الدار البيضاء – بين أجنحة معرض دولي نُظم بالتوازي مع مسابقة عالمية لإصلاح الهواتف الذكية في الدار البيضاء، يتنقل الشاب أنور بوستة، 24 عاما، بين منصات الشركات المتخصصة في معدات الصيانة، يتفحص الأجهزة ويقارن الأسعار قبل أن يختار معدات جديدة سيحملها إلى محله في مراكش.
قبل خمس سنوات، دخل أنور عالم صيانة الهواتف بدافع الشغف بالتقنية، كما يقول للجزيرة نت، قبل أن يخضع لتكوين مهني مكثف استمر ستة أشهر ويفتتح محله الخاص. ومنذ ذلك الحين، أصبح تطوير مهاراته وتحديث أدواته جزءا من مساره المهني.
ولا يمثل المعرض بالنسبة إليه مجرد فرصة للاطلاع على أحدث المعدات، بل مساحة لاختيار أدوات يمكن أن تطور نشاطه ومتابعة التحولات في مهنة تتغير تقنياتها مع كل جيل جديد من الهواتف.
وراء تجربة أنور سوق واسعة تتغذى على الانتشار الكبير لخدمات الهاتف المحمول في المغرب، فقد بلغ عدد الاشتراكات 57.39 مليون اشتراك بنهاية مارس/آذار 2025، بزيادة سنوية 3.91%، بينما بلغ معدل الانتشار 155.84%، بحسب الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات.
ولا يعني عدد الاشتراكات وجود عدد مماثل من الأجهزة أو المستخدمين، لكنه يعطي مؤشرا إلى اتساع السوق التي تتحرك فيها تجارة الهواتف والخدمات المرتبطة بصيانتها.
وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد العاملين في إصلاح الهواتف، يقدر رئيس الهيئة الحرفية الجهوية لإصلاح الآلات والمحركات ورئيس مسابقة "سي جي سي موروكو" رضوان الإدريسي، في حديث للجزيرة نت، عدد المحلات والتقنيين المتخصصين بالإصلاح بما بين 8 آلاف و10 آلاف في الدار البيضاء وحدها.
أما محمد عبد الفضل، عضو اللجنة المنظمة للمسابقة، فيقدّر عدد محلات إصلاح الهواتف على المستوى الوطني بنحو 25 ألف محل، يعمل فيها قرابة 100 ألف شخص. وتظل هذه تقديرات صادرة عن مهنيين في القطاع وليست إحصاءات رسمية.
ويرى الخبير الاقتصادي ياسين أعليا أن إصلاح الهواتف أصبح نشاطا اقتصاديا منتشرا في مختلف مناطق المغرب، بالتوازي مع تزايد استخدام الأجهزة وتطورها التقني واتساع شبكات الهاتف والإنترنت.
ويقول للجزيرة نت إن جزءا كبيرا من النشاط لا يزال ضمن القطاع غير المهيكل، لكنه يمتلك فرصا للتنظيم والتطور، فضلا عن دوره في إطالة عمر الأجهزة وتقليل الحاجة إلى استبدالها.
في المعرض، الذي شاركت فيه نحو 20 شركة صينية تعمل في منظومة إصلاح الهواتف، يقدم الحرفي عبد الرزاق الشافي تجربة تمتد لنحو ثلاثة عقود، عاصر خلالها تغير طبيعة المهنة مع تطور الأجهزة وتوافر المعلومات التقنية.
ولم يعد الإصلاح مقتصرا على استبدال القطع، بل أصبح يشمل تشخيص الأعطال وإصلاح اللوحات الإلكترونية واللحام الدقيق وتجديد بعض المكونات.
ويظهر هذا التحول في طبيعة المسابقة المهنية نفسها، إذ تضمنت المرحلة المغربية من بطولة العالم "CGC World Cup" منافسات في إصلاح اللوحات الأم واللحام الدقيق وتشخيص أعطال أجهزة آيفون وأندرويد، إلى جانب تجديد الشاشات والتفكيك وإعادة التركيب.
ويقول وايمان لاو، مؤسس ومدير شركة "G-LON" الصينية، إن مشاركة الشركات الصينية تستهدف تمكين التقنيين المغاربة من الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا التي طورتها هذه الشركات، وربط المصنعين بالخبراء والعاملين في القطاع، إلى جانب فتح أسواق جديدة أمام الشركات.
ويرى أعليا أن الخبرة الميدانية المتراكمة لدى العاملين يمكن أن تشكّل قاعدة لتطوير المعرفة التقنية ونقل التكنولوجيا، بما يتيح توظيف بعض هذه المهارات في مجالات إلكترونية أوسع.
يتوسّع النشاط في وقت يواجه فيه الشباب المغربي صعوبات في سوق العمل، فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب من 15 إلى 24 عاما 37.2% خلال 2025، مقابل 13% على المستوى الوطني، بينما أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف فرصة عمل خلال العام، منها 123 ألفا في قطاع الخدمات، وفق المندوبية السامية للتخطيط.
وفي هذا السياق، يرى الإدريسي أن إصلاح الهواتف يمكن أن يوفر فرص عمل للشباب، خصوصا مع إمكانية الانتقال من تعلم المهارة إلى ممارسة النشاط بصورة مستقلة.
ويقدر عبد الفضل أن دخل التقني المتمكن يمكن أن يتراوح بين 10 آلاف و12 ألف درهم شهريا (نحو 1055 و1266 دولارا)، مشيرا إلى أن تكوينا لمدة أربعة أشهر قد يسمح للشاب، وفق تقديره، بالوصول إلى مستوى يؤهله لدخول المهنة. وتظل هذه الأرقام تقديرات مهنية وليست متوسطات رسمية للدخل في القطاع.
من جانبه، يقول مؤسس النادي المغربي لاقتصاد المقاولة أحمد أزيرار، للجزيرة نت، إن المهنة يمكن أن تستقطب شبابا من مستويات تعليمية مختلفة، مشيرا إلى أن إدماجهم في مسارات تكوينية معترف بها يمكن أن يرفع جودة الخدمات ويدعم فرص التشغيل والاستقرار الاقتصادي.
رغم انتشار النشاط وإدراج إصلاح معدات الاتصال ضمن التصنيف الوطني للأنشطة الاقتصادية لا يزال جزء مهم منه يعمل خارج الاقتصاد المنظم.
ويرى أزيرار أن القطاع يواجه العقبات نفسها التي تواجه أنشطة غير مهيكلة أخرى تستوعب أعدادا كبيرة من العمال من دون اندماج كامل في المنظومة الجبائية والتنظيمية، موضحا أن أحد التحديات يتمثل في إحجام جانب من العاملين عن الانخراط طوعيا في مسارات الهيكلة والتنظيم.
ويضيف أن تجاوز هذه الوضعية يحتاج إلى التوعية والدعم والتكوين، بالتوازي مع مواكبة التحولات الرقمية والاقتصادية التي تشهدها المهنة.
وفي المقابل، يشير عبد الفضل إلى وجود مسارات يمكن للشباب وأصحاب الأنشطة الفردية الاستفادة منها، من بينها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومؤسسة محمد الخامس للتضامن و"أنابيك"، فضلا عن نظام "المقاول الذاتي" الذي يوفر إطارا مبسطا لممارسة النشاط وإصدار الفواتير وتطوير المشروع.
وتأتي هذه الخيارات ضمن حركة أوسع لتأسيس المشروعات في المغرب، فقد شهد النصف الأول من 2025 إنشاء 56 ألفا و572 شركة، بزيادة سنوية 17.7%، بينها 16 ألفا و259 مقاولة فردية بزيادة 22%، وفق المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية.
ولا ترتبط هذه الأرقام مباشرة بقطاع إصلاح الهواتف، لكنها تعطي صورة عن البيئة التي يمكن أن ينتقل ضمنها التقني من نشاط فردي إلى مشروع اقتصادي أكثر تنظيما.
ويتجاوز الأثر الاقتصادي للمهنة توفير الدخل وفرص العمل إلى إطالة العمر التشغيلي للأجهزة والحد من تحولها السريع إلى نفايات إلكترونية.
فقد بلغ حجم النفايات الكهربائية والإلكترونية في المغرب نحو 177 ألف طن عام 2022، مقابل 127 ألف طن عام 2015، مع توقعات بوصولها إلى 213 ألف طن بحلول 2030، بينما لم تتجاوز نسبة التدوير 13% عام 2020، وفق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
ويرى أعليا أن إصلاح الهاتف وإطالة عمره يجعلان النشاط جزءا من الاقتصاد الدائري؛ إذ يؤخر الإصلاح قرار استبدال الجهاز ويحافظ مدة أطول على قيمته ومكوناته. كما يمكن لاحقا استرجاع بعض المواد الموجودة في النفايات الإلكترونية وإعادة تثمينها، رغم أن ضعف هيكلة سلسلة القيمة لا يزال يحد من الاستفادة الكاملة منها.
وفي مراكش، يعود أنور إلى محله حاملا معداته الجديدة ليواصل العمل على هاتف آخر، وبين سوق تتسع ومهارات تزداد تخصصا، توفر المهنة مصدر دخل لآلاف العاملين، بينما يبقى انتقالها من نشاط يغلب عليه الطابع غير المهيكل إلى قطاع أكثر تنظيما أحد أبرز التحديات أمام توسعها داخل الاقتصاد المغربي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة