دعا رضا بهلوي، نجل آخر شاه (ملك) إيراني منفي، إلى تنظيم احتجاجات واسعة النطاق يوم الخميس، في أعقاب موجة المظاهرات الأخيرة التي اندلعت في البلاد.
وقال الابن الأكبر للشاه الذي أُطيح به في ثورة 1979 الإيرانية الإسلامية، في رسالة على مواقع التواصل الاجتماعي، إن الإقبال على الاحتجاجات الأخيرة كان "غير مسبوق"، وإنه تلقى تقارير تفيد بأن "النظام يشعر بخوف شديد ويحاول، مرّة أخرى، قطع الإنترنت" لوقف الاحتجاجات.
فماذا نعرف عن ولي العهد للشاه السابق الذي يسعى مجدداً إلى لعب دور في رسم مستقبل بلاده؟
نشأ رضا بهلوي منذ ولادته كخليفة لعرش إيران، وكان يتلقى تدريباً على الطيران المقاتل في الولايات المتحدة عندما أطاحت ثورة 1979 بالنظام الملكي لوالده.
راقب الابن، من بعيد، والده، محمد رضا شاه بهلوي - الذي كان يحظى بدعم الحلفاء الغربيين - وهو يكافح لإيجاد ملجأ في بلد آخر، ثم توفي في نهاية المطاف بمرض السرطان في مصر.
أدى فقدانه المفاجئ للسلطة إلى ترك ولي العهد الشاب وعائلته بلا جنسية، معتمدين على دائرة متضائلة من الملكيين والمتعاطفين في المنفى.
في العقود اللاحقة، حلّت المأساة بالعائلة أكثر من مرة. فقد انتحرت شقيقته وشقيقه الأصغر، ليصبح هو الرأس الرمزي لسلالة ظنّ الكثيرون أنها طُويت في غياهب التاريخ.
والآن، في الخامسة والستين من عمره، يسعى رضا بهلوي مجدداً إلى لعب دور في رسم مستقبل بلاده.
من منزله في ضاحية هادئة قرب واشنطن العاصمة، يصفه مؤيدوه بأنه متواضع وودود - يتردد باستمرار على المقاهي المحلية، وغالباً ما ترافقه زوجته ياسمين، دون حراسة ظاهرة.
في عام 2022، عندما سأله أحد المارة عما إذا كان يعتبر نفسه قائداً لحركة الاحتجاج في إيران، أجاب هو وياسمين بصوت واحد "التغيير يجب أن ينبع من الداخل".
في السنوات الأخيرة، ازدادت لهجته حزماً. فبعد الغارات الجوية الإسرائيلية عام 2025 التي أسفرت عن مقتل عدد من كبار الجنرالات الإيرانيين، أعلن بهلوي في مؤتمر صحفي في باريس استعداده للمساعدة في قيادة حكومة انتقالية في حال انهيار الجمهورية الإسلامية.
ومنذ ذلك الحين، وضع خطة مدتها 100 يوم لتشكيل إدارة مؤقتة.
ويؤكد بهلوي أن هذه الثقة الجديدة نابعة من الدروس التي تعلمها في المنفى، ومن ما يسميه "المهمة غير المكتملة" التي تركها والده.
وقال للصحفيين في باريس "الأمر لا يتعلق باستعادة الماضي، بل يتعلق بتأمين مستقبل ديمقراطي لجميع الإيرانيين".
وُلد بهلوي في أكتوبر/تشرين الأول عام 1960 في طهران، وكان الابن الوحيد للشاه بعد أن فشلت زيجتان سابقتان في إنجاب وريث ذكر. نشأ في كنف النعيم، وتلقى تعليمه على يد معلمين خصوصيين، وتدرب منذ صغره على الدفاع عن النظام الملكي.
في سن السابعة عشرة، أُرسل إلى تكساس للتدرب كطيار مقاتل. ولكن قبل أن يتمكن من العودة للخدمة، أطاحت الثورة بحكم والده.
منذ ذلك الحين، يعيش بهلوي في الولايات المتحدة. درس العلوم السياسية، وتزوج ياسمين، وهي محامية أمريكية من أصل إيراني، وأنجب منها ثلاث بنات: نور، وإيمان، وفرح.
ظل بهلوي، في منفاه، رمزاً قوياً للملكيين.
يتذكر الكثيرون عهد بهلوي كعهد تحديث سريع وتوثيق للعلاقات مع الغرب. بينما يتذكر آخرون حقبة اتسمت بالرقابة وجهاز السافاك السري المرعب، الذي استُخدم لقمع المعارضة واشتهر بانتهاكات حقوق الإنسان.
على مر السنين، تذبذبت شعبيته داخل إيران. ففي عام 1980، أقام مراسم تتويج رمزية في القاهرة، معلناً نفسه شاهاً. ورغم أن هذه المراسم لم يكن لها تأثير عملي يُذكر، إلا أن بعض معارضيه يرون أنها تقوّض رسالته الحالية الداعية إلى الإصلاح الديمقراطي.
وقد بذل محاولات عديدة لتشكيل تحالفات معارضة، من بينها المجلس الوطني الإيراني للانتخابات الحرة، الذي تأسس عام 2013. إلا أن معظم هذه التحالفات واجهت صعوبات بسبب الخلافات الداخلية ومحدودية التواصل داخل إيران.
وخلافاً لبعض جماعات المعارضة في المنفى، رفض بهلوي العنف رفضاً قاطعاً ونأى بنفسه عن الفصائل المسلحة مثل منظمة مجاهدي خلق.
ودعا مراراً وتكراراً إلى انتقال سلمي للسلطة واستفتاء وطني لتحديد مستقبل النظام السياسي في إيران.
حظي بهلوي باهتمام متجدد في السنوات الأخيرة. وعادت هتافات "رضا شاه، رحمك الله" - في إشارة إلى جده - للظهور خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2017.
وأشعل مقتل مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة عام 2022 مظاهرات عارمة في جميع أنحاء البلاد، ما أعاده إلى دائرة الضوء الإعلامي.
وقد لاقت محاولته لتوحيد المعارضة الإيرانية المتشرذمة اهتماماً دولياً حذراً، لكنها فشلت في نهاية المطاف في الحفاظ على زخمها. ويرى منتقدوه أنه لم يتمكن بعد من بناء تنظيم راسخ أو مؤسسة إعلامية مستقلة بعد أربعة عقود قضاها في الخارج.
وزادت زيارته المثيرة للجدل إلى إسرائيل عام 2023 من حدة الاستقطاب في الآراء. فقد حضر بهلوي فعالية لإحياء ذكرى المحرقة والتقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ورأى بعض الإيرانيين في ذلك بادرة تواصل براغماتية، بينما اعتبرها آخرون استعداءً لحلفاء إيران العرب والمسلمين.
وبعد الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة داخل إيران، واجه أسئلة صعبة.
وفي مقابلة مع لورا كوينسبيرغ من بي بي سي، سُئل عما إذا كان يؤيد الهجمات الإسرائيلية التي تُعرّض حياة المدنيين للخطر: أكد أن المواطنين الإيرانيين ليسوا هدفاً، وقال إن "أي شيء يُضعف النظام" سيُرحب به الكثيرون داخل إيران، وهي تصريحات أثارت جدلاً حادّاً.
اليوم، يُقدم بهلوي نفسه لا كملك مُنتظر، بل كرمز للمصالحة الوطنية.
يقول إنه يُريد المُساعدة في توجيه إيران نحو انتخابات حرة، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق بين الجنسين، تاركاً القرار النهائي بشأن إعادة الملكية أو إقامة جمهورية لاستفتاء شعبي.
يرى مؤيدوه أنه الشخصية المعارضة الوحيدة المعروفة والملتزمة منذ زمن طويل بالتغيير السلمي. في المقابل، يرى منتقدوه أنه لا يزال يعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، ويتساءلون عما إذا كان الإيرانيون داخل البلاد، المُنهكون بعد عقود من الاضطرابات السياسية، مُستعدين للوثوق بأي زعيم في المنفى.
بينما تُصوّره الحكومة الإيرانية كتهديد، يستحيل قياس مدى شعبيته الحقيقية في غياب المساحة السياسية المفتوحة واستطلاعات الرأي الموثوقة.
وبينما لا يزال بعض الإيرانيين يُجلّون اسم عائلته، يخشى آخرون استبدال حاكم غير منتخب بآخر، حتى تحت ستار الديمقراطية.
وفي حين لا يزال جثمان والد بهلوي مدفوناً في القاهرة، في انتظار ما يأمل الملكيون أن يكون عودة رمزية إلى إيران يوماً ما، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيشهد ولي عهد الشاه المنفي ذلك اليوم - أو إيران حرة؟ - وهو أحد الأسئلة العديدة التي لم يتم الإجابة عنها بعدُ في شأن أمة لا تزال تُصارع ماضيها.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة