أعلنت السلطات المحلية في حلب، الجمعة، أن المقاتلين الأكراد المحاصرين في المدينة سيُنقلون خلال ساعات إلى مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا.
وأوردت مديرية الإعلام في محافظة حلب في بيان أنه "سيتم خلال الساعات القادمة نقل عناصر تنظيم قسد بالسلاح الفردي الخفيف إلى شرق الفرات"، بعيد إعلان وزارة الدفاع السورية عن وقف إطلاق نار بعد أيام من الاشتباكات الدامية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بين القوات الكردية والقوات الحكومية الإنتقالية، أرغمت آلاف المدنيين على الفرار.
وكانت وزارة الدفاع أعلنت، فجر الجمعة، وقفًا لإطلاق النار في المدينة "حرصًا على سلامة المدنيين ومنعًا لأي انزلاق نحو تصعيد عسكري جديد داخل الأحياء السكنية".
وأوضحت في بيان أن وقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ اعتبارًا من الساعة الثالثة فجرًا، مع منح مهلة للمقاتلين الأكراد لمغادرة تلك الأحياء تبدأ في التوقيت نفسه وتنتهي عند الساعة التاسعة صباحًا من يوم الجمعة. وسمح البيان للمسلحين المغادرين بحمل أسلحتهم الفردية الخفيفة فقط، متعهدًا بتأمين مرافقتهم وضمان عبورهم الآمن إلى مناطق شمال شرق البلاد.
وأكدت وزارة الدفاع أن هذا الإجراء يهدف إلى تمكين الأهالي الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم قسرًا من العودة إليها، واستئناف حياتهم الطبيعية.
بالتوازي، أعلنت وزارة الداخلية السورية انتشار وحدات من قوى الأمن الداخلي داخل الأحياء التي شهدت توترات أمنية، مع تراجع حدّة الاشتباكات، مشيرة إلى أن الهدف من الانتشار هو حماية الممتلكات العامة والخاصة.
وفي سياق متصل، حمّلت الحكومة السورية "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مسؤولية التصعيد الأخير، معتبرة أن نقض الاتفاق الموقّع في الأول من نيسان/أبريل شكّل السبب المباشر لحالة الفوضى. وطالبت بإنهاء الوجود المسلح في بعض أحياء المدينة، مؤكدة أن أولوياتها الراهنة تتمثل في تأمين محيط حلب، وحماية المدنيين، ومنع أي تصعيد قد يعرقل المسار السياسي.
كما دانت وزارة الإعلام السورية، في بيان منفصل، ما وصفته بـ"الاستهداف المتعمد" للصحافيين من قبل قوات "قسد" أثناء تأديتهم مهامهم الإعلامية في حلب، معتبرة ذلك "انتهاكًا صارخًا لحرية الصحافة ولمبادئ القانون الدولي التي تحظر استهداف الطواقم الإعلامية خلال النزاعات المسلحة".
وفي وقت سابق، حذّر القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي من خطر وشيك بوقوع "مجازر" في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، معتبرًا أن استمرار النهج العسكري وفرض حلول أحادية يهدد المدنيين ويهيّئ لتغييرات ديمغرافية خطيرة.
وقال إن نشر الدبابات وقصف الأحياء خلال المفاوضات يقوّض فرص التوصل إلى تفاهمات، مشيرًا إلى أن ممارسات مماثلة أدّت سابقًا إلى "جرائم حرب" في الساحل السوري والسويداء.
على الصعيد الدولي، رحّب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم برّاك بالهدنة المؤقتة في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود، معربًا عن أمله في أن تفضي إلى هدوء دائم وحوار أعمق.
وقال إن الهدنة "تدشّن عملًا حيويًا لتوجيه المسارات السورية المتنوعة نحو طريق مشترك للأمن والشمول والسلام الدائم"، مؤكدًا أن واشنطن تعمل على تمديدها لما بعد الموعد المحدد صباح الجمعة.
وفي الإطار السياسي، أجرى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع اتصالين هاتفيين مع كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى خلالهما بحث مستجدات الأوضاع في سوريا والمنطقة.
وأكد الشرع على "الثوابت الوطنية السورية"، وفي مقدمتها بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، مع التشديد على أولوية حماية المدنيين وتأمين محيط مدينة حلب.
وخلال الاتصال مع ماكرون، شدد الرئيس الانتقالي على أن حماية المدنيين وضمان عودة الحياة الطبيعية تمثل أولوية قصوى، مؤكدًا ما وصفه بـ"الدور الوطني والسيادي للدولة" في حماية جميع مكونات الشعب السوري، بما في ذلك المكوّن الكردي.
تأتي هذه التطورات بعد اشتباكات اندلعت منذ الثلاثاء، تبادلت خلالها القوات الحكومية والقوات الكردية الاتهامات بإشعال المواجهات، التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 21 شخصًا، وأجبرت آلاف المدنيين الأكراد على النزوح.
وترافقت المعارك مع تعثر المفاوضات بين دمشق وقسد، رغم اتفاق سابق في آذار/مارس نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة السورية.
ومع تصاعد المخاوف من توسّع رقعة الصراع إقليميًا، أعلنت أنقرة استعدادها لمساندة دمشق إذا طُلب منها ذلك.
وقال مسؤول في وزارة الدفاع التركية إن بلاده "تدعم معركة سوريا ضد المنظمات الإرهابية" وتتابع التطورات في الشمال السوري عن كثب.
في المقابل، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن الهجمات التي تشنها القوات الحكومية السورية على "الأقلية الكردية" في حلب "خطيرة وجسيمة"، معتبرًا أنها تتناقض مع وعود "سوريا الجديدة"، على حد تعبيره.
وتسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز، وكانت لاعبًا في قتال تنظيم الدولة الإسلامية بدعم من التحالف الدولي، قبل أن تُبدي مرونة تجاه السلطة الجديدة عقب سقوط حكم بشار الأسد، دون أن تلقى مطالبها المتعلقة باللامركزية الدستورية استجابة من دمشق.
وتُضاف اشتباكات حلب إلى سلسلة من أعمال العنف الطائفي التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية، واستهدفت أقليات مختلفة.
المصدر:
يورو نيوز