إنه هداف كأس الأمم الأفريقية في المغرب بأربعة أهداف حتى الآن، وهو أفضل لاعب في مباراة "أسود الأطلس" الأخيرة أمام تنزانيا برسم دور الـ16 من الكان. هذه فقط لمحات قليلة مما يُقدمه حاليا إبراهيم دياز مع منتخب بلاده في البطولة المُقامة على أرض المغرب.
ومنذ قص شريط البطولة قبل أكثر من أسبوعين، استطاع إبراهيم دياز أن يفرض اسمه بقوة كأفضل لاعب في تشكيلة المنتخب المغربي ، ويُوجه رسالة مُبطنة إلى مدربه في ريال مدريد تشابي ألونسو، الذي وضعه تماما خارج حساباته هذا الموسم.
ويُعد إبراهيم دياز أمل المغرب في التتويج باللقب القاري الغائب عن خزائن "أسود الأطلس" منذ نصف قرن بالضبط. وكافح المغرب كثيرا من أجل إقناع صاحب اليُسرى الساحرة بحمل قميص المغرب بدلا من إسبانيا، المكان الذي ولد فيه، وكان دياز قريبا جدا من تمثيل منتخب "لاروخا" لولا العمل الكبير، الذي قام به رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، وأيضا لاعب باريس سان جيرمان أشرف حكيمي .
جماهير المغرب تعول بقوة على إبراهيم دياز للفوز باللقب.صورة من: Hussein Sayed/AP Photo/picture alliance
ويُجيد دياز اللعب بكلتا القدمين. كما أنه سريع جدا في المراوغة واستخدام الجسد بطريقة تخدع المنافسين. كذلك، يتميز دياز بتمريراته الذكية، التي تضع باقي اللاعبين في وضعية أفضل لصناعة الفارق، وهز الشباك.
ويُدرك دياز أن الضغوطات المُلقاة على عاتقه كبيرة للغاية، خاصة وأنه يمتلك في جعبته الكثير ليقدمه للجمهور المغربي، الذي يتغنى باسمه في كثير من مباريات "أسود الأطلس". بالإضافة إلى أنه نال ثناء المدرب المغربي وليد الركراكي ، الذي يرى أن إبراهيم دياز دخل إلى أجواء المنافسات الأفريقية، حسب ما تناقلته وسائل إعلام مغربية مختلفة.
والمفارقة المثيرة في مسار إبراهيم دياز هذا الموسم، هو أن لاعب ريال مدريد يُعاني من قلة المشاركة مع "الميرنغي". وباستثناء أولى مباريات ريال مدريد، لم يحظ إبراهيم بفرصته الكاملة لإبراز علو كعبه مع الفريق الإسباني العملاق، حيث أصبح حبيس دكة البدلاء، بل وحتى خارج حسابات مدرب الفريق تشابي ألونسو.
المغرب يتألق بفضل دياز. صورة من مباراة المغرب أمام تنزانيا.صورة من: Amr Abdallah Dalsh/REUTERSإلا أن الصورة تتغير بشكل كبير مع المنتخب المغربي، إذ يُعد "سي إبراهيم"، كما يُلقبه مغاربة، من الركائز الأساسية في تشكيلة المغرب. ووصفت صحيفة "آس" الإسبانية إبراهيم دياز بـ"المحرك الأساسي" للهجوم المغربي في البطولة. وأضافت أن صاحب اليُسرى الساحرة يصنع الفارق بلمساته الحاسمة مع المغرب في كأس الأمم الأفريقية.
وإبراهيم دياز من نوعية اللاعبين، الذين يحتاجون اهتماما خاصا من أجل إبراز قدراتهم كاملة. ويُنظر إلى مدرب المغرب وليد الركراكي كواحد من المدربين، الذين يُجيدون إخراج أفضل ما في جعبة اللاعبين، حيث يُركز في عمله على الجانب النفسي، الذي لا يقل أهمية على الجانب التكتيكي.
ويبدو أن الركراكي قد خاض نقاشات مطولة مع دياز بهدف تحضيره بشكل جيد للبطولة، وكذلك لنفض الغبار عن نفسه. وهو ما يبدو أنه قد تحقق لحد الآن.
وارتفعت أسهم إبراهيم دياز بقوة في بورصة اللاعبين، عندما كان يدافع عن ألوان فريق إس ميلان الإيطالي. وكان من إبرز لاعبي الفريق العريق، حيث قاده للفوز في عدة مباريات، سواء بأهدافه المميزة أو بتمريراته الساحرة لباقي زملائه اللاعبين.
دياز تألق بشكل كبير من ميلان الإيطالي. دياز على يمين الصورة.صورة من: Gabriel Bouys/AFPوكثيرا ما تمت مقارنة نسخة إبراهيم دياز في ميلان بأسطورة برشلونة ليونيل ميسي. ويتشابه الثنائي في قصر القامة، واللعب بالقدم اليسرى. إلا أن الأرقام والجوائز تضع بالتأكيد النجم الأرجنتيني بعيدا جدا عن إبراهيم دياز، الذي عاش أفضل أيامه الكروية حتى الآن مع ميلان الإيطالي.
وكان تألق دياز سببا رئيسيا في انتقاله إلى فريق ريال مدريد. ويربطه عقد مع "الأبيض الملكي" يمتد حتى صيف عام 2027، حسب ما أورده موقع "ترانسفير ماركت"، الذي يُعنى بشؤون اللاعبين في عالم كرة القدم.
في الموسم الجاري، لعب إبراهيم دياز مع ريال مدريد حتى الآن 484 دقيقة فقط في جميع البطولات. وشارك في أغلب مباريات "الميرنغي" كلاعب بديل. وفي بداية الموسم، حاول مدرب الفريق تشابي ألونسو الاعتماد عليه كلاعب أساسي في تشكيلة الفريق.
وبالفعل، نال دياز أكثر من فرصة في البداية ليثبت أنه رقم صعب في تشكيلة "الملكي"، ويُمكن الاعتماد عليه طيلة مباريات الموسم. بيد أن الأمور لم تسر وفق ما كان يتمناه المدرب ألونسو أو اللاعب نفسه، إذ لم يُقدم دياز الأداء المُنتظر منه.
وقد يكون سبب "تواضع" مستوى دياز مع ريال مدريد في بداية الموسم، هو حاجة اللاعب إلى وقت من أجل أن يتعود على نسق المباريات، لا سيما وأن بداية كل موسم كروي تحتاج للوقت من أجل أن يجد اللاعب نفسه من جديد، ويتألق مع فريقه.
إلا أن الأمور في ريال مدريد مغايرة تماما. فالفريق تعود دائما على المنافسة على كل الألقاب الممكنة، ما يعني أن المنافسة داخل الفريق على أشدها. زيادة على ذلك، فإن تشابي ألونسو، مدرب ريال مدريد، يحتاج إلى إثبات أنه المدرب الأحق بقيادة الفريق، خاصة بعد رحيل المدرب الإيطالي الشهير كارلو أنشيلوتي لتولي تدريب المنتخب البرازيلي.
ولم يتردد تشابي ألونسو كثيرا في وضع إبراهيم دياز على دكة البدلاء، حيث أصبح من النادر جدا أن يخوض الدولي المغربي منذ البداية مباراة مع ريال مدريد. والأدهى من ذلك، هو أن دقائق لعب دياز مع ريال مدريد أخذت في التراجع شيئا فشيئاـ لدرجة أنه في بعض المباريات لم يحصل على دقيقة لعب واحدة.
هل وصلت الرسالة إلى ألونسو، صورة أرشيفية.صورة من: Harry Langer/dpa/picture allianceزيادة على ذلك، تبين مع مرور المباريات أن دياز لم يعد حتى الخيار الثاني في قائمة التغييرات، لا سيما وأن زميله في الفريق رودريغو، عاد من جديد وأصبح خيار تشابي ألونسو الأول.
ويُعد تألق إبراهيم دياز مع المنتخب المغربي حاليا رسالة شديدة اللهجة إلى مدرب ريال مدريد تشابي ألونسو، مفادها أن صاحب القدم اليسرى الساحرة يستحق فرصة أخرى ليؤكد علو كعبه، ويثبت أنه يستحق اللعب بشكل رسمي مع ريال مدريد رغم قوة المنافسة.
وما يشفع لدياز حاليا هو أنه أحد أفضل لاعبي كأس الأمم الأفريقية في المغرب، حيث يظهر بوضوح أنه استعاد مستواه المميز. فضلا عن مرونته التكتيكية وقدرته على اللعب في أكثر من مركز، وهو ما يحتاج إليه بشدة تشابي ألونسو.
مُعطى آخر يلعب لصالح دياز مع ريال مدريد حاليا، وهو تحول زميله في الفريق فينيسيوس جونيور إلى "صداع في رأس" مدرب وإدارة الفريق، لا سيما وأن علاقة اللاعب مع المدرب وجماهير الفريق توترت بسبب بعض تصرفات الدولي البرازيلي، ومن بينها الاحتجاج على قرار استبداله في مباراة "الكلاسيكو" أمام برشلونة.
وتُشير عدة تقارير قادمة من إسبانيا أن فينيسيوس ربما لن يُطيل المقام مع ريال مدريد، وقد يرحل هذا الموسم صوب الدوري الفرنسي للعب مع باريس سان جيرمان أو ربما إلى السعودية.
وتبدو الأمور مقبلة على التغير بالنسبة لإبراهيم دياز في ريال مدريد؛ شريطة أن يواصل تألقه مع المغرب من أجل الضغط بشكل أكبر على مدرب ريال مدريد تشابي ألونسو.
وربما قد يصبح التتويج بلقب الكان مع المغرب مفتاح دياز لاستعادة الرسمية مع ريال مدريد، لكن الأهم من ذلك بالنسبة للمغاربة هو الفوز باللقب القاري الذي طال انتظاره.
تحرير: صلاح شرارة
المصدر:
DW