دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- عندما اكتُشفت سفينة قديمة في شمال أوروبا قبل أكثر من 100 عام، بدأ علماء الآثار الكشف عن أجزاء من تاريخها.
على متن السفينة المبنية من الألواح الخشبية، كان هناك كنز من الأسلحة مؤلف من سيوف ورماح ودروع وغير ذلك، يشي بقصة محاربين حاولوا مهاجمة جزيرة "ألس" الدنماركية، لكنهم فشلوا في نهاية المطاف.
وغمر المدافعون عن الجزيرة السفينة في مستنقع، حيث بقيت هناك حتى اكتشافها وتنقيبها بعد أكثر من ألفي عام.
مع ذلك، بقيت أسئلة من دون إجابات، مثل مصدر الغزاة وتوقيت وصولهم. لكن ربما تُقرّب دراسة جديدة صدرت في مجلة "PLOS ONE" العلمية في بداية ديسمبر/كانون الأول، العلماء خطوة من كشف الأصل الغامض للسفينة الشهيرة المعروفة باسم قارب "هيوورتسبرينغ" (Hjortspring).
توفر النتائج بيانات التأريخ بالكربون المشع بالإضافة إلى تحليل مواد البناء، مشيرة إلى أنّ السفينة قد قطعت مسافة أبعد ممّا اعتُقد سابقًا.
وأطلع المؤلف الرئيسي للدراسة، ميكائيل فوفيل، وهو أيضًا أستاذ مساعد، وباحث في قسم علم الآثار والتاريخ القديم في جامعة لوند في السويد، CNN على أنّ "عملنا قدّم خيطًا جديدًا مهمًا لحل لغز مصدر الغزاة في السفينة".
كما كشف الباحثون عن شيء غير متوقع: بصمة إصبع بشرية جزئية وُجدت على شظايا من القطران على السفينة، ربما تركها أحد البحارة الأصليين. ووفقًا لفوفيل، كانت البصمة اكتشافًا نادرًا يمكن أن يقدّم صلة مباشرة بشخص استخدم السفينة القديمة.
قبل غرقه، كان طول قارب "هيوورتسبرينغ" يقارب 20 مترًا ويتسع لنحو 24 شخصًا.
وهياكله معروضة حاليًا في المتحف الوطني للدنمارك في كوبنهاغن.
يُعتقد أنّ السفينة هي أقدم سفينة محفوظة مبنية من الألواح في شمال أوروبا، وتشكل دليلًا على التقنية المتقدمة لصناعة السفن في أوائل العصر الحديدي بإسكندنافيا، بحسب فليمينغ كاول، مؤلف مشارك في الدراسة وباحث أول وأمين مجموعات ما قبل التاريخ في المتحف الوطني للدنمارك.
بعد التنقيب عن السفينة في مطلع عشرينيات القرن الماضي، أُجريت دراسات واسعة لتحديد مصدر الغزاة. ولم يُكتشف أول خيط رئيسي جديد منذ أكثر من قرن إلا في العام 2024، عندما حلّل مؤلفو الدراسة الجديدة مادة السداد (caulking) غير المفحوصة سابقًا، وهي مادة عازلة تجعل السفينة محكمة ضد المياه، والحبال الموجودة مع السفينة.
كان يُفترض سابقًا أنّ مادة السداد مصنوعة من مواد محلية مثل زيت بذور الكتان أو شحم البقر، لكن الباحثين اكتشفوا أنّ المادة تتكون في الواقع من مزيج من دهن الحيوانات وراتنج الصنوبر.
خلال تلك الفترة، كان في الدنمارك عدد قليل من غابات الصنوبر، ما يُشير إلى أنّ السفينة ربما بُنيت في منطقة أخرى، مثل السواحل المطلة على بحر البلطيق التي كانت تحتوي على غابات صنوبر.
وإذا كان المحاربون قد جاءوا من هذا الاتجاه، فهذا يعني أنهم قطعوا مسافة طويلة، وقد يشير إلى أنّ الهجوم كان منظمًا ومخططًا له مسبقًا، وفقًا للدراسة.
قال فوفيل إنّ الخيط الجديد "يُظهر أنّ تقليد الإسكندنافيين في الملاحة البحرية للمداهمة والتجارة، الذي ارتبط بعصر الفايكنغ، له جذور عميقة تمتد لآلاف السنين إلى مطلع العصرين الحديدي والبرونزي. كما يُظهر أنّ إسكندنافيا القديمة كانت منطقة مترابطة جدًا، وعلى غرار اليوم، كانت النزاعات السياسية والتحالفات تتجاوز الحدود الإقليمية، وكان للناس اتصالات ببعضهم رغم المسافات الكبيرة التي تفرق بيهم".
وجد أولي كاسثولم، المتخصص في الملاحة البحرية الإسكندنافية القديمة وباحث أول في متحف روسكيلد بالدنمارك، أنّ الاستخدام غير المتوقع لراتنج الصنوبر في السداد أمر مثير. ووافق كاسثولم، غير المشارك في الدراسة الجديدة، على مقترح مؤلفي الدراسة بأن سفينة هيوورتسبرينغ قد تكون جاءت من مناطق بحر البلطيق.
عندما استخرج مؤلفو الدراسة شظايا السداد من الأرشيف، عثروا أيضًا على بعض الحبال سليمة، وهو اكتشاف غير متوقع سمح بإجراء تأريخ بالكربون المشع.
وأوضح المؤلفون أنّ هذه الطريقة الحديثة للتأريخ لم تكن موجودة وقت التنقيب عن السفينة.
لكن من خلال الحبال، تبيّن أنّ السفينة تعود إلى القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد، وهو ما يتوافق مع التأريخات السابقة.
وكان هناك أيضًا بصمة الإصبع الجزئية على السفينة، التي تُعد بمثابة "اللمسة الأخيرة"، إذ قال فوفيل: "البصمات نادرة جدًا في هذه الفترة الزمنية وهذه المنطقة".
في حين تقدّم الخيوط الجديدة خلفية مهمة بشأن المحاربين، يأمل المؤلفون أنّ يتمكن البحث المستقبلي يومًا ما من حل لغز أصل السفينة.
المصدر:
سي ان ان