب مريض، وممرضة من شريحة اجتماعية متواضعة، وتتطور حادثة ما إلى نزاع قانوني وأخلاقي.

غير أن قوته تكمن في كشفه عن أن الحصار الاقتصادي قد تغلغل في وجدان الإنسان الإيراني. ورغم أن "انفصال" لا يهاجم الولايات المتحدة، ولا يرفع شعارًا سياسيًا صريحًا، فإنه يكشف عن تأثير الدعاية الأميركية التي تستخدم سياسة العصا والجزرة، فبينما تغري بالفرار إليها، تلوح بعصا الحصار والتهديد من جهة أخرى، وتقتلع الأفراد من جذورهم الأسرية بعد أن يضع الحصار الاقتصادي قدرتهم على التعايش المشترك في محك صعب.

لقد قدم فيلم "انفصال" درسًا بليغًا يناقض ما اعتادت عليه هوليود؛ فبميزانية متواضعة للغاية بلغت 800 ألف دولار أميركي، مقارنةً بمعايير الصناعة السينمائية، تمكن من تحقيق انتشار عالمي واسع وإيرادات ضخمة بالنسبة لحجمه، حيث تجاوزت إيراداته المعلنة 24.4 مليون دولار أميركي.

والأكثر أهمية هو أن مسيرته في المهرجانات السينمائية قد منحت السينما الإيرانية لحظة تاريخية فارقة، عندما توّج بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام 2011، وهو ما وثقته الصفحة الرسمية لبرنامج "برليناله" (Berlinale)، ليصبح بذلك أول فيلم إيراني ينال الجائزة الكبرى للمهرجان.

إعلان

ثم جاءت اللحظة الحاسمة في معقل هوليود ذاته: حيث ظفر "انفصال" بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي في حفل توزيع جوائز عام 2012، ليغدو أول فيلم إيراني يحقق هذا الإنجاز.

ولم يقتصر إنجازه على تصنيفه كـ"فيلم أجنبي" فحسب، بل امتد ليبلغ ترشيحًا لجائزة أفضل سيناريو أصلي ضمن جوائز الأوسكار، وهو ما يعد إشارة نادرة إلى إقرار بقيمته الكتابية والفنية، متجاوزًا بذلك التصنيف اللغوي المعتاد.

حرب الضوء والظل

على عكس السينما الهوليوودية، جسّد المخرج أصغر فرهادي في فيلمه "انفصال" الشعور بالخطر الخارجي من خلال ضعف الثقة، والخوف من الفقر، والتشظي الذي يصيب الحقيقة حين يتعلق الأمر بذوي النفوذ.

في المقابل، استُغل الخطر الخارجي في هوليوود لزيادة الإثارة والتشويق في فيلم "أرغو". وهكذا تتجلى ملامح الحرب الناعمة في عالم "أرغو"، الذي يقدم صورة لأميركا تنجو بأي وسيلة، بينما يصور إيران كبلد واقعي يصعب اختزاله، مما يربك المتلقي؛ فكل شخصية فيه تحمل جزءًا من الحق وجزءًا من الخطأ في الوقت ذاته.

وشكّل أسلوب المونتاج إحدى السمات البارزة في المقاربة الفنية بين العملين؛ ففي "أرغو"، اعتمد بن أفليك المونتاج السريع والذروة المتصاعدة، بينما في "انفصال"، ركز المخرج على الصورة وتوتر الحوار وبناء الأزمة تدريجياً، ليحصد بذلك جوائز كبرى في مهرجان برلين وجوائز الأوسكار.

لقد رسخ فيلم "أرغو" في الوعي الجماهيري الغربي نسخة درامية لأزمة الرهائن، تزامنت مع نقاشات واسعة حول دقته التاريخية وتوزيع الفضل، لا سيما فيما يتعلق بدور كندا.

وبفضل فوزه بجائزة أفضل فيلم، تحول هذا السرد إلى جزء لا يتجزأ من الذاكرة السينمائية الرسمية في هوليوود. أما فيلم "انفصال"، فقد نقل السينما الإيرانية من خانة الاستثناء الفني إلى مصاف اللاعبين العالميين القادرين على منافسة السرديات الكبرى دون الحاجة إلى ميزانيات ضخمة، وأثبت أن قصة محلية للغاية يمكنها أن تفتح آفاقًا عالمية حين تُكتب بصرامة وتُصوّر بذكاء.

وقد شكّل فوزه بجائزة الأوسكار وتكريمه في مهرجان برلين نقطة تحول بارزة في استقبال السينما الإيرانية على الصعيد الدولي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا